منذ صدور قانون الشركات الناشئة سنة 2020، بنت الجزائر منظومة دعم متكاملة تقوم على العلامة المؤسسية “Startup” والإعفاءات الضريبية والصندوق الجزائري للمؤسسات الناشئة. هذا النموذج نجح في مضاعفة عدد المؤسسات المصنفة عشرات المرات خلال خمس سنوات، وفي رفع عدد الحاضنات من 14 إلى أكثر من 60 حاضنة بين 2020 و2023، وفق ما نشرته صحيفة الشروق أونلاين. لكن السؤال الذي يطرحه فاعلو القطاع اليوم لم يعد “كيف نُنشئ شركات ناشئة أكثر”، بل “من يمولها بعد أن تنتهي مرحلة الانطلاق”.
الوقائع: من 200 إلى 13 ألف شركة ناشئة في ست سنوات
بحسب تصريحات نقلتها صحيفة الشروق أونلاين في جانفي 2023، تجاوز عدد الشركات الناشئة في الجزائر خمسة آلاف مؤسسة آنذاك. وبحلول أبريل 2026، أعلنت مصادر حكومية نقلتها صحيفة Horizons أن العدد بلغ نحو 13 ألف مؤسسة ناشئة بنهاية 2025، منطلقا من قرابة 200 مؤسسة فقط سنة 2019. تتفاوت الأرقام المتداولة حسب الجهة التي تصدرها وتاريخ الإعلان، إذ تشير مصادر أخرى إلى حوالي 9 آلاف مؤسسة في الفترة نفسها، ما يستدعي التعامل معها كمؤشر اتجاه عام أكثر منها إحصاء دقيقا موحدا.
هذا النمو رافقه توسع في آليات الدعم المباشر. فقد أدخل قانون المالية لسنة 2025 إعفاءات من حقوق التسجيل على عقود تأسيس الشركات الحاملة لعلامة “مشروع مبتكر”، إلى جانب تمديد الامتيازات الضريبية للحاضنات لسنتين إضافيتين عند تجديد العلامة، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية. الدولة، بعبارة أخرى، واصلت تعميق أدوات التحفيز عند مدخل المنظومة، بينما بقي مخرجها نحو الاستثمار الخاص أضيق بكثير.
السياق: الصندوق العمومي وحدود النموذج الحالي
يشكل الصندوق الجزائري للمؤسسات الناشئة (ASF) العمود الفقري للتمويل المؤسسي. تأسس الصندوق في أكتوبر 2020 بشراكة بين وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة وست بنوك عمومية، برأسمال يبلغ 2.4 مليار دينار، بحسب بيانات الصندوق نفسه. ويوفر ASF ثلاثة مستويات من التمويل بالمساهمة في رأس المال، تتراوح بين مليوني دينار و20 مليون دينار، وقد موّل حتى الآن أكثر من 100 شركة ناشئة موزعة على 20 قطاعا نشاط في 22 ولاية.
لكن هذا الغطاء العمومي، مهما اتسع نطاقه، لا يغطي عمليا سوى الحلقة الأولى من سلسلة تمويل الشركة الناشئة: مرحلة التأسيس والانطلاق. أما الحلقات التالية، حين تحتاج المؤسسة إلى رساميل أكبر لتمويل التوسع التجاري أو دخول أسواق جديدة، فتبقى شبه محرومة من آلية تمويل مماثلة داخل المنظومة العمومية نفسها.
الفاعلون: من يملأ الفراغ بين التأسيس والتوسع؟
بيانات منصة Tracxn المتخصصة في رصد الاستثمار الاستثماري تكشف حجم هذا الفراغ بالأرقام. فقد جمعت الشركات الناشئة الجزائرية، تراكميا وعلى مدى سنوات، نحو 992 مليون دولار من مختلف جولات التمويل، غير أن سنة 2025 وحدها لم تشهد سوى 5 ملايين دولار موزعة على ثلاث صفقات استثمارية فقط. جزء كبير من الرصيد التراكمي يعود إلى شركة يسّير، الشركة الجزائرية الوحيدة التي بلغت مرتبة “اليونيكورن” في المنطقة، وهو ما يعكس تركزا حادا للتمويل الخاص في عدد محدود جدا من الفاعلين.
دراسة قانونية نشرتها مجلة Legal and Political Research الصادرة عن مركز البحث العلمي والتقني (CERIST) في جوان 2025 تصف هذا الوضع بمصطلح “وادي الموت” التمويلي، أي الفجوة التنظيمية الفاصلة بين التمويل العمومي المبكر والرساميل الخاصة الناضجة. وتقارن الدراسة الإطار الجزائري، الذي لا يزال غير مُفصّل حسب مراحل الاستثمار، بالقانون المصري لرأس المال المخاطر الصادر سنة 2022، الذي يضع أطرا قانونية متمايزة لكل مرحلة تمويلية. ليس نقص التمويل الأولي إذن هو العائق الحقيقي أمام الشركات الناشئة الجزائرية، بل الفراغ التنظيمي الذي يفصل بين مرحلة الانطلاق ومرحلة النمو الفعلي.
الرهانات: القانون التجاري بين حماية المستثمر والمؤسس
في السياق ذاته، دخل حيز التطبيق مؤخرا إطار “الصندوق المشترك للتوظيف بالمخاطر” (FCPR)، الذي يسمح لأول مرة بإطلاق صناديق استثمار خاصة برأسمال لا يقل عن 50 مليون دينار وبمساهمَين اثنين فقط، بحسب ما نشرته منصة AlgeriaTech News في مارس 2026. صندوق Afiya Investments كان أول صندوق يحصل على الاعتماد بموجب هذا الإطار الجديد. وحتى قبل هذا التعديل، كانت عمليات الاستثمار الخاص في الجزائر تتم غالبا برساميل الشركات الممولة نفسها دون آلية تجميع منظمة لرساميل مستثمرين متعددين، وهو ما يفتح الباب اليوم أمام صناديق عائلية وحتى أموال مهجرية مهتمة بالاستثمار في اقتصاد المعرفة الجزائري.
غير أن الإطار التجاري الأعم، القائم على قانون الأنشطة التجارية رقم 04-08، لم يواكب بعد هذا التحول. فوفق الدراسة نفسها الصادرة عن CERIST، لا تزال القيود المفروضة على هيكلة رأس مال الشركات ذات المسؤولية المحدودة (SARL)، وهي الصيغة القانونية الأكثر اعتمادا لدى الشركات الناشئة، تحد من مرونة توزيع الحصص بين المؤسسين والمستثمرين الجدد عند كل جولة تمويل. كما تشير الدراسة إلى احتفاظ الدولة بحصص تتراوح بين 10 و15 بالمئة في بعض آليات الدعم، وهي نسبة تطرح سؤالا مشروعا حول توازن الحوكمة بين الشراكة العمومية والملكية الخاصة للمؤسسين.
ما الذي قد يتغير قريبا؟
استمعت لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية في مجلس الأمة، خلال أبريل وماي 2026، إلى عرض حكومي حول مشروع تعديل قانون الأنشطة التجارية رقم 04-08، وذلك في إطار ما وصفه مسؤول المركز الوطني للسجل التجاري ببناء “منظومة حوكمة اقتصادية أكثر صرامة ودقة”، بحسب ما نقلته منصة تادامسا نيوز. المشروع لا يزال قيد المناقشة البرلمانية، ولم يُعلن بعد عن موعد اعتماده النهائي أو عن مضمونه التفصيلي فيما يخص هيكلة رأس مال الشركات الناشئة تحديدا.
إلى حين حسم هذا التعديل، ستبقى الشركات الجزائرية القليلة القادرة على تجاوز عتبة الانطلاق مضطرة للبحث عن تمويل نموها خارج الإطار العمومي المطمئن، في سوق خاصة لا تزال في طور التشكل القانوني والمؤسسي.
Sources
- Horizons (صحيفة يومية جزائرية) – تصريحات حكومية حول ارتفاع عدد الشركات الناشئة إلى نحو 13 ألف مؤسسة بنهاية 2025
https://www.horizons.dz/language/ar/2026/04/ – استُشهد به في 16 جويلية 2026 - الصندوق الجزائري للمؤسسات الناشئة (ASF) – بيانات مؤسسية حول رأس المال والشراكة مع البنوك العمومية ومحفظة التمويل
https://asf.dz/ – استُشهد به في 16 جويلية 2026 - Legal and Political Research, Vol. 10, N°01, CERIST (مجلة علمية محكمة) – دراسة حول الفجوة التنظيمية في تمويل مرحلة النمو ومقارنة الإطار الجزائري بالإطار المصري
https://asjp.cerist.dz/en/downArticle/471/10/1/269650 – استُشهد به في 16 جويلية 2026 - AlgeriaTech News – تفاصيل إطار FCPR الجديد لصناديق الاستثمار الخاص واعتماد صندوق Afiya Investments
https://algeriatech.news/cybersecurity-startup-ecosystem-11m-fund-algeria-2026/ – استُشهد به في 16 جويلية 2026 - Tracxn – بيانات تراكمية حول حجم التمويل الاستثماري للشركات الناشئة الجزائرية لسنة 2025
https://tracxn.com/d/geographies/algeria/ – استُشهد به في 16 جويلية 2026 - تادامسا نيوز – متابعة المناقشة البرلمانية لمشروع تعديل قانون الأنشطة التجارية رقم 04-08
https://tadamsanews.dz/ – استُشهد به في 16 جويلية 2026
يوسف عبد الله



