نقلت صحيفة لوموند الفرنسية ووكالة أسوشيتد برس، في تقارير منفصلة نُشرت يوم الثلاثاء الموافق 25 أغسطس 2026، شهادة جندي إسرائيلي طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً من التعرض لإجراءات انتقامية. وبحسب الشهادة، لم يعثر الجيش على أي دليل يربط الكاميرا التي استُهدفت في الغارة بحركة حماس، رغم أن متحدثين باسم الجيش أعلنوا في اليوم التالي للقصف أن ستة من بين القتلى كانوا مرتبطين بالحركة. ونُقلت الشهادة إلى وكالة أسوشيتد برس عبر منظمة كسر الصمت، وهي جمعية أسسها جنود إسرائيليون سابقون قبل أكثر من عشرين عاماً. تجمع المنظمة إفادات العسكريين حول ممارسات الجيش في الأراضي الفلسطينية منذ تأسيسها.
تفاصيل الغارة المزدوجة على مستشفى ناصر في آب 2025
في صباح الاثنين 25 أغسطس 2025، نفذ الجيش الإسرائيلي غارتين متتاليتين على مجمع مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة. أسفرت الغارتان عن مقتل 22 فلسطينياً بينهم خمسة صحفيين وعمال إنقاذ. وأوضحت وكالة أسوشيتد برس أن الغارة الأولى أودت بحياة مصور وكالة رويترز حسام المصري وشخص آخر، قبل أن يندفع صحفيون آخرون، من بينهم المصورة مريم دقة التي كانت تعمل لصالح أسوشيتد برس، ومسعفون نحو موقع الانفجار لتقديم المساعدة ونقل الصور. وبعد دقائق، ضرب الجيش الموقع للمرة الثانية، فقتل عشرين شخصاً إضافياً في ما وُصف بأسلوب الضربة المزدوجة. أظهرت لقطات مصورة وشهادات متعددة، بحسب أسوشيتد برس، أن أياً من الضحايا لم يكن يحمل سلاحاً وقت الاستهداف. واستخدم الجيش أربع قذائف دبابة عالية الانفجار خلال الغارتين، وهو المستشفى الوحيد الذي كان لا يزال يعمل بكامل طاقته في جنوب القطاع آنذاك.

كاميرا رويترز التي قدّمها الجيش على أنها هدف لحماس
برر الجيش الإسرائيلي الغارة الأولى بالقول إن كاميرا مثبتة على سطح المستشفى كانت تستخدمها حماس لمراقبة تحركات جنوده. استند هذا التبرير إلى وجود قطعة قماش تغطي الجهاز، اعتبرها الجيش سلوكاً مريباً. غير أن تحقيقاً أجرته وكالة رويترز، ونشرته صحف من بينها الجزيرة، خلص إلى أن الكاميرا كانت في الواقع ملكاً للوكالة نفسها. استخدمها المصور حسام المصري بانتظام لتغطية الأحداث بثاً مباشراً، وكانت تغطيتها بقماش أبيض ممارسة معتادة لحماية المعدات من الغبار والشمس. وأكدت وكالة أسوشيتد برس أنها كانت قد أبلغت الجيش مراراً بوجود طواقمها الصحفية داخل المستشفى قبل وقوع الغارة. ولم يوضح الجيش حتى الآن سبب عجزه عن التعرف إلى هوية المصور رغم معرفته المسبقة بتمركز صحفيين في الموقع.
التجريم بأثر رجعي.. آلية وصفتها منظمة كسر الصمت
أفاد الجندي، بحسب ما نقلته أسوشيتد برس، بأن ضباطاً في الجيش يلجأون عادة، بعد كل غارة تخلف ضحايا مدنيين دون هدف عسكري واضح، إلى البحث عن روابط تجمع القتلى بفصائل مسلحة. وأوضحت منظمة كسر الصمت أن شهادات جمعتها من مصادرها الخاصة تؤكد وجود ما وصفته بعملية تجريم بأثر رجعي. بموجب هذه العملية، يُصنَّف الفلسطينيون القتلى تلقائياً كأعضاء في فصائل مسلحة حتى في حال عدم حملهم للسلاح. وقال ناداف فايمان، المدير التنفيذي للمنظمة، إن هذا التصنيف يُستخدم كـ”تبرير شبه تلقائي لكل طلقة أو قذيفة تُطلق”، بدل فتح تحقيقات فعلية. وذكرت أسوشيتد برس أنها تحققت بشكل مستقل من بعض تفاصيل شهادة الجندي، مشيرة إلى أن روايته تتقاطع مع الموقف العلني الذي أعلنه الجيش الإسرائيلي في وقت سابق.
الجيش الإسرائيلي يحيل الملف للقضاء العسكري دون تحديد موعد
ردت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على أسئلة أسوشيتد برس بالقول إن الحادثة قيد الفحص. أضافت أن نتائج المراجعة ستُحال إلى النيابة العسكرية العامة لتقرير ما إذا كان سيُفتح تحقيق جنائي، دون تحديد جدول زمني لذلك، وامتنع الجيش عن الإدلاء بتفاصيل إضافية خلال فترة المراجعة. وبحسب الشهادة نفسها وضابط سابق مطّلع على الملف، وافق قائد رفيع المستوى في البداية على استخدام سلاح دقيق لإسقاط الكاميرا عبر طائرة مسيّرة. فشلت هذه المحاولة لأسباب لم تُحدَّد، قبل أن يوافق قائد الفرقة على أسلوب بديل لم يكشف الجندي طبيعته. ولم يتضح بعد الجهة التي أذنت تحديداً بإطلاق قذائف الدبابات. واعتبر عوديد عيلام، الرئيس السابق لقسم مكافحة الإرهاب في جهاز الموساد، أن قادة الميدان يتمتعون بهامش تصرف لكنه ليس مطلقاً، إذ يجب أن يبقى ضمن حدود الأمر الأصلي أو يستلزم إذناً جديداً في حال تغيّر جوهري في طريقة التنفيذ.
رواية لوموند تضيف بُعد الرقابة وأدوات الذكاء الاصطناعي
أضافت شهادة الجندي، بحسب ما نقلته صحيفة لوموند الفرنسية، عنصراً يتعلق باستخدام إجراءات وصفها الجندي بالرقابة. تحدث أيضاً عن توظيف أدوات آلية للتأثير في وضوح المحتوى الرقمي وتوجيه انتشاره، إلى جانب محاولات لإعادة تصنيف الصور والروايات المتعلقة بالحادثة. ولم تتمكن مصادر أخرى من التحقق بشكل مستقل من هذا الجانب تحديداً من الشهادة حتى لحظة نشر هذا المقال. ويرى مختصون في التحقق الرقمي أن تعدد المصادر والصيغ الرقمية يزيد من تعقيد إعادة بناء وقائع الحوادث في مناطق النزاع. ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول مسؤولية المنصات التي تستضيف هذا المحتوى وتتحكم في وضوحه.
سنة على المجزرة.. رويترز وأسوشيتد برس تطالبان بتفسير كامل
بمناسبة مرور عام على القصف، أصدرت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس بياناً مشتركاً يوم الثلاثاء. طالبتا فيه الجيش الإسرائيلي بتقديم تفسير كامل لظروف الغارتين، وبمنح الصحفيين إمكانية الوصول إلى قطاع غزة لدعم زملائهم الذين يغطون الحرب منذ اندلاعها. وجاء في البيان: “لا نزال حتى الآن نبحث عن إجابات من السلطات الإسرائيلية”. وبحسب منظمة مراسلون بلا حدود، فقد قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 220 صحفياً منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، ما يجعل من القطاع الأخطر على الصحفيين عالمياً. وأعلن الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي فتح تحقيقين جنائيين منفصلين في حادثتين أخريين، هما مقتل الطفلة هند رجب عام 2024 ومقتل 15 مسعفاً عام 2025. في المقابل، برّأ الجيش عناصره في ثلاث حوادث أخرى استهدفت عاملين في منظمات إغاثة دولية.
المصادر
- وكالة أسوشيتد برس (منشور عبر صحيفة ديلي صباح) – “Zero liability marks year since Israel killed journos at Gaza hospital”
https://www.dailysabah.com/world/mid-east/zero-liability-marks-year-since-israel-killed-journos-at-gaza-hospital – تم الاطلاع عليه في 26 أغسطس 2026 - وكالة رويترز (منشور عبر موقع الجزيرة) – تحقيق حول بطلان تبرير الجيش الإسرائيلي لقصف مستشفى ناصر
https://www.aljazeera.com/amp/news/2025/9/27/israels-justification-for-gaza-hospital-attack-false-reuters-probe-finds – تم الاطلاع عليه في 26 أغسطس 2026 - صحيفة لوموند الفرنسية – “Gaza : un militaire dévoile comment Israël a tenté de construire son récit lors du bombardement de l’hôpital Nasser”
https://www.lemonde.fr/guerre-au-proche-orient/video/2026/08/25/gaza-un-militaire-devoile-comment-israel-a-tente-de-construire-son-recit-lors-du-bombardement-de-l-hopital-nasser_6756606_6325529.html – تم الاطلاع عليه في 26 أغسطس 2026 - منظمة مراسلون بلا حدود – صفحة فلسطين، تقرير حرية الصحافة
https://rsf.org/en/country/palestine – تم الاطلاع عليه في 26 أغسطس 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



