منذ انتشار مولدات الصور بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، بدأ باحثون ومطورون عرب يوثقون خللاً متكرراً: كلما كان الطلب مصاغاً بالعربية أو متعلقاً بمعلم أو زي أو حرفة من المنطقة، ازدادت احتمالات الخطأ أو التشويه. الظاهرة ليست عيباً تقنياً عابراً، بل نتيجة مباشرة لتركيبة قواعد البيانات الضخمة التي تُدرَّب عليها هذه النماذج، وهي قواعد جُمعت أساساً من الإنترنت الناطق بالإنجليزية. فهم هذه الآلية بات ضرورياً لكل من يعمل على توثيق التراث العربي أو تدريسه أو حمايته رقمياً.
حين يطلب مستخدم عربي مسجداً فيحصل على مئذنة مشوهة
عند صياغة طلب مثل “مسجد تاريخي في القاهرة” بالعربية عبر أدوات توليد الصور، تميل النماذج أحياناً إلى إنتاج صورة للمسجد الأقصى أو لبناء ذي طابع غربي بمآذن مشوهة الشكل، بسبب ندرة الصور الموسومة بأوصاف عربية دقيقة، بحسب تحليل نشره موقع متخصص في الشؤون التقنية. المشكلة تتكرر مع الكتابة العربية داخل الصور، إذ تُنتج النماذج غالباً حروفاً مشوهة أو مقلوبة لأنها تدربت على خطوط لاتينية بشكل أساسي. الدراسة ذاتها ترصد أيضاً ميلاً إلى إنتاج صور نمطية عند وصف “امرأة عربية ناجحة”، تظهر غالباً بزي تقليدي داخل المنزل بدل تنوع مهني يعكس واقعها الفعلي. هذا الخلل يجبر كثيراً من المصممين والطلاب العرب على كتابة أوصافهم بالإنجليزية أولاً، ما يُفقد الطلب دقته الثقافية منذ الخطوة الأولى.
أقل من واحد بالمئة: نصيب العربية من مليارات الصور التي تتعلم منها الآلة
الجزء الأكبر من نماذج تحويل النص إلى صورة يتدرب على مجموعات بيانات ضخمة مثل LAION-5B وDataComp وCommonPool، تعتمد شبه كلياً على صور موسومة بالإنجليزية. تشير تقديرات مستقاة من Common Crawl وW3Techs للفترة 2024-2025 إلى أن نسبة النصوص العربية في هذه المجموعات لا تتجاوز 0.3 إلى 0.8 بالمئة. دراسة أكاديمية حديثة خصصت لتشخيص التحيز في نماذج تحويل النص إلى صورة وجدت أن مجموعة LAION-5B، رغم احتوائها 5.85 مليار زوج من الصور والنصوص، تبقى غير متوازنة ثقافياً: 12.7 بالمئة فقط من العناصر الثقافية غير الغربية تظهر فيها خمس مرات على الأقل، مقابل 89 بالمئة للعناصر الغربية. وبحسب مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لا تتجاوز نسبة المحتوى العربي على الإنترنت عموماً 3 بالمئة، ويُرجع المركز ذلك إلى ضعف الاستثمار في المحتوى الرقمي العربي وإلى جودة ترجمة غير احترافية تقلل من فائدة جزء كبير من هذا المحتوى للنماذج نفسها.
باحثون يفضحون التحيز الجمالي… ومؤسسات تحاول سد الفجوة
دراسة نُشرت في وقائع مؤتمر ACM للعدالة والمساءلة والشفافية لعام 2026 دقّقت في نموذج تقييم الجمال المعروف باسم LAION Aesthetics Predictor، المستخدم لتصفية مليارات الصور قبل إدخالها في التدريب. طبّق الباحثون النموذج على 249,351 صورة من مجموعة متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك، فوجدوا أن الأقسام الأعلى تقييماً جاءت بمعظمها من الفن الأوروبي والآسيوي والأميركي، في حين لم تحصل أي قطعة من أقسام الفن الإسلامي أو الأفريقي أو فن غرب آسيا القديم على أعلى درجة. قسم “الفن الإسلامي” في متروبوليتان يضم تحديداً جزءاً كبيراً مما يمكن اعتباره تراثاً عربياً حرفياً، من الخزف والمعادن المطعّمة إلى السجاد والمنسوجات، وهو ما يعني أن هذه الحرف بالذات صُنّفت “أقل جمالاً” وفق مقياس تشرّب أساساً تفضيلات تاريخ الفن الغربي.
في المقابل، تعمل عدة مؤسسات على مسار مضاد. أطلقت اليونسكو، بدعم من وزارة الثقافة السعودية، مشروع “الغوص في التراث”، الذي دخل مرحلته الأولى بين عامي 2022 و2024 مستهدفاً منطقة الدول العربية عبر توثيق مواقع التراث العالمي بتقنيات المسح الضوئي ثلاثي الأبعاد والواقع الافتراضي والمعزز. كما اختارت اليونسكو، بالشراكة مع مؤسسة سلطان بن عبدالعزيز آل سعود الخيرية، شعار “اللغة العربية والذكاء الاصطناعي: تعزيز الابتكار مع الحفاظ على التراث الثقافي” لاحتفالية اليوم العالمي للغة العربية في باريس في ديسمبر 2024. وفي السياق ذاته، تبنّت السعودية عام 2026 “عام الذكاء الاصطناعي”، وأطلقت مبادرة “مُزن” لمعالجة البيانات والخوارزميات باللغة العربية بهدف تحويلها من وسيلة تواصل إلى محرك ابتكار يخدم الجهات الثقافية والوطنية.
ماذا يعني هذا التحيز للتراث العربي: البحث والتعليم وحماية الآثار
بالنسبة إلى الباحثين، تعني هذه الفجوة أن أي أداة ذكاء اصطناعي تُستخدم لتصنيف الصور الأثرية أو تحليل الطرز المعمارية تحمل احتمال خطأ أكبر كلما تعلق الأمر بموروث عربي أو إسلامي، مقارنة بموروث أوروبي موثق بكثافة أكبر في القواعد نفسها. في مجال التعليم، يعني الأمر أن الوسائل البصرية المولّدة آلياً لشرح العمارة الإسلامية أو الأزياء التقليدية أو الحرف اليدوية للطلاب قد تنقل تمثيلات مشوهة دون أن يلاحظ المستخدم ذلك، خصوصاً في غياب مرجعية بصرية مسبقة لديه. أما في حماية التراث وترميمه، فإن الاعتماد المتزايد على النمذجة الرقمية والمسح الضوئي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، كما هو الحال في مشروع “الغوص في التراث” نفسه، يجعل جودة البيانات المصدرية عاملاً حاسماً: موقع أو قطعة أثرية موثقة رقمياً بشكل ضعيف اليوم يصعب استعادتها لاحقاً بدقة، حتى لو تطورت الخوارزميات نفسها مستقبلاً. الفجوة إذن ليست مسألة تقنية بحتة قابلة للحل بترقية برمجية واحدة، بل مسألة سيادة على البيانات: من يملك الصور والمخطوطات والنصوص الأصلية، ومن يوسمها ويصنفها، هو من يرسم ملامح الذاكرة الرقمية للتراث العربي خلال العقود المقبلة.
ما الذي يمكن أن يتغير في السنوات المقبلة
المرحلة المقبلة من مشروع “الغوص في التراث”، المقرر أن تتوسع بعد استكمال مرحلته الأولى، ستحدد ما إذا كانت وتيرة توثيق التراث العربي رقمياً قادرة على مجاراة سرعة تطور النماذج التي تتعلم من هذه البيانات ذاتها. في موازاة ذلك، تبقى مبادرات مثل “مُزن” السعودية ومراكز أبحاث مثل مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في طور بناء مجموعات بيانات عربية موسومة بعناية، وهي عملية تستغرق عادة سنوات قبل أن تنعكس فعلياً على دقة النماذج التجارية المنتشرة عالمياً. الباحثون الذين دققوا في تحيز نماذج تقييم الجمال يدعون من جهتهم إلى تعميم منهجيات تدقيق مماثلة على مجموعات بيانات أخرى، لمعرفة ما إذا كان النمط نفسه يتكرر في نماذج توليد الصور الأكثر استخداماً تجارياً.
في المحصلة، تبقى الفجوة بين حجم التراث العربي الفعلي وحجم حضوره الرقمي في قواعد بيانات الذكاء الاصطناعي أكبر من أن تُسد بمبادرة واحدة. وتيرة إغلاق هذه الفجوة، بحسب المشاريع المعلنة حتى الآن، ستحدد إلى أي مدى ستكون الصورة التي “تراها” الآلة عن العمارة والحرف والأزياء والفنون العربية مطابقة لواقعها الفعلي خلال العقد المقبل. المشاريع القائمة حالياً تغطي جزءاً محدوداً فقط من المواقع والمقتنيات العربية.
المصادر
- مركز التراث العالمي التابع لليونسكو – صفحة مشروع “الغوص في التراث” (Dive into Heritage)
https://whc.unesco.org/en/dive-into-heritage – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026 - arXiv – “Deconstructing Bias: A Multifaceted Framework for Diagnosing Cultural and Compositional Inequities in Text-to-Image Generative Models”
https://arxiv.org/pdf/2505.01430 – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026 - وقائع مؤتمر ACM للعدالة والمساءلة والشفافية 2026 – “The Algorithmic Gaze of Image Quality Assessment: An Audit and Trace Ethnography of the LAION-Aesthetics Predictor”
https://dl.acm.org/doi/10.1145/3805689.3806462 – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026 - مركز محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) – “الذكاء الاصطناعي واللغة العربية: فرصة لتعزيز الهوية الثقافية”
https://mbzuai.ac.ae/ar/news/الذكاء-الاصطناعي-واللغة-العربية/ – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026 - وكالة الأنباء السعودية (واس) – “اللغة العربية والذكاء الاصطناعي: تعزيز الابتكار مع الحفاظ على التراث الثقافي”
https://www.spa.gov.sa/N2205032 – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026 - صحيفة الشرق الأوسط – “مبادرة لمعالجة البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بـ«لغة الضاد»”
https://aawsat.com/يوميات-الشرق/5272429 – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026 - الركن الرقمي (مصدر متخصص) – “مشكلة الذكاء الاصطناعي للصور مع اللغة العربية: التحديات والحلول في 2026”
https://roknraqmi.com/ai/ai-images-problem-with-arabic-language/ – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026
سارة خليل



