أعلنت إدارة المحيطات والغلاف الجوي الوطنية الأمريكية (نوعا)، في 11 يونيو 2026، دخول ظاهرة إل نينيو حيز التنفيذ رسميا في المحيط الهادئ الاستوائي، ورفعت درجة التأهب إلى “إنذار إل نينيو”. وبحسب المرصد الأمريكي، ترجّح النماذج المناخية بنسبة تناهز 63 بالمئة أن تتحول الظاهرة إلى موجة “قوية جدا” بين شهري نوفمبر 2026 ويناير 2027، فيما تشير توقعات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى إلى احتمال بلوغها مستوى قياسيا. في المقابل، ترفع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمالات استمرار الظاهرة إلى ما يقارب 90 بالمئة حتى نوفمبر على الأقل.
يأتي هذا التطور في توقيت حساس بالنسبة إلى الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، التي خرجت خلال موسم 2025-2026 من دورة جفاف امتدت سنوات، لتسجل السدود والمحاصيل الزراعية أرقاما لم تُشهد منذ عقد كامل في بعض الحالات. غير أن السؤال الذي يطرحه خبراء المناخ في المنطقة ليس ما إذا كان إل نينيو سيؤثر على شمال إفريقيا، بل إلى أي حد يمكن التنبؤ بهذا التأثير أصلا. فخلافا لمناطق أخرى من القارة، حيث ترتبط الظاهرة بأنماط جفاف أو فيضان شبه مؤكدة، يظل أثرها على حوض البحر الأبيض المتوسط رهين تفاعل معقد بين عدة أنظمة مناخية متزامنة، ما يجعل الجزم بمصير الشتاء المقبل أقرب إلى الحذر العلمي منه إلى التنبؤ القاطع.
لماذا يبقى تأثير المحيط الهادئ على شمال إفريقيا غامضا علميا
على عكس منطقة الساحل أو القرن الإفريقي أو جنوب إفريقيا، حيث توثّق الأبحاث ارتباطا واضحا بين إل نينيو وأنماط جفاف أو غزارة أمطار محددة، تبقى العلاقة بين الظاهرة وهطول الأمطار في المغرب العربي أضعف بكثير وأقل ثباتا. فقد خلصت مراجعة علمية نشرتها مجلة “نيتشر ريفيوز إيرث آند إنفايرونمنت” إلى أن تأثيرات إل نينيو في إفريقيا تتباين بشدة بحسب الموسم والمنطقة، مع وجود ثنائية قطبية واضحة بين شرق القارة وجنوبها، لكن دون إشارة قوية مماثلة لشمال إفريقيا. وفي دراسة أجريت على المغرب ونُشرت في مجلة “ساينتفيك ريبورتس”، تبيّن أن التذبذب الأطلسي الشمالي والتذبذب المتوسطي هما العاملان الأكثر تأثيرا في هطول الأمطار الشتوية، بينما لا يظهر أثر إل نينيو بوضوح إلا في فصل الربيع، وبتفاعل مع أنماط مناخية أخرى قادمة من الأطلسي والمتوسط.
هذا التعقيد لا يعني غياب التأثير كليا، بل يعني أن حرارة مياه المتوسط ذاتها، والتي ترتفع في السنوات نفسها التي يظهر فيها إل نينيو، قد تزيد من رطوبة الهواء المتجه نحو شمال إفريقيا، بحسب أبحاث أخرى تناولت هذا الرابط. بعبارة أخرى، قد يتقاطع تأثير المحيط الهادئ مع عوامل محلية تعمل أحيانا في الاتجاه المعاكس لما يُلاحظ في مناطق أخرى من القارة.
سدود استعادت أنفاسها بعد سنوات من الشح المائي
بعد سنوات من الجفاف الحاد، سجّلت السدود المغاربية في 2026 مستويات لم تبلغها منذ عقد كامل في بعض الحالات. ففي المغرب، بلغ معدل الامتلاء الوطني للسدود 74.43 بالمئة بتاريخ 19 يونيو 2026، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس 2015، بحصيلة مخزون قاربت 12.6 مليار متر مكعب. ويقود حوض أم الربيع هذا الانتعاش، حيث انتقل سد المسيرة وحده من نسبة امتلاء لم تتجاوز 5 بالمئة في 2025 إلى نحو 43 بالمئة حاليا. غير أن خبراء الموارد المائية يحذّرون من أن هذا التحسن السطحي لا يعكس بالضرورة تعافي المياه الجوفية، التي لا تزال بعيدة عن مستوياتها قبل الجفاف بحسب بيانات الأقمار الصناعية.
في الجزائر، أظهرت بيانات حديثة أن 58 سدا من أصل 81 سدا تجاوزت نسبة امتلائها 50 بالمئة، منها 10 سدود بلغت طاقتها القصوى. غير أن الفوارق الجهوية تبقى لافتة، إذ تتراوح النسبة في الشرق بين 55 و60 بالمئة، بينما لا تتجاوز في الغرب 38 بالمئة، وتظل في الوسط دون 30 بالمئة. أما في تونس، فقد بلغ معدل الامتلاء الوطني نحو 60 بالمئة بحلول يونيو 2026، مقارنة بأقل من 20 بالمئة نهاية 2024، مع تفاوت حاد بين سدود الشمال التي تجاوزت 78 بالمئة وسدود الوسط التي لم تتعدَّ 13 بالمئة، إذ يوشك سد نبهانة الاستراتيجي على الجفاف الكامل.
محصول قياسي يمنح الجزائر والمغرب هامش أمان غذائي مؤقت
انعكس تحسّن التساقطات مباشرة على المحاصيل الزراعية. فبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، من المرتقب أن يرتفع إنتاج القمح في المغرب العربي بنسبة تناهز 61 بالمئة خلال موسم 2026-2027، مع متوسط مردودية إقليمي بلغ 2.43 طن للهكتار، أي بزيادة 38 بالمئة عن العام السابق. ويسجّل المغرب أكبر قفزة في المنطقة، بإنتاج متوقع يبلغ 7.5 مليون طن، أي بارتفاع 114 بالمئة على أساس سنوي، بينما تتجه الجزائر نحو محصول قياسي يقدَّر بنحو 4.1 مليون طن، أي بزيادة 28 بالمئة، في وقت تسعى فيه الحكومة الجزائرية إلى بلوغ عتبة 5 ملايين طن لتعزيز سيادتها الغذائية.
هذا الانتعاش الزراعي يمنح البلدين هامش مناورة اقتصادية مهما، إذ يخفف الضغط على احتياطات العملة الصعبة المخصصة لاستيراد القمح، ويأتي في سياق دولي متوتر، حيث تحذر منظمة الأغذية والزراعة من انخفاض الإنتاج العالمي للقمح بنسبة 3 بالمئة خلال 2026. غير أن هذه المكاسب تبقى هشة بنيويا، ذلك أن زراعة القمح في المغرب العربي تظل في معظمها بعلية، أي معتمدة كليا على الأمطار الطبيعية دون ري، وهو ما يجعل استمرارها رهينا بموسم مطري آخر لا يقل عن الموسم الحالي.
تونس وليبيا: هشاشة أكبر أمام أي منعطف مناخي جديد
بخلاف الجزائر والمغرب، تتجه تونس وليبيا نحو تراجع في إنتاج القمح خلال موسم 2026-2027، وفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، رغم التحسن العام في الاحتياطي المائي الإقليمي. ففي تونس، يخفي المعدل الوطني المطمئن تفاوتا داخليا خطيرا، إذ تبقى سدود الوسط، التي تغذي مناطق القيروان والساحل وصفاقس الزراعية، عند مستويات حرجة لا تتجاوز 13 بالمئة.
أما ليبيا، فتظل الحلقة الأضعف في المعادلة المغاربية. فالبلاد لا تغطي محليا سوى نحو 25 بالمئة من احتياجاتها الغذائية، وتعتمد زراعتها بشكل شبه كامل على المياه الجوفية الأحفورية عبر مشروع النهر الصناعي العظيم، في ظل تربة فقيرة وأمطار شحيحة لا تتجاوز 250 إلى 500 ملم سنويا في أفضل المناطق. ويزيد النزاع الداخلي المستمر من صعوبة تكيّف المزارعين الليبيين مع أي تقلب مناخي إضافي، فيما ارتفعت أسعار زيت الزيتون محليا إلى ثلاثة أضعاف خلال السنوات الأخيرة نتيجة تراجع الهطول المطري.
مفارقة الحرائق: شتاء ممطر يغذي صيفا شديد الاشتعال
يحمل موسم الأمطار الغزيرة أثرا مزدوجا لم يكن متوقعا بالضرورة. فقد حذّرت الوكالة الوطنية للمياه والغابات في المغرب من ارتفاع مخاطر حرائق الغابات خلال صيف 2026، موضحة أن الأمطار الوفيرة التي أنعشت السدود أدت في المقابل إلى نمو كثيف للغطاء النباتي، يتحول مع موجات الحر الصيفية إلى وقود شديد الاشتعال. وبحسب نشرة المخاطر الصادرة عن الوكالة للفترة الممتدة من 6 إلى 12 يوليو 2026، صُنّفت 12 إقليما مغربيا في مستوى الخطر الأقصى، وسط درجات حرارة قاربت 48 درجة مئوية في بعض المناطق.
في الجزائر، رصدت الحماية المدنية 91 حريقا خلال أول يوم من صيف 2026 وحده، طالت في معظمها الحقول الزراعية والمحاصيل أكثر من الغابات نفسها، في ظل موجة حر بلغت 46 درجة مئوية في عدة ولايات شمالية. وفي السياق ذاته، ربطت نشرة صادرة عن شبكة الإنذار المبكر بالمجاعات الأمريكية (فيوز نت) بتاريخ 1 يوليو 2026 حالة التأهب الحراري في المغرب بتأثير ظاهرة إل نينيو، معتبرة أن الضغط على الموارد المائية يتفاقم مع موجات الحر المبكرة، رغم أن الوكالة نفسها لا تجزم بعلاقة سببية مباشرة بين الظاهرة وكل حريق على حدة.
الأشهر المقبلة: اختبار حقيقي لصلابة الانتعاش الإقليمي
تُحدَّث توقعات إل نينيو شهريا، عادة في الخميس الثاني من كل شهر، من قبل المركز الأمريكي للتنبؤ المناخي بالتعاون مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. وسيكون فصل الشتاء المقبل، الذي تتوقع النماذج بلوغ الظاهرة فيه ذروة قوتها، المحطة الحاسمة لمعرفة ما إذا كان الانتعاش المائي والزراعي الحالي في المغرب العربي سيصمد أم يتراجع. وحتى ذلك الحين، تبقى وكالات المياه والزراعة في الجزائر والمغرب وتونس تراقب عن كثب مستويات السدود ومواسم الحصاد المقبلة، في غياب أي مؤشر علمي قاطع يحدد اتجاه التأثير سلفا.
المصادر
- الإدارة الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (نوعا) – “El Nino Forms, Expected to Strengthen”
https://www.noaa.gov/news-release/el-nino-forms-expected-to-strengthen-say-noaa-forecasters – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026 - المنظمة العالمية للأرصاد الجوية – “WMO: Prepare for El Niño”
https://wmo.int/news/media-centre/wmo-prepare-el-nino – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026 - مغرب إيمرجونت – “Algérie, Maroc et Tunisie : net rebond des réserves hydriques”
https://maghrebemergent.news/fr/algerie-maroc-et-tunisie-net-rebond-des-reserves-hydriques-apres-plusieurs-annees-de-stress/ – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026 - ميدياس24 – “L’embellie historique des barrages masque encore la fragilité des nappes”
https://medias24.com/2026/06/20/lembellie-historique-des-barrages-masque-encore-la-fragilite-des-nappes-1704561/ – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026 - أفريك.كوم – “Blé au Maghreb : une campagne 2026/27 historique attendue”
https://www.afrik.com/ble-au-maghreb-une-campagne-2026-27-historique-attendue-au-maroc-en-algerie-et-en-tunisie – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026 - تشالنج.ما – “Canicule : le Maroc face à l’urgence climatique”
https://www.challenge.ma/canicule-le-maroc-face-a-lurgence-climatique-quelle-reponse-politique-322007/ – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026 - نورث أفريكا بوست – “Good Winter, Dangerous Summer: Morocco’s Forests Brace for an Elevated Fire Season”
https://northafricapost.com/97527-good-winter-dangerous-summer-moroccos-forests-brace-for-an-elevated-fire-season.html – تم الاطلاع في 16 يوليو 2026
سارة خليل



