أعلنت وكالة الاستحواذ والتكنولوجيا واللوجستيات اليابانية (ATLA)، التابعة لوزارة الدفاع، في 15 يوليو 2026 اختيار أربع شركات للمشاركة في برنامج تجريبي معجّل لتطوير طائرات مسيّرة اعتراضية، بعدما تلقت 38 عرضاً من شركات محلية ودولية. وشملت القائمة النهائية شركة Terra Drone اليابانية إلى جانب ثلاث شركات وسيطة تعرض منظومات مطوَّرة في ألمانيا والبرتغال والولايات المتحدة، وفق ما أكده وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لمجلس الوزراء أوائل يوليو. ويندرج الاختيار ضمن ما تسميه طوكيو برنامج الاستحواذ السريع على الطائرات المسيّرة الاعتراضية، الذي أُطلق في 5 يونيو الماضي بهدف ضغط دورة تطوير كانت تستغرق تقليدياً أكثر من عقد إلى ثلاثة أشهر فقط.
أربع منظومات من أربع جهات لاختبار واحد
من بين الأنظمة الأربعة التي دخلت مرحلة التجربة، تبرز طائرة QS Interceptor الألمانية التي طورتها شركة Quantum Systems، ومنظومة BVQ404 البرتغالية من إنتاج Beyond Vision، إضافة إلى IonStrike الأمريكية التي تصنّعها DZYNE Technologies. أما الطراز الرابع فهو Terra B1، وهو طائرة يابانية طورتها شركة Terra Drone بالتعاون مع الشركة الأوكرانية Amazing Drones، في مؤشر على استفادة طوكيو المباشرة من خبرة كييف الميدانية في مواجهة الدرونز الروسية. وبحسب موقع Militarnyi المتخصص في الشؤون العسكرية، تشترط المواصفات الفنية للبرنامج أن تكون المنظومة المختارة قادرة على تدمير طائرات مسيّرة يصل وزنها إلى 600 كيلوغرام، وترتفع لنحو 5.5 كيلومتر، بسرعة تقارب 463 كيلومتراً في الساعة، وهي مواصفات موجهة أساساً لمواجهة طائرات هجومية بعيدة المدى من طراز شاهد الإيرانية أو هاربي الإسرائيلية.
بدأت تجارب الأداء التي تشرف عليها قوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية أواخر يوليو الجاري، وتشمل تقييم الطيران والتشغيل الذاتي والتوافق مع منصات السفن. وتفيد تقارير متطابقة بأن نتائج هذه التجارب قد تفتح الباب أمام توقيع عقد إنتاج بكميات كبيرة في وقت مبكر يصل إلى نهاية أغسطس المقبل، على أن تصل أولى الشحنات إلى قوات الدفاع الذاتي البرية في وقت لاحق.
من خنادق أوكرانيا إلى سماء شرق آسيا
لا ينفصل هذا التسارع الياباني عن الدروس المستخلصة من ساحات القتال في أوكرانيا والشرق الأوسط، حيث بدّلت طائرات مسيّرة رخيصة الكلفة موازين مواجهات عسكرية كانت تُدار تقليدياً بمنظومات دفاع جوي باهظة الثمن. فما تكشفه هذه التجربة اليابانية ليس مجرد سعي تقني لمجاراة تطور التهديدات، بل اعتراف ضمني بأن الصواريخ التقليدية المضادة للطائرات، مهما بلغت دقتها، تظل غير اقتصادية في مواجهة أسراب من الدرونز الرخيصة المتكررة الهجوم. وقد سبق لشركة Quantum Systems الألمانية أن طوّرت طائرة اعتراضية مصغّرة تحمل اسم Jäger خصيصاً لمساعدة أوكرانيا على مواجهة الدرونز الروسية، قبل أن تُستدعى خبرتها الميدانية إلى برنامج طوكيو.
على النقيض من الصواريخ أرض-جو التقليدية، صُمّمت الطائرات الاعتراضية لملاحقة الدرونز المعادية أثناء طيرانها، سواء بتوجيه ذاتي عبر مستشعرات مدمجة أو بتحكم بشري من الأرض، قبل الاصطدام بها أو تعطيلها. ويرى محللون في الشأن الدفاعي أن هذا الأسلوب يوفّر حلاً أكثر استدامة من الناحية المالية لحماية المنشآت العسكرية من هجمات متكررة، مقارنة بإطلاق صاروخ باهظ الثمن على كل طائرة مسيّرة صغيرة.
لا تقتصر مشاركة Quantum Systems في البرنامج الياباني على هذا الملف وحده. فالشركة الألمانية، التي تصف نفسها بأنها من أبرز مزوّدي أنظمة الطيران بلا طيار في أوروبا، انضمت مؤخراً كعضو مؤسس في تحالف الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا للطائرات المسيّرة، الذي أُعلن عنه خلال منتدى الصناعات الدفاعية الأوروبي الأوكراني الثالث في كييف. ويهدف هذا التحالف إلى تحويل الخبرة القتالية المكتسبة في أوكرانيا إلى قدرات صناعية أوروبية قابلة للتوسّع، وهو ما يمنح طوكيو، بحسب مسؤولي الشركة، وصولاً مباشراً إلى دروس ميدانية نادراً ما تتوفر لجيوش لم تخض مواجهة مباشرة مع أسراب الدرونز.
الصين وكوريا الشمالية وتايوان في خلفية القرار
تندرج هذه الجهود ضمن سياق إقليمي متوتر، إذ سجّلت وزارة الدفاع اليابانية خلال السنة المالية 2024 أولى عمليات رصد لطائرات مسيّرة صينية من طرازي WL-10 وGJ-2 بالقرب من المجال الجوي الياباني، في وقت تواصل فيه بكين توسيع قدراتها في مجال الطيران المقاتل بلا طيار. وتضاف هذه التطورات إلى تصعيد عسكري متواصل في محيط بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، وإلى برامج التسلّح المسيّر التي تطوّرها كوريا الشمالية، وهو ما دفع طوكيو إلى إدراج حماية القواعد الجوية والموانئ البحرية ومراكز القيادة من الهجمات المسيّرة ضمن أولويات تحديث عقيدتها الدفاعية. وخصصت الحكومة اليابانية، بحسب موقع Defensehere المتخصص، نحو 277.3 مليار ين، أي ما يعادل 1.9 مليار دولار تقريباً، في ميزانية السنة المالية الجارية لتعزيز قدرات مواجهة المنظومات الجوية بلا طيار.
ويندرج البرنامج التجريبي الحالي ضمن مظلة أوسع تعرف باسم SHIELD، أي الدفاع الساحلي المتزامن والهجين والمتكامل والمعزّز، التي تنفّذها وزارة الدفاع اليابانية لبناء منظومة دفاعية متعددة الطبقات في الجزر الجنوبية الغربية للأرخبيل، القريبة جغرافياً من تايوان.
ما الذي يتغيّر في عقيدة الدفاع الجوي الياباني
يعتقد مخططون عسكريون أن مستقبل الدفاع الجوي لن يعتمد بعد الآن على منظومة واحدة، بل على طبقات حماية متعددة ومتكاملة. فالصواريخ بعيدة المدى تبقى ضرورية لمواجهة الطائرات المقاتلة والصواريخ الباليستية، بينما تتولى الطائرات الاعتراضية والحرب الإلكترونية وأسلحة الطاقة الموجّهة التصدي للتهديدات المسيّرة الأصغر حجماً. ولا تخلو هذه المقاربة من تحديات جوهرية، إذ يتعين على الطائرات الاعتراضية أن تتفاعل خلال ثوانٍ معدودة، وأن تميّز بدقة بين الطائرات المعادية والصديقة، وأن تعمل بكفاءة في بيئة قد تتعرض فيها الاتصالات للتشويش بفعل الحرب الإلكترونية. ويبقى نجاح البرنامج مرهوناً بقدرة اليابان على دمج هذه الأنظمة الذاتية مع شبكات الرادار وهياكل القيادة القائمة.
اختبارات نهاية يوليو ومسار عقد أغسطس
تدخل قوات الدفاع الذاتي البحرية مرحلة اختبارات ميدانية مكثّفة بين أواخر يوليو ومطلع أغسطس، تشمل تقييم الأداء الطيراني والتوافق مع منصات السفن. وإذا اجتازت إحدى المنظومات الأربع هذه المرحلة بنجاح، فقد تحصل على عقد إنتاج بكميات كبيرة بحلول نهاية أغسطس، وهو جدول زمني غير مسبوق بالنسبة لبرنامج تسلّح ياباني اعتاد أن يستغرق سنوات. وتراقب حكومات أخرى في أوروبا وأمريكا الشمالية ومنطقة الإندوباسيفيك، التي تستثمر بدورها بكثافة في قدرات مواجهة الطائرات المسيّرة، مسار هذه التجارب اليابانية باعتبارها مؤشراً محتملاً على الاتجاه الذي ستسلكه عقيدة مكافحة الدرونز عالمياً خلال السنوات المقبلة.
وبصرف النظر عن الشركة التي ستفوز بالعقد النهائي، يبقى الثابت أن اليابان اختارت أن تخوض هذا السباق التقني بأربع أوراق في الوقت نفسه بدل الرهان على مورّد واحد، في مقاربة تعكس إدراكها أن سرعة التسلّح باتت لا تقل أهمية عن جودته.
المصادر
- Quantum Systems – بيان رسمي: “Quantum Systems Selected for Japan’s Counter-UAS Proof-of-Concept Program”
https://quantum-systems.com/news/quantum-systems-japan-counter-uas-program/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - Army Technology – “Terra Drone interceptor chosen for Japan’s 2026 ATLA counter-UAV trials”
https://www.army-technology.com/news/terra-drone-interceptor-japan/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - Militarnyi – “Japan Accelerates Search for Interceptor Drones; Terra Drone, Which Cooperates With Ukrainian Developers, Among Candidates”
https://militarnyi.com/en/news/japan-accelerates-search-for-interceptor-drones-terra-drone-which-cooperates-with-ukrainian-developers-among-candidates/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - Army Recognition – “Japan Selects Terra Drone Interceptor to Counter Growing One-Way Attack Threat”
https://www.armyrecognition.com/news/army-news/2026/japan-selects-terra-drone-interceptor-to-counter-growing-one-way-attack-threat – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - Global Defense Corp – “Japan received proposals from 38 firms for its interceptor drone acquisition program”
https://www.globaldefensecorp.com/2026/07/06/japan-received-proposals-from-38-firms-for-its-interceptor-drone-acquisition-program/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - Frontline Radar – “Japan Builds a New Shield Against Drones”
https://frontlineradar.com/japan-builds-a-new-shield-against-drones/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
سارة خليل



