الرئيسيةالبيئة والمناخالطاقة النظيفةلماذا يعيد الهيدروجين الأخضر في الجزائر فتح ملف ندرة المياه؟

لماذا يعيد الهيدروجين الأخضر في الجزائر فتح ملف ندرة المياه؟

تراهن الجزائر على الهيدروجين الأخضر لتصبح مصدرا رئيسيا للطاقة النظيفة نحو أوروبا عبر مشروع "ممر الجنوب" (SoutH2 Corridor)، في مشروع تقدره دراسات علمية بقدرة تقنية تصل إلى 10 ملايين طن سنويا. غير أن هذا الطموح الاقتصادي يصطدم ببعد بيئي نادرا ما يحضر في الخطاب الرسمي: كل كيلوغرام من هذا الغاز يستهلك كمية معتبرة من الماء، في بلد يصنف أصلا ضمن العشرين دولة الأكثر تعرضا لشح المياه في العالم.

وقّعت الجزائر وألمانيا في 16 يوليو 2026، خلال زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى برلين، إعلانا مشتركا يصنف ممر SoutH2 ضمن مشاريع “البوابة العالمية” و”الطرق الطاقوية الأوروبية”، بما يربط الهيدروجين المنتج في الصحراء الجزائرية بالقلب الصناعي لأوروبا. ويأتي هذا التوجه في سياق خارطة طريق وطنية أقرت أواخر عام 2022 وتستهدف إنتاج نحو 40 تيراواط ساعة من الهيدروجين، أي ما يزيد على مليون طن سنويا بحلول 2040، باستثمارات تناهز 25 مليار دولار، فيما تُظهر دراسة نشرتها مجلة Applied Energy في يونيو 2026 أن القدرة التقنية للبلاد قد تبلغ عشرة أضعاف هذا الرقم. بين الهدف الرسمي المعلن والإمكانية النظرية التي تكشفها الدراسات العلمية، تبقى الفجوة كبيرة، وهي فجوة لا تحسمها وفرة الشمس وحدها، بل تحكمها معادلة أكثر تعقيدا: من أين يأتي الماء الذي تحتاجه هذه الصناعة الناشئة؟

الشمس تقود الرهان، لكنها ليست العامل الوحيد

يعتمد إنتاج الهيدروجين الأخضر على التحليل الكهربائي للماء باستخدام كهرباء متجددة، وتراهن الجزائر في هذا الصدد على مزيج يجمع نحو 70 بالمئة من الطاقة الشمسية الكهروضوئية و30 بالمئة من طاقة الرياح، ضمن برنامج يستهدف تركيب 13.5 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2030، في إطار خطة أوسع تصل إلى 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول 2035. ويشرف على المشروع تحالف يضم سوناطراك وسونلغاز من الجانب الجزائري، إلى جانب شركة VNG الألمانية وSNAM وSea Corridor الإيطاليتين وVerbund النمساوية، ضمن مبادرة ALTEH2A التي صنفتها المفوضية الأوروبية مشروعا ذا مصلحة مشتركة. غير أن توفير الكهرباء المتجددة، مهما بلغت وفرته، لا يحل وحده معضلة أساسية أخرى ترافق كل مشروع تحليل كهربائي: حاجته الدائمة إلى الماء النقي.

التحلية: الحل الذي تراهن عليه الجزائر لسد الفجوة المائية

تملك الجزائر حاليا 24 محطة تحلية عاملة، من بينها خمس وحدات كبرى دخلت الخدمة أواخر 2025، بإنتاج وطني يبلغ نحو 3.7 مليون متر مكعب يوميا، بهدف تغطية 42 بالمئة من احتياجات مياه الشرب. وخصصت الدولة ميزانية تناهز 2.4 مليار دولار لبناء خمس محطات جديدة، فيما ستدخل ست محطات إضافية بطاقة 300 ألف متر مكعب يوميا لكل منها الخدمة اعتبارا من 2026 في سكيكدة وجيجل وتيزي وزو والشلف ومستغانم وتلمسان، وجميعها ولايات ساحلية. ويكشف تقرير نشره موقع Energynews.pro في أغسطس 2025 أن مستثمرين دوليين قد يشاركون تحديدا في بناء محطات تحلية مخصصة لتأمين الماء اللازم للتحليل الكهربائي، وهو ما يعني عمليا أن مشروع تصدير الطاقة النظيفة سيتطلب توسيع بنية تحتية موازية لتحلية مياه البحر، بكلفتها الطاقوية والمالية الخاصة.

