بلغت الحرارة القصوى في عدة ولايات جزائرية ما بين أربع وأربعين وتسع وأربعين درجة مئوية خلال منتصف يوليو، وفق نشرات الديوان الوطني للأرصاد الجوية، فيما امتدت التحذيرات لتشمل بجاية وجيجل وسكيكدة وعنابة والطارف إلى جانب ولايات داخلية وجنوبية أخرى. وفي بغداد، تجاوز الطلب على الكهرباء في ذروة الصيف خمسة وخمسين ألف ميغاواط مقابل إنتاج فعلي لا يتعدى تسعة وعشرين ألفا، وفق بيانات نشرتها منصة متخصصة في شؤون الطاقة. بين المدينتين، وبين مدن عربية أخرى من القاهرة إلى الدوحة، يتكرر السيناريو نفسه: الأحياء الفقيرة تسخن أكثر من محيطها، وتتحمل العبء الأثقل من موجات الحر المتكررة.
الإسفلت والخرسانة يحولان الأحياء المكتظة إلى أفران صيفية
يطلق العلماء على هذا التفاوت اسم ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية، وهي المصطلح الذي يصف أي منطقة ترتفع حرارتها عن محيطها بفعل التدخل البشري. وبحسب دراسة أجراها مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية، فإن حرارة سطح المدن قد تفوق نظيرتها في الأرياف المحيطة بما بين عشر وخمس عشرة درجة مئوية. يكمن السبب الرئيسي في مواد البناء نفسها: الإسفلت والخرسانة الداكنة يمتصان الإشعاع الشمسي نهارا ويعيدان بثه ليلا، فيما تحول كثافة المباني المتلاصقة دون تسرب الهواء بين الأزقة الضيقة، وتغيب المساحات الخضراء القادرة على خفض الحرارة عبر التظليل والتبخر النباتي.
بغداد والقاهرة: عزل غائب وكهرباء متقطعة تضاعفان المعاناة
يدخل قطاع الكهرباء في العراق صيف 2026 في ما وصفه خبراء طاقة بأسوأ سيناريو منذ سنوات، إذ تصل الفجوة بين الإنتاج والطلب في أوقات الذروة إلى نحو أربعين في المئة، وفق تقرير نشرته وكالة صحافية مستقلة. النتيجة انقطاعات يومية طويلة تعوَّض جزئيا بمولدات الأحياء، فيما تبقى الأسر الأقل قدرة على تحمل تكلفة التبريد البديل الأشد تضررا من ساعات الظلام. في مصر، تعهدت وزارة الكهرباء بصيف بلا انقطاعات بعد أزمة حادة شهدتها البلاد بين عامي 2023 و2024 بلغت خلالها الأحمال أكثر من ثمانية وثلاثين ألف ميغاواط. وفي القاهرة الكبرى، التي انتقل عدد سكانها من نحو خمسة ملايين وسبعمئة ألف نسمة عام 1970 إلى ما يتوقع أن يتجاوز أربعة عشر مليونا، وفق تقرير أممي لآفاق التحضر العالمي، تفتقر غالبية مساكن الأحياء غير الرسمية إلى الطلاء أو التلييس أو أي شكل من أشكال العزل الحراري، بحسب دراسة نشرتها دورية علمية متخصصة في الاستدامة، ما يجعل جدرانها وأسقفها الإسمنتية ناقلا مباشرا للحرارة إلى داخل المنازل. ويرتبط هذا النمو العمراني المتسارع، بحسب الدراسة نفسها، بتوسع عشوائي طغى على أي تخطيط مسبق للمساحات الخضراء أو ممرات التهوية بين المباني. فالفارق بين حي وآخر لا يُقاس بالحرارة وحدها، بل بقدرة سكانه على شراء وسيلة للهروب منها.
من الأشجار في الأحياء الراقية إلى الإسمنت العاري في الأحياء الشعبية
تؤكد دراسات خليجية حديثة، من بينها بحث أجري على منطقة مسار اللؤلؤ التراثية في المحرق بالبحرين، وجود فوارق واضحة في شدة الجزر الحرارية باختلاف طبيعة المباني والمواد المستخدمة، وفق ما نقلته صحيفة محلية بحرينية. وتشير أبحاث موازية في الرياض ودبي والدوحة إلى ارتفاع درجات الحرارة بين أربع وثماني درجات مئوية في المناطق الحضرية الكثيفة مقارنة بمحيطها، فيما تراجعت المساحات الخضراء لصالح الأسطح الخرسانية. وتؤكد نماذج المحاكاة أن رفع نسبة التشجير بين عشرة وخمسة عشر في المئة يمكن أن يخفض الحرارة محليا بشكل ملموس، وهو ما تفتقر إليه غالبية الأحياء الفقيرة التي نشأت خارج التخطيط الرسمي ودون حدائق أو ممرات مظللة.
من العاصمة إلى شواطئ باب الوادي: هروب جماعي لا يطال الجميع بالتساوي
دفعت موجة الحر التي ضربت الجزائر خلال الأسبوع الثاني من يوليو آلاف السكان إلى شواطئ العاصمة والمدن الساحلية هربا من حرارة تجاوزت الأربعين درجة، وفق ما نقلته إذاعة فرنسية ناطقة بالعربية. غير أن هذا الفرار الجماعي لم يشمل الجميع بالتساوي؛ فبينما توجهت عائلات إلى الحدائق والشواطئ، بقي كبار السن والأسر التي لا تملك وسائل تبريد كافية في مواجهة الحرارة داخل منازل يصعب تهويتها، وسط ضغط متزايد على الشبكة الكهربائية. ونظم الهلال الأحمر الجزائري، بالتعاون مع مستشفى مصطفى باشا، حملة توعية من مخاطر ضربات الشمس تستهدف تحديدا الفئات الأكثر عرضة لتلك المخاطر. المشهد نفسه يتكرر كل صيف في مدن جزائرية أخرى، حيث تتفاوت القدرة على الهروب من الحر بقدر تفاوت الدخل والسكن.
الحرارة قضية تخطيط عمراني قبل أن تكون قدرا مناخيا
تتقاطع هذه المشاهد المتفرقة من الجزائر إلى بغداد مع خلاصة تتكرر في الأدبيات العلمية الحديثة حول ما يعرف بالعدالة الحرارية: توزيع غير متكافئ للمساحات الخضراء والعزل والتبريد يعيد إنتاج فوارق اجتماعية قائمة أصلا، لا فوارق مناخية عشوائية. أظهرت مراجعات علمية حديثة أن الفئات الأقل دخلا في مدن حول العالم تتحمل عبئا حراريا أكبر بسبب ضعف وصولها إلى الغطاء النباتي ومساحات الظل، وهو نمط تؤكد دراسات محلية في القاهرة وبغداد ومدن الخليج أنه ينسحب على المدن العربية أيضا.
مبادرات إقليمية محدودة أمام اتساع رقعة الأحياء غير المخططة
أطلقت منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، عبر شراكة “المدن الأكثر اخضرارا” مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، مشاريع تبريد جماعي في تونس والمغرب تساعد السكان على مواجهة الحرارة القصوى مع خفض استهلاك الطاقة في المناطق الحضرية الكثيفة. غير أن نطاق هذه المشاريع يبقى محدودا أمام اتساع الأحياء غير الرسمية في مدن مثل القاهرة وبغداد والجزائر العاصمة، حيث يفوق نمو السكن العشوائي وتيرة أي استثمار في التشجير أو العزل الحراري أو شبكات الكهرباء.
تبقى موجات الحر التي ضربت المنطقة خلال يوليو 2026 اختبارا سنويا متكررا لشبكات الكهرباء والتخطيط العمراني في آن واحد. ومع توقع الأرصاد الجوية الجزائرية استمرار الأجواء شديدة الحرارة حتى نهاية الأسبوع في عدة ولايات، يبقى السؤال المطروح أمام حكومات المنطقة هو مدى استعداد سياسات التخطيط الحضري لمعالجة فجوة تتسع كل صيف بين من يملك الظل ومن لا يملكه.
المصادر
- التلفزيون العربي – “الأنشطة البشرية تهدد الاقتصاد والبيئة.. ما هي الجزر الحرارية الحضرية؟” (نقلا عن مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية)
https://www.alaraby.com/news/الأنشطة-البشرية-تهدد-الاقتصاد-والبيئة-ما-هي-الجزر-الحرارية-الحضرية – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026 - Sustainability (MDPI) – “Heat Stress Adaptation within Informal, Low-Income Urban Settlements in Africa”
https://www.mdpi.com/2071-1050/14/13/8182 – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026 - وكالة الصحافة المستقلة – “أزمة الكهرباء في العراق صيف 2026.. لماذا يواجه الشارع أسوأ سيناريو منذ سنوات؟”
https://mustaqila.com/iraq-electricity-crisis-summer-2026/ – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026 - RT Arabic – “مصر.. ما مصير تخفيف أحمال الكهرباء خلال صيف 2026؟”
https://arabic.rt.com/business/1758460 – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026 - أخبار الخليج – “الجزر الحرارية الحضرية.. مدن تزداد سخونة”
https://akhbar-alkhaleej.com/news/article/1442360 – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026 - إذاعة الشرق (Radio Orient) – “موجة حر خانقة تضرب الجزائر.. آلاف السكان يهربون إلى الشواطئ”
https://www.arabic.radioorient.com/موجة-حر-خانقة-تضرب-الجزائر-آلاف-السكان – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026 - برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) – “Greener Cities Partnership”
https://unhabitat.org/greener-cities-partnership – اطُّلع عليه في 16 يوليو 2026
يوسف عبد الله



