الرئيسيةالتحليلاتقراءة في الأحداثلماذا يفتح الاتفاق النووي الأمريكي السعودي الباب أمام تخصيب اليورانيوم في الرياض؟

لماذا يفتح الاتفاق النووي الأمريكي السعودي الباب أمام تخصيب اليورانيوم في الرياض؟

كشفت صحيفة نيويورك تايمز، نقلا عن مسؤولين أمريكيين لم تكشف عن هويتهم، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب توصلت إلى اتفاق تعاون نووي مدني مع السعودية يمكن أن يتيح للمملكة تخصيب اليورانيوم على أراضيها، على أن يُعلن عنه رسميا يوم الأربعاء 22 يوليو 2026. ويفصل هذا الاتفاق، المعروف باسم اتفاقية 123، التعاون النووي عن مسار التطبيع مع إسرائيل، في تحول عن الشرط الذي وضعته إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

وبحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن مسؤولين اثنين مطلعين على الملف، فإن الاتفاق سيُوقَّع رسميا هذا الأسبوع بين وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، تمهيدا لإحالته إلى الكونغرس للمراجعة خلال الأيام المقبلة، وفقا لما ذكرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. ويأتي الإعلان في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى ترسيخ العلاقة مع الرياض، التي تشهد توترا متصاعدا في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستمرة ضد إيران منذ فبراير 2026. وتقدر وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته صحيفة واشنطن تايمز، أن الاتفاق سيمتد على 30 عاما، وسيتيح لشركات أمريكية، وفي مقدمتها وستنغهاوس، المشاركة في بناء بنية تحتية نووية مدنية سعودية بقيمة تقدر بمليارات الدولارات.

بند التخصيب: دراسة جدوى مشتركة قبل بناء أي منشأة

وبحسب هذه التقارير، فإن الاتفاق لا يمنح السعودية الحق الفوري في تخصيب اليورانيوم، بل يفتح الباب أمام إمكانية بناء منشأة تخصيب على الأراضي السعودية بمساعدة أمريكية، شريطة أن تخلص دراسة جدوى اقتصادية مشتركة بين الجانبين إلى أن المشروع مبرر تجاريا. وأوضحت شبكة سي إن إن أن الاتفاق يتضمن أيضا بندا يتيح إعادة معالجة البلوتونيوم وفق الآلية نفسها، وهو مسار ثان يؤدي تقنيا إلى المواد القابلة للاستخدام في تصنيع سلاح نووي. في المقابل، ينص الاتفاق على ترتيب رقابي ثنائي يشبه في بنيته البروتوكول النموذجي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنه يستبعد البنود التي كانت الرياض قد اعترضت عليها، على أن يخضع لتصديق مجلس محافظي الوكالة قبل دخوله حيز التنفيذ. ما يميز هذا الترتيب هو أنه يقلب المعادلة التي حكمت اتفاقيات التعاون النووي الأمريكية في الخليج طوال خمسة عشر عاما.

السعودية تحصل على ما مُنع على الإمارات في اتفاق 2009

ويحمل هذا الترتيب دلالة تتجاوز التفاصيل التقنية للاتفاق. فمنذ توقيع واشنطن وأبوظبي اتفاقية 123 عام 2009، المعروفة بالمعيار الذهبي، تعهدت الإمارات بالتخلي نهائيا عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستنفد، وانضمت إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يمنح المفتشين صلاحيات موسعة للوصول إلى المواقع غير المعلنة، بحسب ما توثقه جمعية الحد من التسلح الأمريكية. وقد شكل هذا الالتزام الإماراتي، منذ خمسة عشر عاما، النموذج الذي طالبت كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ديمقراطية وجمهورية على حد سواء، أي دولة خليجية أخرى بالالتزام به قبل الحصول على تعاون نووي مدني. وهذا ما يجعل من الاتفاق مع الرياض، إن أُقر بصيغته الحالية، سابقة تكسر معيارا التزمت به واشنطن طوال عقد ونصف.

فك الارتباط بالتطبيع: تحول عن سياسة بايدن

على عكس النهج الذي اتبعته إدارة جو بايدن، والتي كانت تربط أي تعاون نووي مع الرياض بإقامة علاقات دبلوماسية سعودية مع إسرائيل ضمن مسار أوسع يشمل ضمانات دفاعية أمريكية، فصلت إدارة ترامب الملفين كليا. واتفق الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارة الأخير إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025، على المضي قدما في التعاون النووي المدني بمعزل عن أي شرط يتعلق بالتطبيع، وفق ما أوردته نيويورك تايمز. ويأتي هذا التحول في وقت تراجعت فيه فرص التطبيع السعودي الإسرائيلي بعد هجوم السابع من أكتوبر وما تلاه من عملية إسرائيلية عسكرية في غزة، ما جعل الرياض أقل استعدادا لربط تعاونها الاستراتيجي مع واشنطن بملف لم يعد يحظى بإجماع داخلي.

معارضة إسرائيلية ومخاوف متفرقة داخل الكونغرس

وقوبل مشروع الاتفاق برفض علني من مسؤولين إسرائيليين، من بينهم وزراء في الحكومة الحالية، الذين أعلنوا عزمهم العمل على إفشاله داخل الكونغرس الأمريكي، بحسب ما نقلته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. ووصف عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان، الذي شغل سابقا منصب وزير الدفاع، البرنامج النووي المدني السعودي بأنه سيؤول حتما إلى تطوير سلاح نووي، محذرا من سباق تسلح إقليمي. كما أبدى عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، تحفظات مماثلة، خشية أن يفتح الاتفاق الباب أمام دول أخرى في المنطقة لطلب امتيازات مماثلة. غير أن هذه المعارضة تصطدم بدعم واسع يحظى به الاتفاق داخل الغالبية الجمهورية في الكونغرس، وفق ما ذكرته صحيفة ذا إيريش تايمز، ما يقلص من فرص عرقلته فعليا قبل دخوله حيز التنفيذ.

سياق إقليمي مشحون: حرب مستمرة على إيران وتحالف باكستاني سعودي

يأتي الإعلان عن الاتفاق في خضم حرب تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران منذ فبراير 2026، بعدما كان الرئيس ترامب قد أمر بضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025. وفي هذا السياق المتوتر، وقعت السعودية وباكستان، الدولة الحائزة على السلاح النووي، اتفاقية دفاع مشترك عقب هجوم إسرائيلي استهدف مسؤولين من حركة حماس في قطر، وصرح وزير الدفاع الباكستاني حينها بأن برنامج بلاده النووي سيكون متاحا للرياض عند الحاجة، بحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس. ويعزز هذا التطور مخاوف خبراء منع الانتشار من أن المنطقة تتجه نحو معادلة نووية أكثر تعقيدا، في ظل تعدد الأطراف القادرة على الوصول إلى تقنيات حساسة. وكان ولي العهد السعودي قد صرح في مناسبات سابقة بأن بلاده ستسعى لامتلاك سلاح نووي إذا ما طورت إيران قنبلة خاصة بها، وهو تصريح يعيد التذكير به كل مرة يطرح فيها ملف التعاون النووي السعودي الأمريكي.

وينتظر أن يحال الاتفاق إلى الكونغرس الأمريكي خلال الأيام المقبلة، حيث يملك المشرعون مهلة تصل إلى 90 يوما للاعتراض عليه قبل أن يدخل حيز التنفيذ تلقائيا، وفق الآلية المنصوص عليها في المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي. وسيحدد مسار المراجعة هذا ما إذا كانت واشنطن ستمضي فعلا في أول اتفاق نووي مدني يتيح تخصيب اليورانيوم لدولة خليجية منذ خمسة عشر عاما، أم أن المعارضة المتقاطعة بين إسرائيل وبعض أعضاء الكونغرس ستفرض تعديلات على بنوده.


المصادر

  1. Forbes — Trump Administration Reportedly Clears Landmark Nuclear Deal With Saudi Arabia
    https://www.forbes.com/sites/siladityaray/2026/07/22/trump-administration-reportedly-clears-landmark-nuclear-deal-with-saudi-arabia/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
  2. The Hill — Trump administration to announce US-Saudi Arabia nuclear agreement
    https://thehill.com/policy/international/5982724-donald-trump-us-saudi-arabia-potential-nuclear-deal-uranium/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
  3. Washington Times (بحسب وكالة أسوشيتد برس) — Trump OKs nuclear deal that may allow Saudi Arabia to enrich uranium
    https://www.washingtontimes.com/news/2026/jul/21/trump-oks-nuclear-agreement-may-allow-saudi-arabia-enrich-uranium-two/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
  4. CNN — Trump approves deal with Saudi Arabia that could allow kingdom to enrich nuclear fuel
    https://www.cnn.com/2026/07/22/politics/us-saudi-nuclear-deal – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
  5. The Times of Israel — Trump to seek Congress approval for US-Saudi nuclear energy pact without safeguards
    https://www.timesofisrael.com/trump-to-seek-congress-approval-for-us-saudi-nuclear-energy-pact-without-safeguards/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
  6. Arms Control Association — The U.S. Atomic Energy Act Section 123 At a Glance
    https://www.armscontrol.org/factsheets/us-atomic-energy-act-section-123-glance – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026

أحمد ناصر

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة