الرئيسيةالصحةالصحة العامةالحر يقتل بصمت: من هم الأكثر عرضة وما الذي يجب فعله خلال...

الحر يقتل بصمت: من هم الأكثر عرضة وما الذي يجب فعله خلال الساعات الأولى؟

تتوالى في الجزائر منذ الأسبوع الثاني من تموز/يوليو 2026 نشرات الإنذار من موجات حر استثنائية بلغت في بعض ولايات الجنوب 49 درجة مئوية، وسط تحذيرات صادرة عن وزارة الصحة من أن الإجهاد الحراري يتطور أحياناً من دون علامات صاخبة قبل أن ينقلب إلى ضربة شمس تهدد الحياة. هذا الدليل يشرح آلية هذا الخطر، الفئات الأكثر عرضة له، الأعراض التي لا تحتمل التأجيل، والتصرف الصحيح خلال الساعة الأولى، من دون تقديم أي تشخيص فردي.

أصدر المكتب الوطني للأرصاد الجوية الجزائري (ONM) يوم الثلاثاء 14 تموز/يوليو نشرة إنذار جديدة تشمل عشرات الولايات، مع درجات حرارة تراوحت بين 44 و49 درجة نهاراً في مناطق أدرار وإن صالح وبرج باجي مختار، بينما وُضعت ولايات الجزائر العاصمة ووهران ومستغانم وتيبازة وبومرداس في حالة يقظة برتقالية. هذا التمديد المتكرر لموجات الحر منذ أواخر حزيران/يونيو دفع وزارة الصحة والحماية المدنية إلى تكثيف رسائل الوقاية الموجهة تحديداً لكبار السن والأطفال والمصابين بأمراض مزمنة، وهي الفئات التي تسجَّل بينها غالبية الوفيات المرتبطة بالحرارة بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية.

كيف يتحول التعب العادي إلى حالة طبية طارئة؟

يمر الجسم البشري في مواجهة الحرارة الشديدة بثلاث مراحل متدرجة، لا يفصل بينها دائماً حد واضح. المرحلة الأولى هي الجفاف الناتج عن فقدان السوائل والأملاح عبر التعرق المفرط، وتترافق مع عطش شديد وصداع وتعب عام. تليها مرحلة الإنهاك الحراري، حيث يبدأ الجسم بفقدان قدرته على تنظيم حرارته الداخلية رغم استمرار التعرق، فتظهر أعراض مثل الغثيان والدوخة وتسارع النبض. أما المرحلة الثالثة، وهي الأخطر، فتُعرف بضربة الشمس، ويتوقف فيها الجسم عن التعرق كلياً بينما تستمر حرارته الداخلية في الارتفاع بشكل غير منضبط.

الخطر الحقيقي لا يكمن في الرقم الذي تعرضه محطات الأرصاد، بل في الفجوة الزمنية التي تفصل بين تجاوز الجسم حدود تنظيمه الحراري وإدراك المصاب، أو من حوله، لهذا التجاوز. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الآثار السلبية للحرارة على الصحة يمكن التنبؤ بها والوقاية منها إلى حد كبير، شرط التعرف المبكر على علاماتها الأولى.

كبار السن، الأطفال، والعاملون في العراء: خريطة الفئات الأكثر هشاشة

لا يتوزع خطر الحرارة الشديدة بالتساوي بين السكان. تشير الحماية المدنية الجزائرية بوضوح إلى أن كبار السن يأتون في مقدمة الفئات المعرضة، إذ يتراجع لديهم إحساس العطش الطبيعي وتضعف قدرة الجسم على التعرق مع التقدم في العمر. يليهم الأطفال دون سن الخامسة، الذين يتصاعد نمو حرارتهم الداخلية بسرعة أكبر من البالغين بسبب صغر حجم أجسامهم النسبي إلى مساحة الجلد.

الفئة الثالثة تضم المصابين بأمراض مزمنة، خصوصاً أمراض القلب والكلى والسكري، إذ تُضعف هذه الحالات آليات التبريد الطبيعية للجسم وتزيد من حساسيته للجفاف. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن العمال الذين يزاولون مهاماً في الهواء الطلق يشكلون فئة رابعة معرضة بشدة، حيث تشير تقديرات المنظمة إلى أن نحو 35 بالمئة من العاملين المعرَّضين بشكل متكرر لإجهاد حراري في مكان العمل يعانون من اعتلالات ناجمة عنه. في المقابل، تبقى الحوامل والأشخاص الذين يعانون من زيادة في الوزن ضمن دائرة الخطر الموسّع التي تستوجب اليقظة نفسها.

عندما يتوقف الجسم عن التعرق: الأعراض التي لا تحتمل الانتظار

تكمن الصعوبة الأساسية في التمييز بين الإنهاك الحراري، الذي يستجيب عادة للراحة والتبريد المنزلي، وضربة الشمس التي تستوجب تدخلاً طبياً عاجلاً. الإنهاك الحراري يترافق مع تعرق غزير وجلد بارد ورطب ونبض سريع وضعف عام، بينما تتميز ضربة الشمس بجفاف الجلد وسخونته رغم توقف التعرق، إضافة إلى ارتفاع حرارة الجسم الداخلية عن 40 درجة مئوية.

العلامات التي تستدعي الاتصال الفوري بالإسعاف تشمل التشوش الذهني أو فقدان التوازن، الكلام غير المفهوم، فقدان الوعي أو النوبات التشنجية، وتسارع غير طبيعي في ضربات القلب مصحوباً بجلد جاف وساخن. غياب أي من هذه العلامات لا يعني بالضرورة أن الحالة غير خطيرة، إذ إن بعض المضاعفات، كالفشل الكلوي الحاد واضطرابات الأملاح، قد تتطور من دون أعراض ظاهرة فورية، وهو ما يفسر إصرار الجهات الصحية على المتابعة حتى بعد زوال الأعراض الأولى.

أدوية شائعة الاستخدام تُضعف قدرة الجسم على تبريد نفسه

تُغفل هذه النقطة غالباً في حملات التوعية العامة، رغم أهميتها. فبعض الأدوية الموصوفة بشكل واسع لأمراض مزمنة تتداخل مع آليات تنظيم الحرارة في الجسم، إما عبر التأثير على التعرق أو عبر زيادة فقدان السوائل. من هذه الفئات مدرات البول، الموصوفة عادة لارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، والتي تزيد من خطر الجفاف. تُضاف إليها حاصرات بيتا التي قد تُضعف قدرة الجسم على توزيع الحرارة عبر الدورة الدموية، وكذلك بعض مضادات الذهان ومضادات الاكتئاب التي تؤثر على مركز تنظيم الحرارة في الدماغ.

مضادات الهيستامين من الجيل الأول، المستخدمة لعلاج الحساسية، ومضادات الكولين الموصوفة لبعض الاضطرابات الهضمية والبولية، تندرج بدورها ضمن هذه القائمة نظراً لتأثيرها المباشر على إفراز العرق. هذا لا يعني إطلاقاً وقف أي علاج من تلقاء النفس خلال موجة الحر، بل استشارة الطبيب أو الصيدلي لتقييم الحاجة إلى تعديل مؤقت في الجرعات أو مواعيد التناول، بحسب الحالة الفردية لكل مريض.

ماذا تفعل في الدقائق الأولى قبل وصول الإسعاف؟

توصي وزارة الصحة الجزائرية بنقل المصاب فوراً إلى مكان بارد ومظلل بمجرد ظهور علامات الإنذار، من دون انتظار تفاقم الحالة. يُنزع عنه اللباس الزائد لتسهيل تبديد الحرارة، ويُبرَّد الجسم تدريجياً باستخدام ماء بارد أو قطعة قماش مبللة، مع الحرص على تحريك الهواء حوله بمروحة أو أي وسيلة متاحة. تشير الحماية المدنية إلى أن السرعة في هذه الخطوات تُحدث فارقاً مباشراً في نتيجة الحالة.

يُعطى الماء للمصاب فقط إذا كان واعياً وقادراً على البلع دون صعوبة، مع تجنب المشروبات المحلاة أو المحتوية على الكافيين التي تزيد الجفاف. أما في حال فقدان الوعي أو التشنج أو صعوبة التنفس، فيجب الاتصال الفوري بمصالح الإسعاف من دون محاولة سقي المصاب، تفادياً لخطر الاختناق. داخل المنازل، توصي الحماية المدنية بإغلاق الستائر المواجهة للشمس نهاراً وفتحها ليلاً لإدخال الهواء البارد، وتجنب الأماكن المغلقة خلال ساعات الذروة الحرارية الممتدة عادة بين الحادية عشرة والسادسة عشرة.

استمرار الإنذارات الحرارية في الجزائر حتى الجمعة 17 تموز/يوليو، بحسب آخر نشرة صادرة عن المكتب الوطني للأرصاد الجوية، يجعل من التعرف على هذه العلامات وسيلة وقاية عملية لا تنتظر تحسّن الطقس لتصبح ضرورية.


المصادر

  1. المكتب الوطني للأرصاد الجوية / TSA Algérie – نشرة إنذار الحر حتى 49 درجة مئوية
    https://www.tsa-algerie.com/canicule-nouvelle-alerte-en-algerie-jusqua-49c-les-regions-concernees/ – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  2. Algerie360 – بلاغ وزارة الصحة الجزائرية بشأن أعراض ضربة الشمس والوقاية منها
    https://www.algerie360.com/alerte-canicule-en-algerie-jusqua-44-c-attendus-des-ce-jeudi-9-juillet-voici-les-regions-concernees/ – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  3. الحماية المدنية الجزائرية / إذاعة الجزائر – توصيات الوقاية من آثار موجة الحر
    https://news.radioalgerie.dz/fr/node/90073 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  4. منظمة الصحة العالمية – الحرارة والصحة (صحيفة وقائع)
    https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/climate-change-heat-and-health – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
  5. منظمة الصحة العالمية – الإجهاد الحراري في مكان العمل
    https://www.who.int/ar/news-room/questions-and-answers/item/workplace-heat-stress – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026

سارة خليل

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة