منذ نهاية عام 2025، أوكل مجلس الوزراء الجزائري لشركة نفطال، المؤسسة العمومية للمحروقات، مهمة حصرية تشمل استيراد وإنتاج العجلات المطاطية ومشتقات الزيوت، في قرار وافق بموجبه على استيراد 500 ألف وحدة من إطارات الشاحنات والحافلات والمركبات السياحية، وفق ما أوردته منصة Ultra Algeria. ومنذ أيار/مايو 2026، أطلقت نفطال منصة رقمية للبيع المباشر للمواطنين، بالتزامن مع شراكة مع شركة كونتيننتال الألمانية عقب مناقصة دولية استقطبت 15 علامة تجارية عالمية. هذا التحول جاء بعد أزمة ندرة حادة عاشتها البلاد خلال 2024 و2025، حين تضاعفت الأسعار ثلاث مرات وأضرب ناقلو النقل العمومي في عدة ولايات احتجاجاً على غياب المعروض.
من طوابير التسجيل إلى حصة العجلتين لكل مواطن
بدأت الأزمة تظهر إلى العلن خلال خريف 2024، حين اشتكى أصحاب المركبات من استحالة العثور على إطارات جديدة بأسعار معقولة. ويُقدَّر الطلب السنوي على الإطارات في الجزائر بما بين 4 و5 ملايين وحدة، في بلد يفوق عدد مركباته 8 ملايين سيارة وشاحنة وحافلة، بحسب بيانات وزارة النقل التي نقلتها العربي الجديد. وفي خضم الجدل، حذّر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مما وصفه بـ”لوبيات الاستيراد”، فيما أرجع رئيس جمعية حماية المستهلكين ارتفاع الأسعار إلى المضاربة، معتبراً أن نقص الإطارات بات “مشكلة تتعلق بسلامة الطرق” في ظل تزايد الحوادث المرورية، وفق ما نقلته إرم بزنس.
استجابت السلطات في مرحلة أولى بحلول ترقيعية: استيراد طارئ لـ100 ألف عجلة، ثم فتح باب التسجيل عبر نفطال أمام المواطنين للحصول على “عجلتين” لكل سيارة كل ستة أشهر، وفق ما تداولته عدة مواقع إخبارية جزائرية ومغاربية. هذا النظام، القائم على حصص فردية لسلعة استهلاكية وليست استراتيجية، لم يُعالج جذر المشكلة بقدر ما نظّم طوابير الانتظار، تاركاً السؤال الأساسي مفتوحاً: من يقرر كمية الإطارات التي تدخل السوق، وبأي معيار؟
نفطال تتحول من موزّع إلى حارس وحيد للسوق
جاء قرار نهاية 2025 ليقلب طبيعة السوق جذرياً. فبدلاً من الاكتفاء بتنظيم التوزيع، منح مجلس الوزراء نفطال صفة المستورد والمنتج الحصري للعجلات ومشتقات الزيوت، بحيث أصبح المستوردون والتجار الخواص، وفق القرار نفسه، مجرد زبائن لدى المؤسسة العمومية بدل أن يكونوا فاعلين مستقلين في السلسلة. بهذا القرار، لم تعد الجزائر تكتفي بضبط كمية الإطارات الداخلة إلى السوق، بل غيّرت طبيعة اللاعب المسؤول عنها، من نسيج من المستوردين المتعددين إلى مؤسسة عمومية واحدة تحتكر السلسلة بأكملها.
الهدف المعلن هو إنهاء “التشتت والفوضى” التي ميّزت سوق الإطارات خلال السنوات الماضية، بحسب ما أورده موقع Ultra Algeria. غير أن هذا التمركز يطرح تناقضاً بنيوياً: كيف يمكن لسوق تُدار عبر لاعب وحيد أن تُقدَّم في الوقت نفسه على أنها أكثر انفتاحاً وتنافسية؟ المناقصة الدولية التي استقطبت 15 علامة عالمية توحي بتنويع في مصادر التوريد، لكن قرار الشراء النهائي والتسعير يبقيان بيد جهة واحدة تتحكم في كامل السلسلة، من الاستيراد إلى نقطة البيع الأخيرة.
