الرئيسيةالثقافة والفنونالموسيقىما الذي تكشفه موسيقى مونديال 2026 عن الهوية الوطنية والهجرة؟

ما الذي تكشفه موسيقى مونديال 2026 عن الهوية الوطنية والهجرة؟

لم يعد صوت كأس العالم 2026 مقتصرًا على صافرة الحكم أو هتافات المدرجات، بل تحول إلى قوائم أغانٍ مصممة بعناية لكل منتخب، من الأنشودة الرسمية إلى الإنتاجات التي تصنعها الجاليات المهاجرة بعيدًا عن الملاعب. وبينما تسعى الاتحادات إلى صياغة صورة وطنية موحدة عبر الموسيقى، تكشف هذه الاختيارات عن روابط أعمق بالهجرة والذاكرة الجماعية والثقافة الشعبية.

تستضيف الولايات المتحدة وكندا والمكسيك النسخة الحالية من كأس العالم، التي انطلقت في 11 يونيو 2026 وتقترب من نهايتها في 19 يوليو، بمشاركة 48 منتخبًا للمرة الأولى في تاريخ البطولة. ومنذ مباراة الافتتاح التي جمعت المكسيك بجنوب أفريقيا، رافقت الموسيقى كل التفاصيل الميدانية للحدث، من لحظة دخول اللاعبين إلى الملعب وصولًا إلى احتفالات الأهداف، مرورًا بالأنشودة الرسمية وقوائم تشغيل خاصة بكل منتخب. وبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، صُممت هذه القوائم بالتعاون مع الاتحادات المحلية لتعكس الهوية الموسيقية الفعلية لكل جمهور، لا صورة نمطية مفروضة من الخارج.

من “سيريوس” إلى “داي داي”: هندسة الصوت الرسمية للمونديال

اختارت فيفا مقطوعة “سيريوس” للفرقة البريطانية “ذي ألان بارسونز بروجكت”، وهي قطعة موسيقية آلية صدرت عام 1982 ضمن ألبوم “آي إن ذا سكاي”، لتكون موسيقى دخول اللاعبين في كل مباراة منذ افتتاح البطولة. اللافت أن هذه المقطوعة ليست جديدة على عالم الرياضة، إذ تحولت في الثمانينيات إلى النشيد الأشهر لدخول لاعبي فريق شيكاغو بولز في دوري كرة السلة الأمريكي، قبل أن تتبناها فرق أخرى في أمريكا الشمالية. أما النشيد الرسمي للبطولة، “داي داي”، فأدته شاكيرا برفقة الفنان النيجيري بورنا بوي ضمن الألبوم الموسيقي الرسمي لمونديال 2026.

وبموازاة هذا الإطار العام، عملت فيفا مع الاتحادات المشاركة على بناء قوائم تشغيل خاصة بكل منتخب، اعتمادًا على الأغاني التي أثبتت ارتباطها الفعلي بجمهور الأندية المحلية، إلى جانب أغانٍ تختارها المنتخبات نفسها للإحماء واحتفالات الأهداف. هكذا ظهرت أغنية “تروفيه” لصالح فرنسا بأداء إم بوكورا وفرقة إل تو بي، و”بلاك ستارز تشير سونغ” لغانا، و”إيران بوزورغ” لإيران، ونشيد “كيرا” لليابان بصوت الفنانة آدو ضمن حملة مرتبطة بالجهة الراعية لملابس المنتخب.

عندما تسبق الجالية الاتحاد: تجربة الجزائر الموسيقية

في المقابل، سلكت موسيقى المنتخب الجزائري مسارًا مختلفًا، إذ جاء معظمها من خارج القنوات الرسمية. فمع اقتراب البطولة، أصدر فنانون من الجالية الجزائرية في أوروبا سلسلة من الأغاني المكرسة للفريق، مزجت بين الراي والراب والإيقاعات الحضرية الحديثة. من بينها “قسمًا تخلع” لبلال ميلانو وميتو، المستوحاة من الألوان الوطنية، و”واي” لنذير بن، المبنية على الهتاف التاريخي “وان تو ثري فيفا الجزائر” الذي رددته المدرجات منذ ثمانينيات القرن الماضي. وفي السياق ذاته، انتشرت أغنية “ديمينتا” على نطاق واسع، بمزيج من الكلمات الإسبانية والعربية يبشر بالفوز على الأرجنتين قبل مواجهة المجموعة “جيم”، في مؤشر على تداخل الفضاءات الرقمية بين الجزائريين والمتحدثين بالإسبانية.

وما تكشفه هذه الظاهرة يتجاوز حدود الأغنية الواحدة: فالموسيقى هنا لا تكتفي بمرافقة اللعبة، بل تعيد كتابة العلاقة بين الوطن والمهجر على وقع إنتاج جماعي لا تصنعه المؤسسة الرسمية. ويربط هذا الإنتاج الحالي بجيل سابق من الأغاني الرياضية، من “مبروك علينا” لرابح درياسة في الثمانينيات إلى “جيبوها يا لوليد”، في استمرارية تنقل حماس المدرجات من جيل إلى آخر عبر أدوات كل عصر.