كم لترا من الماء يستهلكه كل كيلوغرام من الهيدروجين؟

من الناحية الكيميائية البحتة، تحتاج عملية التحليل الكهربائي إلى نحو تسعة لترات من الماء فائق النقاء لإنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين، بحسب تقديرات معهد DIW ببرلين ومركز أبحاث Rocky Mountain الأمريكي. غير أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى النظري فقط، إذ تشير تقديرات أخرى إلى أن الاستهلاك الفعلي، بعد احتساب مراحل إزالة المعادن ومعالجة الماء، يتراوح بين 18 و24 لترا لكل كيلوغرام، بينما ترتفع النسبة عند احتساب البصمة المائية الكاملة للأنظمة المرتبطة بالطاقة الشمسية الكهروضوئية لتصل إلى ما بين 22 و126 لترا بحسب مستوى الإشعاع الشمسي وعمر المعدات. وبالنظر إلى الأهداف الجزائرية التي تتحدث عن ملايين الأطنان سنويا في أفق 2040، فإن حجم الماء المطلوب يصبح رقما ذا وزن حقيقي، لا تفصيلا تقنيا هامشيا كما يظهر أحيانا في الخطاب الترويجي للمشروع.

الصحراء: شمس وفيرة ومياه في خطر

تتوفر أفضل الشروط الشمسية لإنتاج الهيدروجين في عمق الصحراء الجزائرية، حيث يعول المشروع الوطني على الجيل الأول من الحقول الكهروضوئية الكبرى. غير أن هذه المنطقة نفسها تجلس فوق النظام المائي الجوفي للصحراء الشمالية، المعروف أيضا بنسبة الألبيان، وهو خزان مياه جوفية يمتد على نحو مليون كيلومتر مربع بين الجزائر وتونس وليبيا، بحصة جزائرية تقدر بنحو 70 بالمئة من الاحتياطي الذي تراوح تقديراته بين 30 و60 تريليون متر مكعب بحسب المصادر. وبينما يعاد تغذية هذا الخزان بمعدل لا يتجاوز 1.4 كيلومتر مكعب سنويا، وهي نسبة أقل بكثير من معدلات الاستخراج الحالية، وقعت الجزائر وتونس وليبيا في أبريل 2026 “إعلان طرابلس” الذي يلتزم بإدارة “عقلانية ومنصفة” لهذه الثروة المشتركة، وسط تحذيرات خبراء من أن تسريع الضخ في منطقة يضربها أصلا الإجهاد المناخي قد يعجل بأزمة أكبر. وقد كشفت سوناطراك مؤخرا عن نيتها استكشاف استغلال الموارد المائية للصحراء لصالح مشاريع الهيدروجين الأخضر، عبر اتفاقية إطار مع جامعة ورقلة، وهو ما يضع طموح التصدير أمام سؤال مباشر: هل يُعقل تخصيص جزء من مورد غير متجدد أصلا، ومشترك مع دول الجوار، لإنتاج سلعة موجهة بالكامل تقريبا نحو الأسواق الأوروبية؟

لا يتعلق الأمر هنا بمعادلة تقنية بسيطة بين الشمس والكهرباء، بل بإعادة توزيع مورد نادر أصلا لصالح صناعة تصديرية ناشئة، في وقت تعاني فيه ملايين الأسر الجزائرية، ومن بينها عائلات أبناء الجالية في الخارج، من انقطاعات متكررة في مياه الشرب.

الساحل: قرب من الماء لكن كلفة استثمار أعلى

في المقابل، تكشف دراسة أجراها باحثون جزائريون وسعوديون، ونشرها موقع pv-magazine.fr في فبراير 2025، أن مناطق شمال البلاد، وتحديدا تلمسان وسكيكدة، تسجل كلفة إنتاج أقل نسبيا، بين 1.77 و1.94 يورو للكيلوغرام، مقارنة بمناطق داخلية أبعد عن الساحل، وذلك تحديدا بفضل قربها من الموارد المائية والبنية التحتية التصديرية القائمة أصلا، بما في ذلك خطوط الغاز نحو إيطاليا وإسبانيا. ورغم أن هذه الأرقام تبقى تنافسية عالميا مقارنة بأستراليا وألمانيا، فإنها تكشف تناقضا جغرافيا واضحا: المناطق الأكثر ملاءمة من حيث الماء والبنية التحتية ليست بالضرورة الأكثر وفرة من حيث الطاقة الشمسية، ما يفرض على المخططين حسم اختيار بين كلفة النقل من الصحراء وكلفة تأمين الماء على الساحل.

