أعلنت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نازهت شميم خان، عن “اختراق” في الأدلة التي تربط جرائم ارتُكبت في مدينتي الجنينة والفاشر بمستويات قيادية عليا داخل القوات المسؤولة عن الانتهاكات في دارفور. غير أن هذا التقدم يأتي بعد أكثر من ثلاث سنوات من التحقيق دون صدور أي مذكرة توقيف علنية مرتبطة بالحرب المندلعة في أبريل 2023، ما يعيد إلى الواجهة سؤال الفجوة بين توثيق الجرائم وملاحقة من يصدر الأوامر.
قالت نازهت شميم خان، في مقابلة مع وكالة رويترز عقب زيارة لمخيمات اللاجئين في تشاد أوائل يوليو 2026، إن مكتبها “حصل على أدلة إضافية، أدلة قوية، تربط ما يحدث في دارفور بمستويات القيادة”، واصفة الأمر بأنه اختراق حقيقي لمكتب الادعاء. ولم تحدد المسؤولة القوة التي تنتمي إليها هذه القيادة، مكتفية بالإشارة إلى تحقيقات مكتبها في هجوم الجنينة عام 2023 وهجوم الفاشر عام 2025، حيث وثّق خبراء أمميون ما وصفوه بجرائم تحمل سمات الإبادة الجماعية ضد قبائل غير عربية، ارتكبتها بحسب تلك التقارير عناصر من قوات الدعم السريع. جاء التصريح بعد أيام قليلة من كشف موقع “ميدل إيست آي” أن مكتب الادعاء لم يتقدم بأي طلب مذكرة توقيف واحد منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، رغم تعهدات متكررة بأن الاتهامات باتت وشيكة.
من قرار مجلس الأمن إلى قاعة المحكمة: كيف وصلنا إلى هنا؟
يعود اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ملف دارفور إلى قرار مجلس الأمن رقم 1593 الصادر عام 2005، والذي أحال الوضع إلى المدعي العام رغم أن السودان ليس دولة طرفا في نظام روما الأساسي. فتحت المحكمة حينها تحقيقا في جرائم ارتُكبت بين عامي 2003 و2008، وأصدرت لاحقا مذكرات توقيف بحق الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير بتهمة الإبادة الجماعية، إضافة إلى أحمد هارون وعبد الرحيم محمد حسين. لم يُسلَّم أي من هؤلاء إلى لاهاي حتى اليوم، إذ تعاونت السلطات السودانية المتعاقبة مع بعض جوانب التحقيقات الميدانية الحديثة دون أن تفرج عن كبار المتهمين من الحقبة السابقة.
الاستثناء الوحيد كان علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف بـ”علي كوشيب”، القائد الميداني السابق لمليشيا الجنجويد، الذي سلّم نفسه طوعا لقوة أممية في أفريقيا الوسطى عام 2020 بعد فراره من السودان. فتحت محاكمته في أبريل 2022، وأدانته الدائرة الابتدائية الأولى في 6 أكتوبر 2025 بارتكاب 27 تهمة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بين عامي 2003 و2004، قبل أن تحكم عليه في 9 ديسمبر 2025 بالسجن 20 عاما، في أول إدانة تصدرها المحكمة في ملف دارفور بأكمله. وقد طعن كل من الدفاع والادعاء في الحكم مطلع يناير 2026، فيما دخلت القضية مرحلة جبر الضرر للضحايا. أما الحرب المندلعة في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فقد فتح المدعي العام كريم خان خطا تحقيقيا مستقلا بشأنها في يوليو من العام نفسه، دون أن يفضي ذلك حتى الآن إلى أي مذكرة توقيف معلنة.
تفكيك قانوني: ما الذي يعنيه “دليل الربط” ولماذا يستغرق سنوات؟
يكمن جوهر التأخير في ما يسميه القانونيون “دليل الربط”، وهو مجموعة الأدلة التي تصل بين قرار أو أمر صادر عن قيادة عليا وبين جريمة نفذها عناصر ميدانيون. لا يكفي إثبات وقوع مجزرة أو حملة اغتصاب منظمة؛ يتعين على المدعين إظهار أن القائد كان على علم بها، أو أمر بها، أو تقاعس عن منعها رغم سلطته الفعلية عليها. وتُبنى هذه الحلقة عادة على شهادات من داخل صفوف القوات المعنية، أو على وثائق ومراسلات تثبت إحاطة القيادة بما يجري على الأرض، وهي مواد يصعب الحصول عليها في نزاع لا يزال مشتعلا وتتحكم فيه الأطراف المتهمة بحرية الوصول إلى مناطقها.
هذا الفارق بين توثيق الجريمة على الأرض والعثور على دليل يربطها بمن أصدر الأوامر ليس تفصيلا إجرائيا هامشيا، بل هو الخط الفاصل بين إدانة منفذين ميدانيين من الرتب الدنيا وإدانة من يملك سلطة إيقاف الجرائم أو استمرارها. وهذا ما يفسر جزئيا لماذا استغرقت قضية كوشيب نفسها أكثر من عقدين بين وقوع الجرائم الأصلية وصدور الحكم النهائي بحقه.
ثلاث سنوات بلا مذكرة توقيف واحدة: أين تكمن العقبة؟
في إحاطته إلى مجلس الأمن في 27 يناير 2025، أكد كريم خان أن مكتبه “يتخذ الخطوات اللازمة للتقدم بطلبات مذكرات توقيف” بشأن جرائم غرب دارفور، مع إعطاء الأولوية للجرائم القائمة على النوع الاجتماعي. غير أن “ميدل إيست آي” كشف أن طلبا كان جاهزا بحق أحد عناصر قوات الدعم السريع لم يُقدَّم في نهاية المطاف، فيما وجّهت دائرة تمهيدية قضائية انتقادا لمكتب الادعاء بسبب التأخير، وطلبت منه تفسيرا وجدولا زمنيا محددا. من جهته، أوضح مكتب الادعاء في رده على استفسارات الصحافة أن واجب السرية تجاه الضحايا والشهود يمنعه من الإفصاح عن تفاصيل الملفات قيد الإعداد، مشيرا إلى تسارع وتيرة التحقيقات في الأشهر الأخيرة وزيادة عدد الشهادات التي جُمعت.
أزمة داخل مكتب الادعاء: تعليق كريم خان وانعكاساته على الملف
يتزامن هذا الملف مع أزمة مؤسسية غير مسبوقة في تاريخ المحكمة. فقد تنحى كريم خان طوعا عن منصبه في مايو 2025 بعد اتهامات بسوء سلوك جنسي بحق مساعدة سابقة، وأجرى مكتب الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة تحقيقا استمر نحو عام. وفي 9 يونيو 2026، قررت هيئة رئاسة جمعية الدول الأطراف تعليق خان رسميا عن مهامه وإحالته إلى إجراءات تأديبية أمام الدول الأعضاء الـ125 في المحكمة، التي ستحسم مصيره بتصويت سري يتطلب موافقة 63 دولة على الأقل لعزله. ينفي خان الاتهامات، ويصف قرار التعليق بأنه “غير قانوني وغير عادل إجرائيا”. في غضون ذلك، يدير نواب المدعي العام، وفي مقدمتهم نازهت شميم خان، شؤون المكتب اليومية، بما فيها ملف دارفور بالكامل.
تضاف إلى هذه الأزمة ضغوط سياسية خارجية، إذ يخضع خان ومسؤولون آخرون في المحكمة لعقوبات أميركية فُرضت بعد إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين في ملف غزة، وهو ما غذّى حملة انتقادات مستمرة للمحكمة من واشنطن. وفي هذا السياق، تُطرح تساؤلات حول مدى تأثير هذا المناخ المضطرب على قدرة مكتب الادعاء على إنجاز ملف دارفور بالسرعة والاستقلالية اللازمتين.
الأفق القريب: مذكرات محتملة وسط أزمة إنسانية متفاقمة
يتحرك هذا الملف القضائي في موازاة أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بأنها الأكبر من نوعها في العالم حاليا، إذ يفوق عدد النازحين في السودان 13 مليون شخص، بينما يواجه نحو 19.5 مليون شخص خطر المجاعة. وقد أشارت وثائق خبراء قُدمت إلى المحكمة إلى دعم مزعوم من الإمارات لقوات الدعم السريع، وهو ادعاء لم تؤكده المحكمة نفسها بشكل مستقل، علما أن اختصاص القضاء الجنائي الدولي ينحصر أصلا في الأفراد ولا يشمل الدول. من المقرر أن يقدم مكتب الادعاء إحاطته المقبلة إلى مجلس الأمن بشأن دارفور لاحقا هذا الشهر، فيما لا تزال إجراءات الاستئناف في قضية كوشيب قائمة أمام دائرة الاستئناف. يبقى السؤال المركزي معلقا: هل يترجم “الاختراق” الذي أعلنته نازهت شميم خان إلى مذكرات توقيف فعلية بحق قادة ميدانيين، أم يظل إضافة أخرى إلى سلسلة وعود تمتد منذ سنوات دون نتيجة ملموسة على الأرض.
المصادر
- المحكمة الجنائية الدولية – التقرير الثاني والأربعون للمدعي العام إلى مجلس الأمن حول الوضع في دارفور، 19 يناير 2026
https://www.icc-cpi.int/sites/default/files/2026-01/2026-01-19-icc-report-unsc-darfur-eng.pdf – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026 - المحكمة الجنائية الدولية – بيان صحفي: الحكم بسجن علي محمد علي عبد الرحمن “علي كوشيب” 20 عاما، 9 ديسمبر 2025
https://www.icc-cpi.int/news/ali-muhammad-ali-abd-al-rahman-ali-kushayb-sentenced-20-years-imprisonment – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026 - ميدل إيست آي – نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية تعلن “اختراقا” في تحقيقات دارفور، يوليو 2026
https://www.middleeasteye.net/news/icc-deputy-prosecutor-says-breakthrough-achieved-darfur-investigation – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026 - الجزيرة (بالإنجليزية) – تعليق المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في انتظار تصويت الدول الأعضاء، 9 يونيو 2026
https://www.aljazeera.com/news/2026/6/9/icc-prosecutor-suspended-pending-vote-on-sexual-misconduct-claims – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026 - ذا نيو أراب (عن رويترز) – مسؤول في المحكمة الجنائية الدولية يعلن اختراقا في تحقيقات دارفور
https://www.newarab.com/news/icc-official-says-breakthrough-sudan-darfur-investigations – تاريخ الاطلاع: 15 يوليو 2026
ليلى منصور