منصة “المحطة”: الشراء المباشر في مواجهة السماسرة
على الجانب التقني، أطلقت نفطال في مايو 2026 منصة رقمية مخصصة للبيع الفوري، تتيح للمواطنين التسجيل المسبق وحجز الإطارات، مع وعد بالقضاء على طوابير الانتظار وقطع الطريق أمام السماسرة وتجار الأزمات، والشراء المباشر بالأسعار الرسمية دون زيادات عشوائية. التسليم يتم حصرياً عبر شبكة محطات نفطال المنتشرة وطنياً، ما يجعل المؤسسة نقطة العبور الوحيدة بين المستورد والمستهلك النهائي.
وبحسب تصريحات مسؤول في نفطال نقلتها منصة سهم ميديا، استوردت المؤسسة 700 ألف وحدة خلال خمسة أشهر، ضُخّ منها 500 ألف مباشرة في السوق عبر المنصة الرقمية، مع توقعات بتجفيف منابع الندرة نهائياً بحلول سبتمبر أو أكتوبر 2026 كأقصى تقدير. هذه الأرقام، الصادرة عن مصدر إعلامي متخصص واحد دون تأكيد مستقل من بيان رسمي لنفطال، تبقى بحاجة إلى تحقق إضافي، وإن كانت متسقة مع حجم الشراكة المعلنة مع كونتيننتال، التي ذُكر أنها تشمل نحو 1.5 مليون وحدة من إطارات الوزن الثقيل موجهة أساساً للناقلين المهنيين.
بوابة أخرى في وزارة التجارة: البرنامج التقديري تحت المجهر
بالتوازي مع منصة نفطال المخصصة للإطارات تحديداً، تدير وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات منصة رقمية منفصلة وأوسع نطاقاً، عبر الموقع import.mcepe.gov.dz، مخصصة لإيداع “البرامج التقديرية” لصالح المتعاملين الاقتصاديين الناشطين في الاستيراد الموجه لإعادة البيع على الحالة، أي النشاط المصنف تحت الرمز رقم 4. فتحت الوزارة باب التسجيل حتى 30 أفريل 2026، بحسب بيان نقلته وكالة الأنباء الجزائرية، في خطوة قدّمتها الوزارة كجزء من مسعى لتعزيز الشفافية وتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص التعاملات الورقية.
ودخل في فاتح يوليو 2026 “رواق أخضر” مخصص للمؤسسات العمومية المستفيدة من رخص خاصة، يتيح لها التأشير المبسط على برامجها التقديرية، وفق ما أوردته الشروق أونلاين. هذه المنصة، بخلاف منصة نفطال الموجهة للبيع المباشر للمستهلك، تستهدف تنظيم دخول السلع والمواد الأولية للاقتصاد ككل، وتمثل الاختبار الأوسع لقدرة الرقمنة على تحسين حوكمة التجارة الخارجية الجزائرية.
الرقمنة تُنظّم الوصول، لكنها لا تحرر السوق بالضرورة
رغم الخطاب الرسمي حول الشفافية، يوجّه عدد من المتعاملين الاقتصاديين انتقادات لنظام البرنامج التقديري، معتبرين أنه يزيد من جمود التجارة الخارجية ويقيّد مرونتها، خصوصاً في ظرف دولي متقلب تحتاج فيه المؤسسات إلى هامش أوسع للتكيف، بحسب ما نقلته Ultra Algeria عن فاعلين في القطاع. بعبارة أخرى، الرقمنة هنا لا تلغي الرقابة الإدارية المسبقة على من يستورد وماذا وبأي كمية، بل تنقل هذه الرقابة من مكتب موظف إلى واجهة إلكترونية، مع الاحتفاظ بجوهر آلية الترخيص المسبق.
خبراء اقتصاديون استُشيروا بمناسبة إنشاء هيئتين متخصصتين سابقتين في الاستيراد والتصدير حذّروا بدورهم من تكرار تجربة وكالة “ألجكس” لترقية التجارة الخارجية، التي لم تحقق الأهداف المرجوة منها، ما لم تُحدَّد صلاحيات الهيئات والمنصات الجديدة بنصوص قانونية وتنظيمية دقيقة، وفق تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية. هذا التحذير ينطبق بدرجة مماثلة على منصتي نفطال والوزارة: الأداة الرقمية تسرّع معالجة الملفات وتقلل الاحتكاك المباشر بالإدارة، لكنها لا تُغيّر من تلقاء نفسها من يملك سلطة القرار النهائي بشأن حجم الواردات وتوزيعها.
يبقى الفارق الجوهري بين الحالتين أن منصة نفطال تعالج ندرة ملموسة يشعر بها المواطن يومياً في السعر والتوفر، بينما تعالج منصة وزارة التجارة بنية أوسع لتنظيم الاستيراد الموجه لإعادة البيع، بمنطق أقرب إلى ضبط فاتورة الاستيراد الإجمالية للحفاظ على احتياطي الصرف. كلا المسارين يخضع لسياسة تقييد الواردات التي تبنّتها الجزائر منذ سنوات لحماية الدينار، في وقت خصّص فيه قانون المالية لسنة 2026 نحو 25 مليار دولار لميزانية الدفاع، أي ما يقارب 20 بالمئة من إجمالي الإنفاق العام.
بين الأزمة الملموسة للمواطن الباحث عن إطارات بسعر معقول، والإصلاح الإداري الأوسع الذي تقوده وزارة التجارة الخارجية، يتقاطع الملفان في سؤال واحد: هل تنجح الرقمنة في تفكيك حلقة الندرة المصطنعة التي غذّتها سنوات من القيود الإدارية، أم ستُعيد إنتاج المنطق نفسه بأدوات أحدث؟ الأشهر المقبلة، وتحديداً موعد سبتمبر وأكتوبر 2026 الذي حددته نفطال لإنهاء أزمة الإطارات، ستكون المؤشر الأول على الإجابة.
المصادر
- العربي الجديد – “الجزائر… أزمة الإطارات الصامتة تخرج إلى العلن والدولة تتدخل”
https://www.alaraby.co.uk/economy/الجزائر-أزمة-الإطارات-الصامتة-تخرج-إلى-العلن-والدولة-تتدخل – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - إرم بزنس – “الجزائر تواجه ندرة بإطارات السيارات والرئيس يحذّر «لوبيات الاستيراد»”
https://www.erembusiness.com/economy/0a0udmt – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - Ultra Algeria – “أزمة السيارات.. الحكومة تُوافق على استيراد 500 ألف وحدة من عجلات المركبات”
https://ultraalgeria.ultrasawt.com/أزمة-السيارات-الحكومة-تُوافق-على-استيراد-500-ألف-وحدة-من-عجلات-المركبات/فريق-التحرير/أخبار – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - وكالة الأنباء الجزائرية (واج) – “فتح منصة التسجيل الرقمية أمام المستوردين الجزائريين لإيداع البرامج التقديرية”
https://www.aps.dz/economie/commerce-et-service – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - الشروق أونلاين – “رواق أخضر ومنصة رقمية.. هذه كيفيات استيراد المؤسسات العمومية”
https://www.echoroukonline.com/رواق-أخضر-ومنصى-رقمية-هذه-كيفيات-استير – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - Ultra Algeria – “قيود الاستيراد في زمن الأزمات.. ضرورة استراتيجية أم عبء اقتصادي على الجزائر؟”
https://ultraalgeria.ultrasawt.com/قيود-الاستيراد-في-زمن-الأزمات-ضرورة-استراتيجية-أم-عبء-اقتصادي-على-الجزائر – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026 - وكالة الأنباء الجزائرية (واج) – “قرار رئيس الجمهورية بإنشاء هيئتين مختصتين في الاستيراد والتصدير سيمنح شفافية وانسيابية للتجارة الخارجية”
https://www.aps.dz/ar/economie/178426-2025-04-14-13-54-12 – تاريخ الاطلاع: 16 يوليو 2026
يوسف عبد الله