بدلة بنقشة الفهد: كيف روت الكونغو الديمقراطية ذاكرتها بلا أغنية واحدة

لم تقتصر صناعة الصورة الوطنية على الموسيقى وحدها. فعند وصول منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى مطار هيوستن في 11 يونيو، لفت اللاعبون الأنظار ببدلات سوداء أنيقة تزينها نقشة فهد غير متماثلة على الكتف، مستوحاة من “السّاب”، الثقافة الفرعية الكونغولية المعروفة بأناقتها المفرطة. وأوضح مصمم الأزياء أن الإطلالة كانت تحية لمنتخب زائير عام 1974، أول فريق من أفريقيا جنوب الصحراء يتأهل لنهائيات كأس العالم، في وقت يعود فيه “الفهود” إلى البطولة بعد غياب 52 عامًا. ويعمل المصمم نفسه مع فنانين من الجالية الفرنكوفونية الكونغولية، ما يجعل هذا الاختيار امتدادًا للشبكة الثقافية ذاتها التي تنتج الأغاني في حالات أخرى.

الشتات كمنتج للرموز الوطنية

تكرر النمط ذاته لدى منتخبات أخرى ذات امتداد مهاجر واسع. فالمكسيك اعتمدت أغنية “أون سولو كورازون” لمجموعة فرونتيرا، بإنتاج مشترك مع الاتحاد المكسيكي ومنصة أمازون ميوزيك، وهي أغنية تستلهم إيقاعي النورتينيو والكومبيا، المرتبطين تاريخيًا بمجتمعات المهاجرين المكسيكيين على طول الحدود مع الولايات المتحدة. أما هايتي، العائدة إلى المونديال بعد عقود من الغياب، فاختارت “سيت إت أوف”، وهي أغنية تمزج الراب بإيقاع الكونبا تكريمًا للجالية الهايتية في الخارج. وفي حالة الرأس الأخضر، جاءت “نوس أورا جا تشيغا” عملًا جماعيًا لفنانين من الأرخبيل، احتفاءً بلقب “توباراو أزول” الذي يحمله المنتخب.

وما يجمع هذه الأمثلة المتفرقة هو أن الجاليات لم تعد مجرد متلقٍ لصورة وطنية جاهزة، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في صياغتها، غالبًا بلغة هجينة تعكس الحياة اليومية للمهاجر بين ثقافتين. ويعيد الملعب، في هذا السياق، تفعيل ذاكرة جماعية سابقة، كما في حالة الكونغو الديمقراطية، أو يبتكر رموزًا جديدة تتحرك أسرع من الاتحادات الرسمية نفسها، كما في حالة الجزائر.

وبينما تتجه البطولة نحو مرحلتها الحاسمة، لم يمنع خروج الجزائر من دور الـ32 أمام سويسرا استمرار تداول أغاني الجالية على منصات التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى أن الحياة الثقافية لهذه الإنتاجات لا ترتبط بالضرورة بنتيجة المباراة، بل بما تختزنه من معنى جماعي أعمق. وتخطط فيفا، بحسب تصريحاتها، لتعميم منهجية القوائم الموسيقية المصممة خصيصًا لكل منتخب في النسخ المقبلة من البطولة.


المصادر

  1. فيفا – “من السماعات إلى الملعب: كيف غيّرت قوائم التشغيل طريقة عيش مباريات كأس العالم 2026
    https://inside.fifa.com/fr/organisation/news/coupe-monde-2026-musique-playlists-sweet-caroline-hey-jude-beatles – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026
  2. صحيفة لا ديه أش (بلجيكا) – تقرير حول أغنية “سيريوس” كموسيقى دخول اللاعبين
    https://www.dhnet.be/medias/musique/2026/06/15/coupe-du-monde-2026-quelle-est-cette-musique-qui-accompagne-chaque-entree-des-joueurs-sur-le-terrain-lors-des-matches-DZJKV26BSFAQRLXIM3MPVDLOCA/ – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026
  3. موقع “موند إيبدو” – جولة على الأناشيد الرسمية لمنتخبات مونديال 2026
    https://www.mondehebdo.com/sport/football/coupe-du-monde-2026-les-hymnes-musicaux-qui-font-vibrer-le-mondial – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026
  4. موقع “دي زد ديا” الجزائري – قائمة الأغاني الجزائرية المهداة للمنتخب خلال المونديال
    https://dzdia.com/culture/playlist-des-chansons-dz-incontournables-de-la-coupe-du-monde-2026/ – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026
  5. صحيفة لا ديه أش – تقرير حول بدلات منتخب الكونغو الديمقراطية بنقشة الفهد
    https://www.dhnet.be/lifestyle/beaute-mode/2026/06/15/coupe-du-monde-2026-pourquoi-lequipe-nationale-de-la-republique-democratique-du-congo-a-fait-sensation-en-arrivant-aux-etats-unis-M4VZPLU5MNG45JAS43DMPVJSF4/ – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026
  6. فيفا – مركز المباريات، نتائج مجموعة “جيم” ومسار الجزائر في المونديال
    https://www.fifa.com/fr/tournaments/mens/worldcup/canadamexicousa2026/articles/calendrier-resultats-algerie-coupe-du-monde-2026 – تم الاطلاع عليه في 17 يوليو 2026

هيئة التحرير

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحريرhttps://alahrar.net/
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة