سجّلت عقود خام برنت الآجلة سعر افتتاح بلغ 100.67 دولاراً للبرميل، بعد إغلاق سابق عند 100.69 دولاراً، بحسب بيانات موقع Investing.com المتخصص في أسواق السلع. وتراجع السعر لاحقاً إلى 98.38 دولاراً يوم 24 يوليو، بانخفاض نسبته 2.29 % خلال جلسة واحدة، وفق منصة Trading Economics، لكنه ظل أعلى بنسبة 30.30 % مقارنة بمستواه قبل شهر واحد فقط، وأعلى بنسبة 43.75 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. جاء هذا الارتفاع بعدما نفّذت القيادة المركزية الأمريكية ضربتها الثالثة عشرة على التوالي ضد أهداف إيرانية، في اليوم 147 من نزاع مسلح بين واشنطن وطهران يتمحور جزء كبير منه حول حرية الملاحة في مضيق هرمز.
عودة برنت إلى ما فوق 100 دولار بعد أشهر من التراجع
لم يكن ارتفاع يوليو معزولاً عن سياق أوسع بدأ قبل أربعة أشهر. فبحسب مدونة البنك الدولي، ارتفع سعر برنت بنحو 65 % بحلول نهاية مارس 2026، أي زيادة قدرها نحو 46 دولاراً للبرميل خلال شهر واحد فقط، عقب اندلاع النزاع في الشرق الأوسط وتعطل شبه كامل للملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يستوعب في السابق نحو 35 % من تجارة النفط الخام المنقولة بحراً على مستوى العالم. هدأت الأسعار مطلع أبريل بعد إعلان هدنة مؤقتة، ثم واصلت التراجع حتى سجّل مؤشر أسعار الطاقة انخفاضاً بلغ 17.7 % خلال يونيو وحده، وفق صفحة أسواق السلع التابعة للبنك الدولي. غير أن استئناف الضربات الأمريكية على إيران في يوليو أعاد المؤشر إلى مستويات مارس، فيما تتابع بكين، بحسب Trading Economics، تداعيات الهجمات على دول الخليج بقلق متزايد إزاء مصالحها الاقتصادية.
من فاتورة الوقود إلى فاتورة القمح: كيف تنتقل الصدمة
يوضح فريق من كبار مسؤولي صندوق النقد الدولي، في مدونة نشرها الصندوق في 30 مارس 2026، أن أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية تمثل القنوات الرئيسية الثلاث التي تنقل صدمة الحرب إلى الاقتصاد العالمي، وإن كانت حدة الأثر تتفاوت بشكل كبير بين منطقة وأخرى. ويشكّل الغذاء نحو 43 % من إنفاق الأسر في الدول منخفضة الدخل، مقابل 25 % في الاقتصادات الناشئة و12 % فقط في الاقتصادات المتقدمة، وفق الصندوق، ما يجعل أي قفزة في أسعار الأسمدة والغذاء مسألة اجتماعية بقدر ما هي اقتصادية في الدول التي يملك فيها الاقتصاد هامشاً مالياً محدوداً لامتصاص الصدمة. كما يشير الصندوق إلى أن منطقة الخليج تزوّد الأسواق العالمية بحصة كبيرة من الهيليوم المستخدم في صناعات تمتد من أشباه الموصلات إلى الأجهزة الطبية، بينما قد تواجه إندونيسيا، أكبر مورّد للنيكل عالمياً، نقصاً في الكبريت اللازم لمعالجة هذا المعدن.
ما يجعل هذه الموجة مختلفة عن ارتفاعات النفط السابقة ليس مستوى السعر بحد ذاته، بل توقيتها: فهي تصل إلى اقتصادات لم تُرمّم موازناتها بعد من صدمة الغذاء والطاقة لعام 2022، فتضاعف كلفة تعثر مالي لم يُطوَ ملفه بالكامل.
الدين العام يصبح أكثر كلفة في الدول المستوردة للنفط
في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أبريل 2026، عرض صندوق النقد الدولي ثلاثة سيناريوهات لمسار الحرب: أضعف، أسوأ، وأشد حدة. وفي السيناريو الأشد حدة الذي يفترض استمرار تعطل الملاحة عبر هرمز، يقدّر الصندوق أن يبلغ متوسط سعر برنت 110 دولارات للبرميل خلال 2026 و125 دولاراً في 2027، وهو مستوى قال كبير اقتصاديي الصندوق بيير أوليفييه غورينشا إنه قد يضع الاقتصاد العالمي على حافة الركود. وحذّر الصندوق الحكومات من اللجوء إلى سقوف الأسعار أو دعم الوقود أو التخفيضات الضريبية، معتبراً أن هامش المناورة المالي في كثير من الدول ضيق أصلاً بفعل عجوزات الموازنة وتراكم الدين العام. في المقابل، رفع البنك الدولي، في تقريره الصادر أواخر أبريل، توقعاته لمتوسط سعر برنت خلال 2026 إلى 86 دولاراً مقابل 69 دولاراً فقط في 2025، مشيراً إلى أن السيناريو الأكثر حدة يمكن أن يرفع المتوسط السنوي إلى نطاق بين 95 و115 دولاراً، ما قد يدفع التضخم في الدول النامية إلى 5.8 %، أعلى مستوى له منذ أكثر من عقد باستثناء صدمة 2022. ويقر البنك في السياق نفسه بأن أكثر من 60 % من الدول المصدّرة للسلع الأولية عالمياً قد تشهد، رغم ارتفاع عائداتها النفطية، نمواً أضعف من التوقعات السابقة، ما يكشف أن الفائدة المالية القصيرة المدى للدول المصدّرة لا تلغي هشاشة النمو العالمي ككل.
سريلانكا وباكستان في مقدمة الدول المكشوفة أمام اختبار الملاءة
يبيّن تحليل نشره مركز سياسات التنمية العالمية التابع لجامعة بوسطن أن فوارق العائد على السندات السيادية اتسعت بوضوح، بين 27 فبراير و20 مارس 2026، لصالح الدول المستوردة الصافية للنفط، بينما استفادت الدول المصدّرة من الحركة نفسها. وتظهر هذه الفجوة بشكل خاص لدى اقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل كانت هشة أصلاً قبل اندلاع النزاع، مثل سريلانكا وباكستان، وكلتاهما ترتبطان ببرامج قائمة مع صندوق النقد الدولي. وبحسب المركز نفسه، تجاوزت فوارق العائد عتبة الألف نقطة أساس في دول تمر أصلاً بتعثر جزئي أو كامل عن سداد ديونها، من بينها إثيوبيا ولبنان وموزمبيق والسنغال وفنزويلا. ويقترح التحليل أن يعيد صندوق النقد الدولي تفعيل نافذة صدمة الغذاء التي أُطلقت خلال أزمة 2022، عبر تمويل غير مشروط يصل بسرعة أكبر إلى الموازنات الأكثر تعرضاً لفاتورتي الوقود والغذاء معاً.
ما الذي يمكن أن يخفف الصدمة القادمة
يفترض السيناريو المرجعي للبنك الدولي عودة أحجام الشحن عبر مضيق هرمز إلى مستويات قريبة من ما قبل الحرب بحلول أكتوبر 2026، وهو الأفق الزمني الذي ستُختبر عنده معظم التوقعات الحالية. وتشير مدونة البنك إلى أن الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية، والنفط الخاضع للعقوبات الجاري نقله فعلياً، ومسارات تصدير بديلة من دول الخليج، يمكن أن تعوّض جزئياً أي توقف يمتد لعدة أشهر. غير أن البنك نفسه يقر بأن المخاطر تظل مائلة نحو مزيد من الارتفاع لا الانخفاض، خصوصاً إذا طال أمد الاضطرابات أو اتسع نطاق الأضرار التي لحقت بمنشآت الطاقة.
الموعد المقبل الذي سيقيس مدى صلابة هذه الافتراضات هو تحديث أكتوبر لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي، إلى جانب البيانات الشهرية لأسواق السلع التي ينشرها البنك الدولي في الرابع من أغسطس المقبل. إلى ذلك الحين، يبقى مسار مضيق هرمز والملف التفاوضي بين واشنطن وطهران المتغير الأكثر تأثيراً في تحديد ما إذا كانت موجة يوليو ستبقى محدودة في الزمن، أم أنها بداية استئناف الصدمة التي بدأت في مارس.
المصادر
- البنك الدولي (World Bank Group) — تقرير آفاق أسواق السلع، بيان صحفي، 28 أبريل 2026
https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2026/04/28/commodity-markets-outlook-april-2026-press-release – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - صندوق النقد الدولي (IMF Blog) — How the War in the Middle East Is Affecting Energy, Trade, and Finance، 30 مارس 2026
https://www.imf.org/en/blogs/articles/2026/03/30/how-the-war-in-the-middle-east-is-affecting-energy-trade-and-finance – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - مدونات البنك الدولي (World Bank Blogs) — Five questions on how the war in the Middle East is affecting commodity markets، 7 مايو 2026
https://blogs.worldbank.org/en/developmenttalk/five-questions-on-how-the-war-in-the-middle-east-is-affecting-co – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - مركز سياسات التنمية العالمية – جامعة بوسطن (Global Development Policy Center) — Rising oil prices and developing country debt: the next shock is already here، 23 مارس 2026
https://www.bu.edu/gdp/2026/03/23/rising-oil-prices-and-developing-country-debt-the-next-shock-is-already-here/ – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - Investing.com — Brent Crude Oil Futures Price Today
https://www.investing.com/commodities/brent-oil – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026 - Trading Economics — Brent crude oil
https://tradingeconomics.com/commodity/brent-crude-oil – تاريخ الاطلاع: 26 يوليو 2026
يوسف عبد الله