كلفة النقل وسط جدل متصاعد حول الجدوى الاقتصادية

يعتمد ممر SoutH2، الممتد على نحو 3300 كيلومتر، على إعادة تأهيل أكثر من 65 بالمئة من خطوط الغاز القائمة أصلا، بما يخفض كلفة الاستثمار مقارنة ببناء بنية تحتية جديدة بالكامل، بطاقة نقل قد تبلغ أربعة ملايين طن سنويا لكامل منطقة شمال إفريقيا بحسب تقديرات القطاع. غير أن هذا التفاؤل لا يحظى بإجماع كامل داخل الأوساط المتخصصة. فقد أشارت صحيفة الوطن في فبراير 2025 إلى تقرير للوكالة الدولية للطاقة يتحدث عن تباطؤ عالمي في اعتماد مشاريع الهيدروجين الأخضر بسبب ارتفاع الكلفة وضبابية الطلب، فيما قدرت وكالة بلومبرغ كلفة الإنتاج الحالية بين 3.74 و11.70 دولارات للكيلوغرام، وهو ما يعادل عدة أضعاف كلفة الغاز الطبيعي المكافئة طاقويا. من جهته، قدّر محمد تركماني، المدير السابق بالإدارة العامة لسوناطراك، في تحليل نشره موقع Club Energy DZ، أن المشروع قد يسجل خسائر مالية تتراوح بين 2.2 و6.7 مليار دولار سنويا في حال بيع الهيدروجين والغاز بالأسعار الحالية، معتبرا أن بلوغ عتبة الربحية يتطلب بيع الكيلوغرام الواحد من الهيدروجين بما يعادل ثلاثة أضعاف ونصف إلى أربعة أضعاف ونصف سعر الغاز الطبيعي.

تبقى المرحلة المقبلة، بين 2027 و2030، هي التي ستحدد ما إذا كانت الجزائر ستمضي في اختيار مواقع الإنتاج قرب الساحل حيث الماء أقرب والكلفة أخف، أو في عمق الصحراء حيث الشمس أوفر والمخاطر المائية أعلى، فيما تنتظر الدراسات التفصيلية التي أطلقتها مجموعة العمل الخماسية المعنية بالممر تحديد هذا التوازن بشكل نهائي.


المصادر

  1. مجلة Applied Energy، عبر تقرير موقع Horizons.dz بعنوان “hydrogène vert algérien: un potentiel d’exportation vers l’Europe”
    https://www.horizons.dz/2026/06/hydrogene-vert-algerien-un-potentiel-dexportation-vers-leurope/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  2. معهد DIW ببرلين، عبر تقرير موقع H2-Mobile.fr حول استهلاك الماء في التحليل الكهربائي
    https://www.h2-mobile.fr/actus/etude-allemagne-consommation-eau-production-hydrogene-vert-electrolyse/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  3. صحيفة Horizons (الجزائر)، تقرير حول موارد المياه ومحطات التحلية في الجزائر، مارس 2026
    https://www.horizons.dz/2026/03/horizons-dz-nation-ressources-en-eau-lalgerie-entre-acquis-et-defis-a-relever/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  4. موقع Kapitalis، تقرير حول نسبة الألبيان والنظام المائي الجوفي للصحراء الشمالية
    https://kapitalis.com/tunisie/2025/11/28/la-nappe-de-lalbien-ressource-strategique-et-risque-de-tensions-regionales/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  5. صحيفة الوطن، تقرير حول تقديرات الوكالة الدولية للطاقة ووكالة بلومبرغ بشأن كلفة الهيدروجين الأخضر
    https://elwatan.dz/developpement-de-lhydrogene-vert-en-algerie-previsions-de-production-surestimees-couts-excessifs-et-emissions-de-ges-inchangees/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  6. موقع PV Magazine France، دراسة حول تفاوت كلفة الإنتاج بين مناطق الشمال والداخل الجزائري
    https://www.pv-magazine.fr/2025/02/20/en-algerie-la-production-dhydrogene-vert-pourrait-selever-a-155-e-kg-a-194-e-kg/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  7. موقع Algerie360، تقرير حول الإعلان المشترك الجزائري الألماني بشأن ممر SoutH2، يوليو 2026
    https://www.algerie360.com/lalgerie-et-lallemagne-signent-un-partenariat-strategique-voici-les-principaux-engagements/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة