أكتب عن يوسف زيرام من موقعين يلتقيان: موقع القارئ الذي تابع كتبه ووجد فيها وجهاً من وجوه الجزائر العميقة، وموقع من عرف الرجل عن قرب واكتشف أن القيم التي يدافع عنها في رواياته ومقالاته تشبهه فعلاً. في حياته اليومية، كما في كتابته، هناك سخاء واضح، وطيبة لا تحتاج إلى إعلان، واستعداد دائم للإنصات إلى الآخرين. يعرف ذلك أصدقاؤه وكل من اقترب منه، ولذلك يحظى بمحبة واحترام يتجاوزان حدود الوسط الأدبي.
لا أقول هذا من باب المجاملة. فقد امتلأ المشهد الثقافي، في الجزائر وفرنسا معاً، بخطابات إنسانية منمقة لا تصمد طويلاً أمام اختبار الحياة. يوسف زيرام من الحالات النادرة التي يظل فيها الإنسان منسجماً مع ما يكتبه. حين يتحدث عن الحرية، تشعر أن الكلمة كلّفته شيئاً. وحين يكتب عن الحب أو الوفاء أو التضامن، لا تبدو هذه القيم مستعارة من قاموس أدبي رائج. إنها جزء من تكوينه ومن نظرته إلى البشر.
ربما لهذا السبب يصعب اختزاله في صفة واحدة. هو روائي وشاعر وصحفي وكاتب مقالة وباحث في التاريخ، غير أن هذه التسميات لا تقول كل شيء. خلفها يقف مثقف جزائري مستقل، يحمل بلده معه منذ أن غادره، ويرفض أن يكتب عنه بالصورة التي ترضي السلطة في الجزائر أو المؤسسات الثقافية المهيمنة في باريس.
الكتابة ميراث عائلي
وُلد يوسف زيرام في أكفادو، في منطقة القبائل، داخل عائلة عرفت قيمة التعليم والكتاب. جاء من بيت للثقافة فيه مكان طبيعي، وبين أفراد أسرته كتّاب وصحفيون ومشتغلون بالشأن الثقافي. ومنهم شقيقاه محند شريف زيرام وخالد زيرام؛ ارتبط الأول بالكتابة في أجناس ولغات متعددة، بينما عُرف الثاني بحضوره في النشاط الثقافي وتنشيط اللقاءات الأدبية في بجاية.
هذه الخلفية العائلية تساعد على فهم علاقته القديمة بالكلمة. الكتابة لديه لم تبدأ بحثاً عن موقع اجتماعي أو رغبة متأخرة في الظهور. نشأ في محيط يمنح المعرفة مكانتها، ويتعامل مع اللغة باعتبارها وسيلة لحفظ الذاكرة وفهم المجتمع والدفاع عن الإنسان.
ومع ذلك، لا تحمل كتابته أثر العائلة وحدها. لقد صنعتها أيضاً جبال أكفادو، ووادي الصومام، والقرى التي تختزن تاريخاً طويلاً من المقاومة، ثم سنوات العمل والصحافة والخوف والمنفى. حين يكتب عن تلك الأمكنة، لا يصف مشهداً شاهده من الخارج. إنه يعود إلى جزء حيّ من نفسه.
مهندس غيّرت الصحافة مسار حياته
تخرّج يوسف زيرام مهندساً في مجال المحروقات، وعمل فترة في الجنوب الجزائري. كان في إمكانه أن يواصل حياة مهنية مستقرة، بعيداً عن متاعب السياسة والصحافة. غير أن التحولات التي عاشتها الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988 قادته إلى طريق آخر.
دخل الصحافة في مرحلة كانت البلاد تنفتح فيها على تعددية قصيرة ومضطربة. سرعان ما حلّت سنوات الدم، وأصبحت الكتابة مهنة محفوفة بالخطر. وجد الصحفيون أنفسهم بين عنف الجماعات المسلحة وضغوط السلطة وأجهزة الرقابة. دُفع كثيرون إلى الصمت، واغتيل آخرون، وغادر من استطاع النجاة.
تنقّل زيرام بين عدد كبير من الصحف الجزائرية والفرنسية، وتعرض للفصل بسبب مواقفه السياسية. أتاحت له تلك التجربة أن يرى الجزائر من داخل غرف التحرير، حيث تختلط الحقيقة بالخوف، والمعلومة بالحسابات السياسية، والشجاعة بالحاجة اليومية إلى البقاء. وتوثّق سيرته المنشورة انتقاله من قطاع المحروقات إلى الصحافة وتعدد المؤسسات الإعلامية التي عمل فيها قبل استقراره في فرنسا.
ظلت عين الصحفي حاضرة في كتبه اللاحقة. تراقب التفاصيل الصغيرة، وتبحث عما حُذف من الرواية الرسمية، وتصغي إلى من لا يملكون منبراً. وعندما انتقل إلى الرواية، منح تلك العين مساحة أوسع؛ صار في وسعه أن يكتب عن الصمت والخوف والذاكرة والحب، وأن يقول بالأدب ما تضيق عنه لغة الخبر.
«الجزائر.. حرب الظلال» ومواجهة المسكوت عنه
يحتل كتاب «الجزائر: حرب الظلال.. المسكوت عنه في مأساة»، الصادر بالفرنسية بعنوان Algérie, la guerre des ombres – Les non-dits d’une tragédie، موقعاً مركزياً في مسار يوسف زيرام. أعدّه من أهم الكتب التي تناولت سنوات الدم في الجزائر، لأنه اقترب من الأسئلة التي ظلت الروايات الرسمية تتحاشاها.
كان من السهل آنذاك تقديم المأساة في صورة مواجهة واضحة بين الدولة والجماعات المسلحة. الواقع كان أكثر تعقيداً وأشد ظلمة. تناول زيرام مناطق الالتباس، ودور أجهزة السلطة، ووضع الصحافة، واستعمال الخوف، والوقائع التي بقيت بلا تفسير مقنع. حافظ في الوقت نفسه على حساسية الصحفي تجاه الضحايا، فلم يحوّلهم إلى أرقام تخدم أطروحة سياسية.
مرور الكتاب إلى الدراسات الجامعية يؤكد قيمته التوثيقية. فقد استُخدم مرجعاً في أعمال أكاديمية وتقارير تناولت العنف السياسي وحرية الصحافة في الجزائر، ومنها أطروحات محفوظة في الأرشيف الجامعي الفرنسي HAL، إلى جانب ملف المحكمة الدائمة للشعوب بشأن انتهاكات حرية الصحافة في الجزائر.
بعد مرور سنوات على صدوره، ما زال الكتاب يفرض أسئلته. جراح التسعينيات لم تُفتح أمام تحقيق تاريخي مستقل، وما زالت عائلات كثيرة تجهل الحقيقة الكاملة حول مصير أبنائها. في هذا المعنى، لم يفقد «حرب الظلال» راهنيته؛ فالظل الذي كتب عنه زيرام لم ينقشع تماماً الى يومنا.
الجزائر بعيداً عن الصور الجاهزة
من يريد أن يعرف الجزائر بعمق سيجد في كتب يوسف زيرام مادة لا توفرها الأدلة السياحية ولا الخطب الرسمية. الجزائر عنده بلد جميل وجريح، واسع ومختنق في الوقت نفسه. نرى فيه الجبال والقرى والمدن، ونسمع لغاته المتعددة، ثم نصطدم بالعنف السياسي والبيروقراطية والخوف والرقابة وهجرة الأجيال المتعاقبة.
في روايات مثل «الحياة كذبة كبيرة» و**«الرجل الذي لم يفهم شيئاً»** و**«باب البحر»** و**«النجوم تتذكر كل شيء»**، تتقاطع مصائر الأفراد مع التاريخ القريب. تظهر الجزائر من خلال حياة أبنائها: الصحفي المهدد، والمثقف الذي يساوم، والمناضل الذي يشيخ بعيداً عن حلمه، والمرأة التي تحمل الأسرة في زمن الانهيار، والمنفي الذي يستيقظ في باريس وقلبه ما زال معلقاً بقرية بعيدة.
لا يجامل زيرام بلده، لأن المحبة لديه لا تعني غض الطرف. يسائل النظام الذي صادر السياسة، ويسائل النخب التي تكيفت مع الصمت، ثم يترك للقارئ نصيبه من المسؤولية. كيف سمح الجزائريون بأن يصبح الظلم عادياً؟ متى تحول الخوف من حالة طارئة إلى طريقة في الحياة؟ ولماذا يتحدث بعض المثقفين عن الحرية في الخارج، ثم يلتزمون الصمت حين يصبح الدفاع عنها مكلفاً؟
تؤلم هذه الأسئلة لأنها تخرج من تجربة حقيقية. لا يطرحها كاتب ينظر إلى الجزائر من شرفة بعيدة، وإنما رجل عاش ثلاثين عاماً من تحوّلاتها، وعمل في صحافتها، وعرف مخاوف الناس وخيباتهم، ثم حمل كل ذلك معه إلى المنفى.
لغة هادئة تحمل وجعاً ثقيلاً
أسلوب يوسف زيرام لا يسعى إلى إبهار القارئ بالزخرفة. تبدو لغته صافية وقريبة، لكن هذا الصفاء يخفي عملاً دقيقاً على الإيقاع والمعنى. يعرف متى تتوقف الجملة، ومتى يترك للصمت أن يكملها. وتتسلل نبرة الشعر إلى السرد من غير أن تعيق الحكاية أو تثقلها.
ما يجذبني في كتابته هو صدقها. لا تشعر أن الكاتب يرتب جمله كي يعرض ثقافته، ولا أنه يختبئ خلف الغموض. يكتب ليصل إلى القارئ، ويمنح الكلمات قدرها من العاطفة من دون أن يحوّلها إلى خطاب عاطفي سهل.
تتكرر في أعماله أسئلة المنفى والذاكرة ومرور الزمن، ويحضر الحب كقوة تقاوم قسوة العالم. حين يقول إن «الحب الحقيقي لا يُقهر»، فهو لا يقدم عبارة رومانسية معزولة عن الواقع. الحب عنده موقف أخلاقي؛ قدرة على حماية ما تبقى من الإنسان في زمن الحروب والأنانية وعبادة المال.
لهذا تقترب شخصياته منا حتى عندما تخطئ أو تنهزم. يمنحها ضعفها وخوفها وتناقضاتها. لا يصنع منها أبطالاً كاملين، ولا يوزع عليها الأحكام من موقع متعالٍ. يرافقها طويلاً، كأنه يعرف أن الإنسان يحتاج أحياناً إلى من يفهم سقوطه قبل أن يطالبه بالنهوض.
«لعلجة، أمّنا».. كتاب خرج من قلب الفقد
يصبح صوت يوسف زيرام أكثر حميمية في كتاب «لعلجة، أمّنا»، الذي خصصه لوالدته. كانت شاعرة بالفطرة، تحمل ذاكرة بيئتها ولغتها وحكمتها الشعبية. وعندما رحلت في الجزائر، كان ابنها بعيداً عنها، يعيش منذ سنوات في فرنسا ولا يستطيع العودة إلى بلده بأمان.
يصعب قراءة هذا الكتاب بمعزل عن ذلك الألم. فالأم فيه امرأة من لحم وذاكرة، وفي الوقت نفسه صورة للوطن الذي صار الوصول إليه محفوفاً بالخطر. يستعيد الكاتب صوتها وتفاصيل حياتها وما تركته في أبنائها، كأنه يحاول أن يمنحها بالكلمات الوداع الذي حُرم منه في الواقع.
وهنا لا بد لي من التذكير بأن زيرام أمضى سنوات طويلة بعيداً عن والدته وعائلته، وأن رحيلها دفعه إلى إعادة بناء حياتها في نص شديد التأثر. قراءة في كتاب «لعلجة، أمّنا»
وأعرف، بحكم القرب من الكاتب وظروفه، أنه لم يتمكن من حضور جنازتها. هذه من أقسى الصور في سيرته. أن تفقد أمك، ثم تعجز عن الوقوف أمام قبرها لأن أفكارك ومواقفك جعلت العودة إلى بلدك خطراً. عندها يتجاوز المنفى مسألة الجغرافيا. يدخل إلى أكثر مناطق الحياة خصوصية، ويفصل الإنسان حتى عن حقه في الحزن والوداع.
منفى يطول ولا يتحول إلى وطن بديل
يعيش يوسف زيرام في فرنسا، ويكتب وينشط في فضائها الثقافي، لكن باريس لم تمح الجزائر من داخله. بقي الوطن حاضراً في كتبه، في أسماء الأمكنة، وفي الشخصيات التي يعيدها من النسيان، وفي غضبه من نظام دفع بالكثير من خيرة أبناء البلد إلى الهجرة أو الصمت.
من خلال معرفتي بوضعه، أستطيع القول إن عدم عودته إلى الجزائر ليس خياراً مريحاً اتخذه من بعيد. مواقفه النقدية من النظام ودفاعه العلني عن الديمقراطية وحرية التعبير يجعلان عودته محفوفة بخطر التوقيف، كما حدث مع جزائريين آخرين بسبب آرائهم وكتاباتهم. لا أتحدث هنا عن حكم قضائي معلن باسمه، وإنما عن خوف واقعي يعرفه كل من تابع أساليب السلطة في التعامل مع معارضيها.
يصف زيرام المنفى بأنه «سجن الروح». تبدو العبارة شديدة القرب من حياته. منحته فرنسا مساحة للعمل والكتابة واللقاء بقراء جدد، لكنها لم تعوضه عن بلده ولا عن عائلته ولا عن سنوات الغياب. عاش المنفى بكل تناقضاته: حرية القول من جهة، ومرارة الاقتلاع من جهة أخرى.
حضور ثقافي يقابله تهميش يصعب تفسيره
أصبح يوسف زيرام، مع مرور السنوات، واحداً من الأصوات الحاضرة في النقاشات المرتبطة بالهوية الأمازيغية والديمقراطية والذاكرة وحرية التعبير. شارك في ندوات ومؤتمرات كثيرة، ونشّط لقاءات أدبية، وقدم برنامج «غرافيتي» التلفزيوني، كما ارتبط اسمه بالمقهى الأدبي الباريسي «ليمبونديرابل».
وفي يونيو 2020، حملت مكتبة في قرية تاوريرت، على مرتفعات أكفادو، اسمه وهو ما يزال على قيد الحياة. لذلك دلالة لا تخطئها العين: القراء في منطقته رأوا فيه جزءاً من ذاكرتهم الثقافية قبل أن تمنحه المؤسسات الكبرى الاعتراف الذي يستحقه.
هنا تظهر مفارقة ظلت تثير استغرابي. كاتب بهذه الغزارة، يمتلك تجربة صحفية ممتدة وكتباً في الرواية والشعر والتاريخ والمقال السياسي، ومع ذلك يبقى بعيداً عن واجهة الإعلام الثقافي الفرنسي وعن الجوائز والملتقيات الكبرى للأدب الفرنكفوني.
قد لا نعثر على قرار مكتوب بمقاطعته، فالمنظومات الثقافية تعمل غالباً بوسائل أكثر هدوءاً. هناك أبواب لا تُغلق علناً، لكنها لا تُفتح أيضاً. وهناك أسماء تحضر في كل موسم أدبي لأنها تناسب الصورة التي ترغب المؤسسات في ترويجها عن الجزائر والعالم العربي، بينما تُترك أصوات أخرى في الهامش، مهما بلغت قيمتها الأدبية.
في حالة يوسف زيرام، يبدو التهميش أقرب إلى مقاطعة صامتة. لا أقول ذلك بدافع الصداقة وحدها. المقارنة بين قيمة منجزه وحضوره الفعلي في المؤسسات الإعلامية والأدبية تكشف فجوة واضحة. يُحتفى أحياناً بأسماء أقل موهبة وتجربة، لأنها تؤدي الوظيفة المنتظرة منها داخل السوق الثقافية: تقدم الشخصيات والقضايا والصور التي يطمئن إليها المركز، ولا تربك الحدود التي رسمها للأدب الفرنكفوني.
يوسف زيرام لا يؤدي هذه الوظيفة. ينتقد النظام الجزائري بشجاعة، لكنه يرفض تحويل ذلك النقد إلى ولاء لمركز ثقافي آخر. يكتب عن فرنسا أيضاً، وعن تاريخها ونخبها وطريقتها في النظر إلى المثقفين القادمين من مستعمراتها السابقة. حافظ على استقلاله، ولم يقبل أن يكون «الجزائري المناسب» الذي تتوقعه بعض الصالونات الباريسية.
دفع ثمن هذه الاستقامة من انتشاره الإعلامي، لكنه كسب ثقة قرائه. وهذا النوع من الثقة لا تصنعه الحملات الدعائية ولا لجان الجوائز.
«لا شيء سيبرر جبننا».. محاكمة للضمير
في روايته الجديدة «لا شيء سيبرر جبننا» (Rien n’excusera nos lâchetés)، يعود يوسف زيرام إلى الأسئلة التي لازمته طويلاً، ويجمعها في عمل روائي متعدد الأصوات. بطل الرواية، آزار زحافي، مهندس سابق وصحفي وكاتب يعيش في باريس، ويستعيد من منفاه ما جرى قبل ثلاثين عاماً في بلده.
توجد بين آزار ومؤلفه مساحات مشتركة يصعب تفويتها: دراسة المحروقات، والعمل في الجنوب، والنشاط النقابي، والصحافة خلال سنوات العنف، والمنفى، والكتابة، وتجربة تقديم برنامج ثقافي. ومع ذلك يحتفظ آزار بحياته الروائية الخاصة. استعار من صاحبه بعض الجراح، ثم مضى داخل الحكاية ليعبّر عن جيل كامل رأى أحلامه تنهار أمام العنف والخوف وانتهازية النخب.
يتنقل السرد بين الماضي والحاضر، وبين الجزائر وباريس، ويترك لكل شخصية صوتها ومساحتها. لا يحضر التاريخ كخلفية بعيدة؛ يدخل في العلاقات وفي الحب وفي القرارات التي اتخذها الأبطال تحت الضغط. حتى أكثر اللحظات حميمية تحمل أثراً من السياسة، لأن الاستبداد لا يبقى داخل المؤسسات والسجون، بل يتسرب إلى البيوت والصداقات والذاكرة.
تتقدم الرواية بسؤال موجع: كيف استطعنا أن نسمح بكل هذا؟ يسأل آزار لماذا يُترك السجناء السياسيون وحدهم، وكيف تمكّن الرديئون من إدارة بلد بهذا الجمال، وأين ضاع شجعان المجتمع ومثقفوه.
يحمل العنوان نبرة حاسمة. الجبن هنا لا يعني الخوف الطبيعي الذي يمر به كل إنسان. المقصود هو ذلك الصمت الذي يتحول إلى عادة، ثم إلى تواطؤ، وتلك القدرة على إيجاد مبررات دائمة لترك الآخرين يواجهون الظلم بمفردهم.
ورغم قسوة الأسئلة، لا ينتهي الكتاب إلى اليأس. يظل الحب ممكناً، وتبقى الصداقة والتضامن والوفاء قادرة على حماية الإنسان من الانهيار الكامل. في عالم يوسف زيرام، لا يأتي الأمل من الشعارات الكبرى. نجده في امرأة تحفظ قلبها من الكراهية، أو صديق يرفض التخلي عن صديقه، أو كاتب يواصل قول الحقيقة بعد أن أغلقت في وجهه أبواب كثيرة.
كاتب بقي وفياً لنفسه
نشر يوسف زيرام نحو عشرين كتاباً في الرواية والشعر والقصة والتاريخ والمقال السياسي. غير أن قيمة مساره لا تُقاس بالعدد وحده. ما يهمني فيه هو الخيط الذي يجمع هذه الأعمال: الوفاء للإنسان، والبحث عن الحقيقة، والرفض العنيد لتحويل الكتابة إلى وسيلة للتقرب من السلطة أو المؤسسات النافذة.
هو يحب الجزائر بمحبتها الصعبة، تلك التي لا تخفي العيوب ولا تبرر الظلم. يكتب عن الضحايا كي لا يتحولوا إلى أرقام، وعن المنفيين كي لا تبتلعهم المسافات، وعن الحب لأنه يرى فيه آخر ما يستطيع الإنسان الدفاع به عن نفسه حين ينهار كل شيء.
قد تتجاهل مؤسسة كتاباً، وقد تحذف اسماً من مهرجان أو برنامج تلفزيوني، لكنها لا تستطيع أن تتحكم إلى الأبد في الطريق الذي تسلكه الأفكار نحو قرائها. رواية يوسف زيرام الجديدة عبرت المحيط بعد صدورها، ووصلت إلى قراء يبعدون آلاف الكيلومترات عن باريس والجزائر. تلك واحدة من العدالات القليلة التي يمنحها الأدب لأصحابه.
لا يحتاج يوسف زيرام إلى أسطورة تُصنع حوله. تكفي قراءة كتبه ومعرفة مساره. سنجد كاتباً موهوباً ومستقلاً، وصحفياً عايش زمناً بالغ القسوة، ومنفياً لم يتوقف عن حمل بلده، وإنساناً بقي قريباً من القيم التي يدافع عنها.
وفي زمن صار فيه ادعاء الإنسانية أسهل من ممارستها، حافظ يوسف زيرام على شيء يندر وجوده في الأوساط الثقافية والسياسية: بقي وفياً لكلمته، ووفياً لنفسه، ووفياً للناس الذين يكتب من أجلهم.
سمير بلعطاش – جريدة الأحرار



