الرئيسيةمرصدقراءة الصحافة الدوليةهآرتس: كيف رعت إسرائيل شبكة ميليشيات مسلحة داخل قطاع غزة

هآرتس: كيف رعت إسرائيل شبكة ميليشيات مسلحة داخل قطاع غزة

كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم الأربعاء الموافق 26 آب/أغسطس 2026 أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك يرعيان شبكة من خمس ميليشيات فلسطينية مسلحة على الأقل. وتنشط هذه المجموعات داخل قطاع غزة بحماية وتنسيق ودعم لوجستي مباشرين من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. واستند التحقيق، الذي أعده الصحفيون ياردين ميخائيلي ويانيف كوبوفيتش وجاك خوري، إلى شهادات جنود إسرائيليين وصور أقمار صناعية ومعطيات جمعتها الأمم المتحدة. ووثّق التحقيق حوادث نهب وحرق منازل وإطلاق نار طالت مدنيين فلسطينيين في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي.

حسب المعطيات التي جمعتها هآرتس، تنشط هذه المجموعات المسلحة في مناطق بيت حانون وحي الشجاعية ودير البلح وخان يونس ورفح، وتضم في مجموعها ما يقدر بآلاف المسلحين. ويذهب التحقيق إلى أن مهام هذه الميليشيات لم تعد تقتصر على مواجهة حركة حماس. فقد امتدت مهامها إلى جمع معلومات استخباراتية وتنفيذ عمليات ميدانية داخل مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وفرض أوامر إخلاء على سكان فلسطينيين في مناطق بعينها.

من رفح 2024 إلى خمس مجموعات مسلحة اليوم

يعود مشروع الميليشيات، بحسب ما تتبعته صحيفة عرب نيوز، إلى أيار/مايو 2024، حين بدأت مجموعة صغيرة تحمل اسم القوات الشعبية العمل في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية بجنوب قطاع غزة. وكان يقود هذه المجموعة ياسر أبو شباب، أحد أفراد عشيرة بدوية في رفح. وقد فرّ في تشرين الأول/أكتوبر 2023 من سجن تابع لحركة حماس كان يقضي فيه عقوبة بتهم سرقة واتجار بالمخدرات.

ولم يعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علنا بدعم هذه المجموعات إلا في 5 حزيران/يونيو 2025. وقال حينها في تسجيل مصور: “فعّلنا، بناء على نصيحة مسؤولين أمنيين، عشائر في غزة تعارض حماس”. وجاء تصريحه ردا على اتهامات وجهها وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان بأن إسرائيل سلّحت عناصر موصوفة بالانتماء إلى تنظيم داعش. وأشارت صحيفة ميدل إيست آي، نقلا عن التحقيق، إلى أن إحدى الميليشيات المدعومة من إسرائيل كانت لها صلات فعلية بالتنظيم.

وقُتل أبو شباب في 4 كانون الأول/ديسمبر 2025 برصاصة أثناء تدخله في نزاع عائلي، بحسب ما أعلنته القوات الشعبية ونقلته وكالة رويترز، ليخلفه في قيادة المجموعة غسان الدهيني. ونقلت عرب نيوز أن ثلاثة فصائل مسلحة أخرى مدعومة من إسرائيل على الأقل انضمت إلى المشروع منذ ذلك الحين. ووصل بذلك مجموع عناصر الميليشيات إلى عدة آلاف من المسلحين، خصوصا بعد وقف إطلاق النار المعلن في تشرين الأول/أكتوبر 2025. وقسّم هذا الاتفاق القطاع إلى منطقتين: واحدة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي وأخرى لا تزال تحت نفوذ حماس.

خان يونس: عندما تحوّل التنسيق إلى آلية تأديب ميدانية

بحسب شهادات جنود إسرائيليين أوردتها هآرتس، شارك جنود من الجيش الإسرائيلي في مهمة وُصفت لهم بأنها نشاط منسّق في منطقة خان يونس. وشاركهم في المهمة عناصر من إحدى الميليشيات المعادية لحماس. غير أن الجنود، وفق التحقيق، لم يكونوا يعرفون طبيعة المهمة الحقيقية، إذ تبيّن لهم لاحقا أنهم كانوا يشهدون آلية تحكيم داخلية إثر نزاع بين عناصر إحدى المجموعات المسلحة. وروى جندي مقاتل شارك في الحادث أن أحد عناصر الميليشيا أطلق النار خطأ على زوجة مسلح آخر. وحسم الحاضرون الأمر ميدانيا بإطلاق النار على ساقي مطلق النار، أمام أعين الجنود الإسرائيليين.

شارك ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي في تتبع إحدى الميليشيات بواسطة طائرة مسيّرة للمراقبة والهجوم، بالتنسيق مع عنصر من جهاز الشاباك. وذهب في وصفه لما شهده إلى أبعد من حادثة بعينها، وقال في الجملة التي حملت التحقيق عنوانه: “ترى دولة إسرائيل والجيش والشاباك يرسلون ميليشيات مسلحة ومدربة لارتكاب جرائم حرب، وأنا من عليّ حمايتها أثناء عملياتها كي لا تتعرض للأذى”.

وحذّر جنود تحدثوا إلى هآرتس، منذ الأشهر الأولى لانطلاق المشروع، من أن هذه الديناميكية قد تفضي إلى فظائع تذكّر بمجزرة صبرا وشاتيلا. وارتكبت هذه المجزرة قوات الكتائب اللبنانية المتحالفة مع إسرائيل عام 1982 في بيروت، وراح ضحيتها ما يصل إلى 3500 مدني فلسطيني ولبناني، بينما كانت القوات الإسرائيلية تطوّق المخيمين.

قواعد محصّنة فوق مقبرة: طبيعة الدعم العسكري الإسرائيلي

يوثّق التحقيق أن الجيش الإسرائيلي يزوّد هذه المجموعات بالسلاح، ويوفر لها غطاء ناريا ودعما بالمدفعية والطائرات المسيّرة أثناء عملياتها. وتضم هذه المنظومة قواعد محصّنة داخل مناطق تخضع لسيطرة إسرائيلية مباشرة، بعضها مرتبط بشبكات القيادة والسيطرة العسكرية الإسرائيلية. وفي محيط إحدى قواعد الميليشيات بحي الشجاعية، جرفت القوات الإسرائيلية مقبرة فلسطينية واسعة واستبدلتها بأرضية تدريب عسكري ممتدة، بحسب ما نقلته ميدل إيست آي عن التحقيق.

وتفيد شهادات جمعتها هآرتس من جنود وضباط بأن مسلحي هذه الميليشيات يتحركون بحرية حول مواقع الجيش الإسرائيلي المنتشرة في القطاع. ويقوم بعضهم بتصوير عروض قوة ونشرها على صفحاتهم في فيسبوك لأغراض دعائية وتجنيدية. وأقرّ مسؤولون عسكريون إسرائيليون، بحسب ما نقله مرصد الشرق الأوسط عن التحقيق، بأن هذه الجماعات المسلحة لن تكون قادرة على فرض سيطرتها على الأرض من دون استمرار الحماية والمساندة العسكرية الإسرائيلية.

اتهامات بنهب المنازل وحرقها وإطلاق النار على مدنيين

يورد التحقيق شهادات جنود إسرائيليين تصف عمليات نفذتها هذه الميليشيات ضد سكان مدنيين لا صلة لهم بحركة حماس. فقد وصف الضابط الذي تابع تحركات إحدى المجموعات بطائرة مسيّرة وصول عناصرها على متن شاحنات صغيرة تشبه شاحنات حماس. وأطلقوا النار مباشرة على السكان، ثم اقتحموا المنازل ونهبوا محتوياتها وأشعلوا فيها النار.

وبحسب معطيات جمعتها الأمم المتحدة ونقلها التحقيق، نسّق بعض المسلحين مع الجيش الإسرائيلي عمليات لإخلاء فلسطينيين من منازلهم في مناطق بعينها. وتوضح هآرتس أن هذه الممارسات ليست جديدة كليا، إذ سبق أن وثّقت تقارير محلية ودولية أنشطة مماثلة لهذه المجموعات على مدى أكثر من عام. غير أن شهادات الجنود، وفق الصحيفة، توفر دليلا إضافيا على أن هذه الميليشيات باتت تعمل بصفتها ذراعا عملياتية للجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك.

سلاح الميليشيات في قلب معادلة نزع سلاح حماس

يحمل مشروع الميليشيات أبعادا سياسية مباشرة، إذ تربط إسرائيل أي تقدم في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة بنزع سلاح حماس. في المقابل، تعتبر حماس هذه الميليشيات تهديدا مباشرا لها، وتشترط حلها قبل أن تمضي هي نفسها في أي مسار لنزع السلاح. وسبق لمحكمة تابعة لحماس في غزة أن أمهلت أبو شباب، في 2 تموز/يوليو 2025، عشرة أيام لتسليم نفسه. ووُجهت إليه اتهامات بالخيانة والتعاون مع جهة معادية وتشكيل عصابة مسلحة والتمرد المسلح، مع التهديد بمحاكمته غيابيا في حال عدم امتثاله، بحسب ما نقلته الجزيرة نت.

ولم يخفِ بعض قادة الميليشيات ارتباطهم بإسرائيل. ففي تسجيل مصور نشره على الإنترنت، أعلن أحد هؤلاء القادة، شوقي أبو نصيرة، اعترافه الصريح بتعاونه مع إسرائيل بدعوى تحرير الأرض من حماس. واعتبر أن وصفه بالمتعاون لا يغيّر من قراره. ولم يتسنّ الحصول على تعليق فوري من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على تفاصيل التحقيق حتى وقت إعداد هذا التقرير.

يأتي هذا التحقيق في وقت لا تزال فيه إسرائيل تواجه دعوى بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية. وسبق للمحكمة الجنائية الدولية أن أصدرت مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتبقى شبكة الميليشيات الخمس، استنادا إلى المعطيات المتاحة حتى نهاية آب/أغسطس 2026، منتشرة في خمس مناطق رئيسية من القطاع، من دون أن يعلن الجيش الإسرائيلي عن أي مراجعة لسياسة دعمها.


المصادر

  1. صحيفة هآرتس الإسرائيلية – التحقيق الاستقصائي “إسرائيل ترسل ميليشيات مسلحة لارتكاب جرائم حرب وعليّ حمايتها” (ياردين ميخائيلي، يانيف كوبوفيتش، جاك خوري)
    https://www.haaretz.com/israel-news/security-aviation/2026-08-27/ty-article-magazine/gaza-israel-sending-militias-commit-war-crimes-i-have-to-protect-them/0000019f-f0f0-df61-a3ff-f9fe6ca70000 – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  2. ميدل إيست آي – “هآرتس: إسرائيل تسلّح تجار مخدرات لارتكاب صبرا وشاتيلا جديدة في غزة” – نشر في 27 آب/أغسطس 2026
    https://www.middleeasteye.net/news/israel-arms-gangs-and-drug-dealers-commit-war-crimes-and-loot-homes-gaza-report-0 – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  3. مرصد الشرق الأوسط – “تحقيق هآرتس: ميليشيات فلسطينية مدعومة من إسرائيل تعمل جنبا إلى جنب مع الجيش في غزة” – نشر في 27 آب/أغسطس 2026
    https://www.middleeastmonitor.com/20260827-haaretz-investigation-israel-backed-palestinian-militias-operate-alongside-army-in-gaza/ – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  4. عرب نيوز – “ما الذي نعرفه عن الميليشيات الفلسطينية المدعومة من إسرائيل التي تنهب وتروّع غزة؟” – نشر في 27 آب/أغسطس 2026
    https://www.arabnews.com/node/2656075/middle-east – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  5. وكالة رويترز (عبر ماركت سكرينر) – تقرير عن مقتل ياسر أبو شباب – 4 كانون الأول/ديسمبر 2025
    https://in.marketscreener.com/news/israeli-army-radio-says-anti-hamas-leader-yasser-abu-shabab-has-been-killed-ce7d51dfdf89fe25 – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  6. الجزيرة نت – “محكمة تابعة لحماس تمهل أبو شباب 10 أيام للتسليم” – 2 تموز/يوليو 2025
    https://www.aljazeera.com/amp/news/2025/7/2/hamas-run-court-gives-gaza-gang-leader-abu-shabab-10-days-to-surrender – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026

أحمد ناصر – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصر
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة