لماذا هذا مهم: يعيد مسار الجزائري إلى الواجهة حلقة أقل شهرة من “هجرة المشايخ” التي تلت سقوط مقاومة الأمير عبد القادر عام 1848، حين استقر عشرات العلماء الجزائريين في بلاد الشام. الرجل الذي أسس أول مكتبة عامة في دمشق شارك أيضا في تأسيس جمعية النهضة العربية عام 1906، وهي من الجمعيات التي مهدت لصعود الفكر القومي العربي قبيل الحرب العالمية الأولى. مساره يوثق كذلك شبكة جزائرية امتدت من دمشق إلى القدس والقاهرة، ولا يزال إرثها المؤسسي، من مكتبة الظاهرية إلى المكتبة الخالدية، قائما إلى اليوم.
جذور عائلية في وادي الصومام
رأى طاهر الجزائري النور في دمشق عام 1852، بعد أربع سنوات فقط من مغادرة والده الجزائر. كان الشيخ صالح بن أحمد، والد طاهر، قد ترك البلاد عام 1848 إثر هزيمة الأمير عبد القادر ونفيه إلى فرنسا، في هجرة جماعية عُرفت لاحقا بـ”هجرة المشايخ”. يعود نسب الأسرة إلى الجد سيدي حاج حساين، مؤسس الزاوية التي كانت تنتمي إليها، في قرية تحمل الاسم نفسه بمنطقة سماون ببني أوغليس، في وادي الصومام، ومن هنا نسبتاه “السماوني” و”الوغليسي” اللتان رافقتا اسمه طوال حياته.
تولى الشيخ صالح الإفتاء على المذهب المالكي في دمشق، لأن معظم المهاجرين الجزائريين كانوا يتبعونه، وكان إلى جانب ذلك مختصا في علم الفلك. أما عمه سليم الجزائري، فكان ضابطا عثمانيا رفيعا وأحد مؤسسي جمعيتي القحطانية والعهد، وأعدمه جمال باشا في 6 مايو 1916، فصار أحد شهداء القضية العربية في مرحلة سابقة على استقلال الجزائر بعقود.

تكوين علمي جمع بين العربية والقبائلية والفارسية
تلقى طاهر تعليمه الأول على يد والده، قبل أن يلتحق بمدرسة الجقمقية قرب الجامع الأموي، حيث درس على الشيخ عبد الرحمن البشناقي. أتقن هناك العربية والفارسية والتركية ومبادئ العلوم الشرعية. غير أن أستاذه الأكثر تأثيرا كان الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني، الفقيه الذي ورث عنه طاهر النفور من التعصب والزهد في المناصب.
إلى جانب هذه اللغات، أتقن الجزائري الفرنسية والسريانية والعبرية والأمهرية، محتفظا بلغته الأم، القبائلية، التي مكنته من الحوار المباشر مع المستشرقين الأوروبيين الذين زاروا دمشق في عصره. وصفه معاصروه بأنه “جميل الوجه، متوسط القامة، عريض الجبهة، سريع البديهة”، في إشارة إلى حضوره الذي لفت أهل مجلسه منذ شبابه.
حلقة دمشق التي مهّدت للفكر القومي العربي
عُيّن طاهر الجزائري مدرسا عام 1875، وسرعان ما تشكلت حوله “حلقة دمشق الكبرى”، التي ضمت الشيخ جمال الدين القاسمي وعبد الرزاق البيطار وسليم البخاري، ثم جيلا أصغر سنا ضم محمد كرد علي وعبد الحميد الزهراوي ومحب الدين الخطيب وسليم الجزائري. كانت الحلقة في بداياتها أدبية وتاريخية الطابع، قبل أن تنزلق تدريجيا نحو مناقشة القضايا السياسية العربية، لتصبح أحد المراكز الفكرية التي أرست لاحقا ملامح القومية العربية الناشئة في أواخر العهد العثماني.
مدارس في مواجهة التبشير
شارك الجزائري عام 1878 في تأسيس الجمعية الخيرية بدعم من الوالي مدحت باشا، بهدف مواجهة حملات التبشير التي كانت تنشطها بعثات غربية في دمشق. افتتحت الجمعية تسع مدارس في المدينة، من بينها مدرستان للبنات، وأنشأت مطبعة خاصة لنشر الكتب المدرسية. لم يكن هذا العمل التعليمي معزولا عن رؤية أوسع، قوامها إصلاح المجتمع عبر المعرفة واللغة، في مرحلة كانت فيها البعثات الأجنبية تتنافس على النفوذ الثقافي داخل بلاد الشام.
مكتبة الظاهرية: أول مكتبة عامة في دمشق الحديثة
يبقى إنشاء مكتبة الظاهرية عام 1880 الإنجاز الأكثر ديمومة في مسيرة طاهر الجزائري. بدعم من مدحت باشا، أسس أول مكتبة عامة في تاريخ دمشق الحديث، وجمع فيها المخطوطات التي كانت متناثرة بين المساجد والمدارس، منقذا الكثير منها من الإهمال والضياع. أعد لها فهارس علمية صارت مرجعا للباحثين والمستشرقين، وشارك أيضا في تأسيس المكتبة الخالدية بالقدس، ما جعله حلقة وصل بين مؤسستين علميتين كبيرتين في المشرق العربي.
منذ عام 1879، كلفته السلطات العثمانية بمهمة تفتيش المكتبات في سوريا والقدس، وهي وظيفة مارسها ثماني سنوات، قبل أن يُعيّن مفتشا عاما للتعليم في سوريا.
من التفتيش العثماني إلى المنفى المصري
في عام 1906، شارك الجزائري في تأسيس جمعية النهضة العربية، وهي جمعية سرية ثم علنية جمعت مسلمين ومسيحيين حول هدف معلن هو “رفعة العرب ومجدهم ونشر اللغة العربية”. غير أن نشاطه وأفكاره أثارا شكوك السلطة العثمانية، فأُجبر بين عامي 1905 و1907 على مغادرة سوريا نحو مصر.
أقام الجزائري في مصر ثلاثة عشر عاما، استقبله خلالها علماء وأدباء مصريون، من بينهم أحمد تيمور باشا وأحمد زكي باشا. رفض المساعدات المالية، مفضلا بيع مخطوطاته الخاصة للعيش، وآثر أن يتنازل عنها لدار الكتب المصرية بدلا من بيعها لمشترين أوروبيين، حتى تبقى في أرض إسلامية. في عام 1912، زار الجزائر، وطنه العائلي، واستقبله فيها الشيخ محند السعيد بن زكري، مفتي المذهب المالكي وأستاذ المدرسة الثعالبية.
عودة قصيرة ووفاة عند سفح قاسيون
عاد طاهر الجزائري إلى سوريا عام 1919 بعد سقوط الحكم العثماني، وعُيّن مديرا للمكتبة الظاهرية التي كان قد أسسها، وعضوا في المجمع العلمي العربي. لكنه لم يعش سوى أربعة أشهر بعد عودته، إذ توفي في 5 يناير 1920، ودُفن عند سفح جبل قاسيون وفق وصيته.
ماذا يقول من عرفه: تلميذه محب الدين الخطيب، أحد أبرز رموز حلقة دمشق، قال إن الشيخ “علّمني حب وطني، وعروبتي، والإسلام”، في شهادة تختصر أثره التربوي على جيل كامل من مثقفي الشام.
إرث بين الجزائر والمشرق ما يزال ينتظر استعادته
السياق: رغم دوره في تأسيس مكتبتين عامتين وجمعية علمية وجمعية سياسية، بقي اسم طاهر الجزائري بعيدا عن الذاكرة الجزائرية الرسمية عقودا طويلة. نظّم الهيئة الإسلامية العليا عام 2013 ندوة بعنوان “الشيخ طاهر الجزائري، أبو النهضة العربية في الشام”، قدّمها الباحث محمد الصغير بلعلام، رئيس مؤسسة مولود قاسم نايت بلقاسم، في محاولة لإعادة الاعتبار لمسار ظل حتى ذلك التاريخ هامشيا في الكتابة التاريخية الجزائرية.
يربط إرث الجزائري بين ضفتين من الذاكرة العربية، جرح المقاومة الجزائرية المنكسرة عام 1848 من جهة، والنهوض الثقافي الذي شهدته دمشق أواخر القرن التاسع عشر من جهة أخرى. سليل قرية قبائلية صغيرة صار مديرا لمكتبة عامة كبرى وعضوا في أكاديمية علمية عربية، في مسار يوثق أن إسهام الجزائريين في النهضة العربية لم يقتصر على التلقي، بل شمل العطاء أيضا.
المصادر
- كمال ناصر – “الجذور الجزائرية لحركة النهضة القومية العربية” (2024)
- موقع تراجم (Tarajm) – “الشيخ طاهر الجزائري”
https://www.tarajm.com/people/63678 – تم الاطلاع عليه في 16 سبتمبر 2026 - الموسوعة الحرة ويكيبيديا (النسخة الإنجليزية) – “Tahir al-Jazairi”
https://en.wikipedia.org/wiki/Tahir_al-Jazairi – تم الاطلاع عليه في 16 سبتمبر 2026 - الموسوعة الحرة ويكيبيديا (النسختان العربية والفرنسية) – مقالتا “طاهر الجزائري” و”Tāhir al-Jazā’irī”
- أرشيف جامعة بسكرة الجامعي – وثائق حول هجرة العلماء الجزائريين إلى بلاد الشام
- موقعا IslamHouse وصفحات (Safahat) – تراجم علماء دمشق في أواخر العهد العثماني
هيئة التحرير – مجلة الاحرار



