الرئيسيةالرأيافتتاحياتمقال رأي: من أجل الخروج من حرب اللغات العقيمة في الجزائر

مقال رأي: من أجل الخروج من حرب اللغات العقيمة في الجزائر

هذا النص مقال رأي يوقعه سمير بلعطاش، ويعبر فيه عن قناعته الشخصية بصفته مواطنا جزائريا بسيطا، لا بصفته باحثا مختصا في اللسانيات أو علم اللغة الاجتماعي. الآراء الواردة في هذا النص تخص كاتبها وحده، ولا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لمجلة الأحرار. يدعو الكاتب القارئ إلى الرجوع مباشرة إلى أعمال الباحثين المذكورين لاحقا، في الجزائر كما في الغرب وفي المستعمرات السابقة الأخرى، قبل تكوين رأيه الخاص في مسألة تتجاوز إطار هذا النص بكثير.

يعود النقاش حول مكانة الفرنسية والإنجليزية والعربية والأمازيغية إلى الواجهة بانتظام في الجزائر، وهو نقاش يشق منذ عقود جزءا من نخب البلاد. يدافع هذا المقال عن موقف بسيط: الحفاظ على الفرنسية كاملة بصفتها لغة أجنبية للانفتاح، إدخال الإنجليزية دون أي عقدة، وعدم التفريط إطلاقا في العربية والأمازيغية بصفتهما لغتين وطنيتين نتجتا عن كفاح طويل وعنيف من أجل الاستقلال.

يتجدد هذا النقاش في الجزائر منذ سنة 1962 دون أن يستقر أبدا، ويستمر في الجريان تحت سطح الحياة السياسية والفكرية في البلاد. يجمع هذا النقاش، بحدة تتجاوز أحيانا حدود الحجة العقلانية، بين نخب تدافع عن استعمال كامل للفرنسية، وأخرى تطالب بتراجعها لصالح العربية الفصحى، وتيار ثالث يرى في الإنجليزية المخرج الوحيد المعقول. لا أكتب هذا النص بصفتي مختصا في السياسات اللغوية، فأنا لست لسانيا ولا باحثا في علم اللغة الاجتماعي، بل مواطن بسيط يتابع هذا النقاش منذ سنوات وكوّن في النهاية موقفا خاصا به. وأدعو القارئ إلى الرجوع مباشرة إلى أعمال الباحثين المذكورين لاحقا قبل أن يحسم هو بنفسه في هذه المسألة.

نقاش يعيد إنتاج المعركة نفسها مرارا وتكرارا

لم تستقر مسألة اللغة في الجزائر المستقلة يوما. عرفت البلاد التعريب المتسارع خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بقيادة سلطة كانت ترى في الفرنسية بقية مزعجة من الوجود الاستعماري. ثم عرفت، ابتداء من سنوات 2000، حركة معاكسة، حملها جزء من المجتمع والجامعة، أعاد اكتشاف الإنجليزية بصفتها لغة تحرر علمي واقتصادي. وبين هذين الاتجاهين، ظلت العربية الدارجة والأمازيغية، وهما اللغتان اللتان يتحدث بهما فعليا ملايين الجزائريين يوميا، مهمشتين لفترة طويلة، سواء من طرف أنصار العربية الفصحى أو من طرف المدافعين عن الفرنسية.

ما يلفت الانتباه في هذا النقاش هو ميله إلى تكرار نفس خطوط الانقسام، دون أن يتقدم فعليا. كل معسكر يتهم الآخر بالاغتراب أو بالخيانة، ويتحول كل موقف لغوي إلى علامة هوياتية وسياسية. يتراجع النقاش الجوهري، أي نقاش محتوى التعليم والبحث العلمي، إلى الخلف خلف السؤال الوحيد المتعلق بالوسيط اللغوي. هذه المعركة ليست لعبة أفكار مجردة يخوضها بعض الجامعيين وكتّاب الافتتاحيات فقط. إنها تحدد، بشكل ملموس جدا، اللغة التي سيتعلم بها طفل جزائري الرياضيات، واللغة التي سيتقدم بها خريج شاب لطلب منحة بحث، ومدى قدرته الفعلية على العمل يوما مع مخابر بحثية أجنبية.

الفرنسية: نافذة مفتوحة على عالم علمي وجامعي

الحفاظ على تواصل كامل مع اللغة الفرنسية بصفتها لغة أجنبية يمثل مصلحة ملموسة للجزائر، بغض النظر عن التاريخ المؤلم الذي يربط بين البلدين. تبقى الفرنسية لغة عمل جزء مهم من البحث العلمي المنشور في أوروبا وفي إفريقيا الفرنكوفونية وفي كندا، وتواصل تغذية أجزاء واسعة من الطب والقانون والهندسة والعلوم الإنسانية المدرَّسة في الجامعات الجزائرية نفسها. قطع هذا التواصل من شأنه أن يحرم جزءا من شباب الجزائر من أداة عمل متوفرة فورا، دون أن يكون هناك بديل مكافئ جاهز تماما داخل المنظومة التعليمية الوطنية.

تعبر الأرقام عن هذه الحقيقة أفضل من أي خطاب. وفق بيانات نشرتها وكالة كامبوس فرانس سنة 2025، كان 34,758 طالبا جزائريا مسجلين في التعليم العالي الفرنسي خلال السنة الجامعية 2024-2025، وهو ما جعل الجزائر تحتل المرتبة الثانية بين بلدان منشأ الطلبة الأجانب في فرنسا، خلف المغرب مباشرة. هذا التنقل الطلابي ليس مجرد موضة عابرة. فهو يعكس وصولا فعليا إلى شعب دراسية ومخابر وفرص عمل لم تتمكن سياسة التعريب وحدها من إعادة إنتاجها بالكامل داخل التراب الوطني. إغلاق هذه النافذة بدافع المبدأ، دون بديل مبني فعليا، يعني التضحية بجيل كامل باسم نقاء لغوي يُدفع ثمنه كفاءات مفقودة.

هذا الطرح لا علاقة له بحنين إلى المستعمِر السابق. إنه ملاحظة عملية بحتة: اللغة الأجنبية المتقنة رأسمال، مهما كان أصلها التاريخي. ومن غير المعقول التخلي عنها في اللحظة التي يحتاج فيها شباب الجزائر إليها أكثر من أي وقت مضى للوصول إلى المعارف وتمويلات البحث والشبكات العلمية الدولية.

الإنجليزية: لغة مهيمنة يصعب تجاهلها

يستجيب إدخال الإنجليزية بصفتها لغة أجنبية تُدرَّس مبكرا وعلى نطاق أوسع لواقع لا يستطيع أحد الجدال فيه بجدية: أصبحت الإنجليزية اللغة الوسيطة المهيمنة على البحث الأساسي والمنشورات العلمية الدولية والمعلوماتية والتبادلات الاقتصادية العالمية. تجاهل هذه اللغة يعني حرمان جزء من شباب الجزائر من أغلب الإنتاج العلمي المنشور كل سنة، في مجالات تمتد من الفيزياء إلى الذكاء الاصطناعي مرورا بالطب.

سيكون من السذاجة، مع ذلك، تقديم الإنجليزية كلغة محايدة لمجرد أنها تفلت من التاريخ الاستعماري المباشر للجزائر. تحمل الإنجليزية أيضا عبئا أيديولوجيا كبيرا، تدعمه القوة الاقتصادية والعسكرية والثقافية للدول التي نشرتها على المستوى العالمي منذ قرنين. وثّق اللساني البريطاني روبرت فيليبسون، في كتاب صدر سنة 1992 عن مطبعة جامعة أكسفورد، كيف تم التفكير في نشر الإنجليزية دوليا وتنظيمه من طرف مؤسسات بريطانية وأمريكية معينة كأداة إشعاع سياسي بقدر ما هي أداة ثقافية. يتجاوز هذا الأمر بكثير مجرد التعليم اللغوي. إدخال الإنجليزية إذن مفيد، شرط ألا يتم بسذاجة تعتقد أن اللغة المهيمنة تخلو، بطبيعتها، من أي أهداف خفية.

لا ينبغي التفكير في الفرنسية والإنجليزية باعتبارهما خيارين متنافسين. الجزائري الذي يتقن اللغتين الأجنبيتين معا يملك منفذا أوسع إلى العالم الفرنكوفوني والعالم الأنجلوفوني في آن واحد، دون أن تُبنى إحداهما بالضرورة ضد الأخرى. معارضة اللغتين الأجنبيتين تحوّل، مرة أخرى، مسألة تسليح فكري إلى خلاف هوياتي.

لا لغة محايدة بحتة، كل لغة تحمل رؤية للعالم

هنا يكمن جوهر ما أريد قوله: لا توجد لغة محايدة بحتة، منفصلة عن أي رؤية للعالم. تحمل كل لغة فئات فكرية وتراتبيات ضمنية، وغالبا قراءة تخدم من نشرها. أظهر الطبيب النفسي والمفكر فرانز فانون هذا الأمر منذ سنة 1952، في الفصل الأول من كتابه البشرة السوداء والأقنعة البيضاء، المخصص لعلاقة المستعمَر بلغة المستعمِر. الحديث بلغة المهيمن، كما شرح آنذاك، لا يقتصر أبدا على إتقان تركيب نحوي، بل يعني تبني ثقافة كاملة وحمل وزن حضارة بأكملها.

لخّص الكاتب الجزائري كاتب ياسين هذا التناقض في عبارة شهيرة، قال فيها إن اللغة الفرنسية تبقى «غنيمة حرب». وعاش الكاتب مالك حداد، معاصره، هذه اللغة نفسها كمنفى داخلي، إلى درجة أنه توقف عن الكتابة بالفرنسية بعد الاستقلال، في خطوة وصفها هو نفسه بأنها انتحار أدبي. يقول هذان الموقفان المتناقضان في الظاهر الشيء نفسه في العمق: حملت اللغة الفرنسية طويلا، بما في ذلك في كتبها المدرسية وشبكات قراءتها التاريخية، رؤية للعالم كانت تبرر المشروع الاستعماري نفسه أو تقلل من خطورته. وضع اللساني الفرنسي لوي جان كالفي إطارا نظريا لهذه الآلية أطلق عليه اسم التهام اللغات، في مقالة نشرها سنة 1974، لوصف الطريقة التي تلتهم بها اللغة المهيمنة اللغات المحلية والرؤى التي كانت تحملها.

هذه الظاهرة ليست حكرا على الفرنسية إطلاقا. اتخذ الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغو، المتوفى سنة 2025، قرارا في أواخر السبعينيات بالتوقف عن الكتابة بالإنجليزية والانتقال إلى الكتابة بلغة الغيكويو، لغته الأم، معتبرا أن الأدب الإفريقي لا يمكن أن يتحرر فعليا من الاستعمار دون التخلص من لغة المستعمِر البريطاني. ينطبق موقفه، الذي طوره في مقالته الصادرة سنة 1986 بعنوان تحرير العقل من الاستعمار، على الحالة الجزائرية بشكل شبه حرفي: يمكن للغة أجنبية أن تقدم معارف ثمينة، لكنها تظل تحمل معها، غالبا بصمت، الفئات الذهنية لمن فرضوها. تعرف الهند وجنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا نقاشات قريبة جدا حول مكانة الإنجليزية الموروثة عن الاستعمار البريطاني. وهذا يبين أن المسألة لا تخص الجزائر وفرنسا وحدهما، بل تعبر جميع الفضاءات الاستعمارية السابقة، أيا كانت القوة التي هيمنت عليها.

العربية والأمازيغية: مكسب لا يقبل المساومة

لا ينبغي لهذه القراءة النقدية للفرنسية والإنجليزية أن تفتح أي غموض بخصوص العربية والأمازيغية. لا تشكل هاتان اللغتان الوطنيتان مجرد خيارين من بين خيارات أخرى في سوق لغوية مفتوحة، بل هما مكسب انتُزع بحرب تحرير طويلة وعنيفة، منعت خلالها المدرسة الفرنسية تعليمهما أو همشته لأكثر من قرن. أظهرت الباحثة الجزائرية في علم اللغة الاجتماعي خولة طالب الإبراهيمي، في كتابها المرجعي الجزائريون ولغاتهم، الصادر سنة 1997، مدى تعقيد المشهد اللغوي الجزائري الفعلي، المحصور بين العربية الفصحى والعربية الدارجة والأمازيغية والفرنسية. وتشير الباحثة إلى صعوبة سياسة عمومية فضّلت طويلا فرض لغة واحدة بدل تنظيم تعايش هذه اللغات.

ذهب اللساني محمد بن رابح أبعد من ذلك في كتابه اللغة والسلطة في الجزائر، الصادر سنة 1999، حين وصف سياسة التعريب المتسارعة التي انتهجتها الدولة الجزائرية بعد الاستقلال بأنها «صدمة لغوية»، محللا إياها بصفتها أداة ضبط سياسي أكثر منها إصلاحا تربويا مدروسا. لا ينفي هذا النقد الموجه إلى الطريقة شرعية المبدأ نفسه. من الطبيعي أن يواصل شعب دفع ثمن دمه لاسترجاع لغته وهويته جعل هذه اللغة ركيزة من ركائز سيادته. لم تكن المشكلة الجزائرية يوما في وجود العربية والأمازيغية بصفتهما لغتين وطنيتين. كانت المشكلة في الطريقة، الاستبدادية وغير المدروسة غالبا، التي نُظّم بها ترقيتهما، على حساب الجودة البيداغوجية أحيانا وعلى حساب الاعتراف بالأمازيغية نفسها، التي بقيت طويلا الحلقة الأضعف في هذه السياسة.

الخروج من الاستقطاب لطرح السؤال الصحيح أخيرا

حان الوقت للخروج من هذا الاستقطاب العقيم الذي يجمع، دون صرامة حجاجية تُذكر، بين نخب فرنكوفيلية ونخب معرِّبة، تشك كل واحدة منهما في أن الأخرى تريد إضعاف البلاد بدل خدمتها. هذا التصعيد الدائم يتجنب النقاش الحقيقي، نقاش محتوى التعليم وجودة البحث العلمي والمكانة التي تريد الجزائر أن تحتلها في العالم، ويكتفي باستبعاد المعسكر الآخر باسم نقاء لغوي لا وجود له أصلا.

لن يخطر ببال أي مسؤول فرنسي أن يخاطب شعبه بالإنجليزية، تماما كما لن يفكر رئيس أمريكي في مخاطبة أمته بالصينية أو بالفرنسية. لا أحد يجادل في هذه البديهية في تلك البلدان، مهما كانت الأهمية التي توليها لتعليم اللغات الأجنبية في مدارسها. ينبغي أن يسري الأمر نفسه على الجزائر، حيث يفترض أن تبقى العربية والأمازيغية اللغتين اللتين تخاطب بهما الدولة شعبها، دون أن يمنع ذلك تدريس الفرنسية والإنجليزية كلغتين أجنبيتين مُتبنَّاتين بالكامل، منفتحتين على العلم والجامعة والعالم.

إن السعي لإضعاف العربية أو الأمازيغية باسم حداثة مفهومة بشكل خاطئ يمثل، في نظري، شكلا من الاقتلاع من التاريخ الخاص، أكثر منه خيارا عقلانيا في خدمة البلاد. وهذا موقف لا يمكنني الدفاع عنه. وفي المقابل، فإن السعي لمحو الفرنسية أو تأخير إدخال الإنجليزية بدافع رد فعل هوياتي محض يحرم شباب الجزائر من أدوات هم في حاجة فورية إليها. بين هذين التطرفين، يبقى الطريق الأكثر عقلانية هو تبني العربية والأمازيغية بشكل كامل بصفتهما لغتين وطنيتين وسياديتين، مع منح كل جزائري وسائل حقيقية لإتقان الفرنسية والإنجليزية كلغتين أجنبيتين، دون عقدة ودون تنازل. يبقى هذا النص رأي مواطن، غذّته أعمال باحثين كرّسوا مسيرتهم المهنية لهذه المسألة، وأدعو كل قارئ إلى الاطلاع عليها مباشرة لتكوين حكم أكثر اكتمالا من حكمي.


المصادر

  1. فرانز فانون، البشرة السوداء والأقنعة البيضاء (Peau noire, masques blancs)، دار Seuil، 1952، الفصل الأول “الأسود واللغة”.
  2. كاتب ياسين، أقوال منقولة في عدة حوارات ومجموعات اقتباسات، منها حوار كريستيان شوليه أشور، نُشر على موقع Diacritik سنة 2017. https://diacritik.com/2017/02/08/comme-lecrivait-kateb-yacine-le-francais-est-notre-butin-de-guerre-entretien-avec-christiane-chaulet-achour/ – تم الاطلاع عليه في 25 أوت 2026
  3. لوي جان كالفي، اللسانيات والاستعمار: رسالة صغيرة في التهام اللغات (Linguistique et colonialisme)، دار Payot، 1974.
  4. روبرت فيليبسون، الهيمنة اللغوية (Linguistic Imperialism)، مطبعة جامعة أكسفورد، 1992.
  5. نغوغي وا ثيونغو، تحرير العقل من الاستعمار: سياسة اللغة في الأدب الإفريقي (Decolonising the Mind)، دار James Currey / Heinemann، 1986.
  6. خولة طالب الإبراهيمي، الجزائريون ولغاتهم: عناصر لمقاربة سوسيولسانية للمجتمع الجزائري (Les Algériens et leur(s) langue(s))، منشورات الحكمة، 1997.
  7. محمد بن رابح، اللغة والسلطة في الجزائر: تاريخ صدمة لغوية (Langue et pouvoir en Algérie)، دار Séguier، 1999.
  8. وكالة كامبوس فرانس، تقرير حراك الطلبة 2024-2025. https://www.campusfrance.org/fr/actu/pres-de-445-000-etudiants-etrangers-en-france-en-2024-2025 – تم الاطلاع عليه في 25 أوت 2026

بقلم سمير بلعطاش

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحريرhttps://alahrar.net/
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة