أعلنت إدارة الإعلام الحربي التابعة للقيادة العامة في بنغازي توقيع العقد مع شركة تركية معروفة باسم إكتكنيك، على أن يُنفَّذ ضمن المرحلة الأولى من مشروع أوسع لإدارة الحدود البرية يحمل اسم رؤية 2030، وتشرف عليه شخصيا نائب القائد العام اللواء صدام حفتر. وبحسب البيان، يهدف المشروع إلى تعزيز الأمن على طول الحدود الشرقية والجنوبية لليبيا ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات والهجرة غير النظامية، من دون أن يكشف البيان عن قيمة العقد أو الجدول الزمني الكامل لتنفيذه. وتكتسب هذه الحدود، التي تمتد عبر مناطق صحراوية شبه خالية من أي رقابة فعلية منذ سنوات، أهمية مضاعفة بوصفها ممرا رئيسيا لشبكات التهريب العابرة للحدود نحو دول الجوار، بما فيها الجزائر وتونس والنيجر.
عقد حدودي بقيمة استراتيجية: 275 كيلومترا تحت إشراف تركي
يمثل هذا العقد، رغم طابعه التقني الظاهري، حلقة في سلسلة أطول من التفاهمات العسكرية بين الجانبين. فقد كشف تحقيق نشرته الجزيرة في 20 يوليو 2026 أن التقارب بين أنقرة والقيادة العامة يشمل تفاهمات حول تطوير منشآت عسكرية وأنظمة مراقبة متقدمة، إضافة إلى برامج تدريب لضباط ليبيين شرقيين داخل تركيا، بمشاركة شركات دفاعية تركية متخصصة. وتفيد مصادر خاصة نقلتها الشبكة بأن هذا التنسيق غير المسبوق بين خصمين إقليميين سابقين يعكس مرحلة جديدة تتجاوز حدود اتفاق أمني ظرفي، وتخدم في الوقت ذاته مسعى أنقرة لتثبيت مذكرة الحدود البحرية التي وقّعتها مع طرابلس عام 2019، والتي تتيح لها موطئ قدم في مياه شرق المتوسط الغنية بالغاز.
من الحرب بالوكالة إلى التنسيق: كيف انقلبت العلاقة بين أنقرة وحفتر خلال ست سنوات
في العقد الماضي، كانت أنقرة الداعم العسكري الرئيسي لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، المعترف بها دوليا، وقدّمت لها دعما حاسما أوقف هجوما عسكريا واسعا شنّه حفتر لاقتحام العاصمة عام 2019 و2020. في المقابل، راهنت مصر على القائد الشرقي لتأمين حدودها الغربية الطويلة مع ليبيا. غير أن هذا العداء التاريخي بدأ يتلاشى تدريجيا اعتبارا من أبريل 2025، حين زار صدام حفتر أنقرة والتقى رئيس أركان الجيش التركي لبحث اتفاق دفاعي يشمل التدريب المشترك وبناء القدرات وتبادل المعلومات وشراء أسلحة وطائرات مسيّرة. ومنذ ذلك التاريخ، بدأ ضباط من قوات حفتر التدريب في قواعد تركية، بحسب ما وثّقه المجلس الأطلسي في تحليل نشره أوائل 2026.
القاهرة من “الخط الأحمر” إلى شراكة في مقاتلة كاآن
اعتبرت مصر تاريخيا أي وجود عسكري أجنبي، وبالأخص تركي، قرب حدودها مع شرق ليبيا خطا أحمر يمس أمنها القومي مباشرة. غير أن المشهد الإقليمي تغيّر جذريا خلال الأشهر الأخيرة: ففي 4 فبراير 2026، وقّع الرئيسان عبد الفتاح السيسي ورجب طيب إردوغان في القاهرة اتفاقية إطار عسكري وقّعها وزيرا الدفاع في البلدين، تلتها في يونيو مباحثات رباعية جمعت وزيري خارجية البلدين في قصر التحرير. كما نفذ الطيران الحربي التركي أول تحليق مشترك فوق القاهرة منذ أكثر من عقد، ضمن مناورات النسر الأناضولي 2026، بينما تدرس القاهرة الانضمام إلى مشروع مقاتلة كاآن التركية من الجيل الخامس كشريك مُصنِّع، بما يشمل نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي، على أن تدخل المقاتلة الخدمة في حدود عام 2030. ويأتي هذا التقارب أيضا في مجال الطائرات المسيّرة، إذ تستفيد القاهرة من خبرة تركيا الراسخة في هذا القطاع، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تجاوز استبعادها من برنامج المقاتلة الأمريكية إف 35 منذ عام 2019 على خلفية اقتنائها منظومة إس 400 الروسية.
لم يعد التقارب بين حفتر وأنقرة، في هذا السياق، تهديدا تنظر إليه القاهرة بقلق منعزل، بل عنصرا يندرج ضمن مصالحة إقليمية أشمل تعيد صياغة موازين القوى في شرق المتوسط بأكملها.
يرى مراقبون إقليميون أن تنسيقا متزايدا بين القاهرة وأنقرة في الملف الليبي قد يُضعف تدريجيا موقع الفاعلين غير النظاميين الذين استفادوا لسنوات من غياب أي سلطة مركزية موحدة، من مجموعات المرتزقة الروس إلى القوات المدعومة من الإمارات. غير أن هذا التقييم يبقى استشرافيا أكثر منه واقعا مؤكدا، إذ لم تنسحب هذه القوى بعد من الأراضي الليبية، ولا تزال موازين النفوذ في الداخل الليبي معقدة ومتشابكة بين أطراف محلية ودولية متعددة.
ماذا يعني هذا التقارب الثلاثي بالنسبة للجزائر والمغرب العربي؟
بالنسبة للجزائر، التي تتقاسم مع ليبيا حدودا صحراوية حساسة في الجنوب الشرقي، فإن أي تموضع عسكري تركي دائم قرب هذه المنطقة يحمل دلالة مباشرة على توازنات الأمن الإقليمي. ويحذر الباحث الليبي في الشأن الأمني فيصل بوعريقة من أن أي وجود عسكري تركي دائم قرب الحدود المصرية أو الجزائرية سيتجاوز خطا أحمر، على حد تعبيره، ويزيد من الحساسيات الإقليمية القائمة، وإن كان هذا التقييم يبقى تحليلا فرديا لم تؤكده مصادر رسمية جزائرية أو تركية حتى الآن. في المقابل، يشير الباحث ذاته إلى أن قواعد تركية محتملة في جنوب ليبيا، بعيدا عن الحدود المصرية، لا تهدد القاهرة، بل قد تسهّل تنسيقا مشتركا لمواجهة التهديدات الأمنية في منطقتي الساحل والصحراء، وهي منطقة تعنى بها الجزائر مباشرة بحكم انخراطها التاريخي في ملفات مالي والنيجر.
هذا البعد الجنوبي يهم الجزائر بقدر ما يهم مصر: فاستقرار الشريط الحدودي الليبي، أو على العكس تفاقم انفلاته الأمني، ينعكس مباشرة على مسارات تهريب السلاح والهجرة غير النظامية التي تعبر جنوب شرق الجزائر، وعلى الأمن الطاقي في منطقة تضم حقولا نفطية وغازية مشتركة الحدود. كما أن ترسيخ أنقرة لنفوذها البحري في شرق المتوسط عبر مذكرة 2019 يعيد فتح نقاش قديم حول ترسيم الحدود البحرية في المنطقة، وهو ملف تتابعه الجزائر عن كثب بحكم مصالحها الغازية في الحوض المتوسطي الغربي.
ما الذي يجب مراقبته في الأشهر المقبلة؟
يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان التنسيق الثلاثي بين أنقرة والقاهرة وبنغازي كفيلا بتقليص نفوذ الفاعلين غير النظاميين الذين استغلوا لسنوات الفراغ الأمني في ليبيا. سيحدد مسار الاجتماعات المقبلة للجنة العسكرية المصرية التركية المشتركة، وتقدّم مفاوضات مشروع كاآن، ووتيرة تنفيذ عقد الحدود مع شركة إكتكنيك، وأي رد فعل رسمي من الجزائر أو تونس، ملامح المرحلة المقبلة من إعادة التموضع الإقليمي في شمال إفريقيا.
الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا التقارب الثلاثي قادرا فعلا على كبح الفوضى الأمنية في ليبيا، أم أنه سيبقى ترتيبا هشا رهين توازنات إقليمية سريعة التبدل.
المصادر
- الجزيرة (بالإنجليزية) – Turkiye and Libya’s Haftar are boosting military ties. Is Egypt worried?
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/20/turkiye-and-libyas-haftar-are-boosting-military-ties-is-egypt-worried – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - ليبيا ريفيو (Libya Review) – Libyan Army & Turkey Sign Deal for Integrated Land Border Security System
https://libyareview.com/66989/libyan-army-turkey-sign-deal-for-integrated-land-border-security-system/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - ذا نيو أراب (The New Arab) – Egypt, Turkey deepen defence ties in high-level talks
https://www.newarab.com/news/egypt-turkey-deepen-defence-ties-high-level-talks – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - المجلس الأطلسي (Atlantic Council) – As Ankara rethinks its Libyan policy, the Haftar family stands to gain
https://www.atlanticcouncil.org/content-series/ac-turkey-defense-journal/as-ankara-rethinks-its-libyan-policy-the-haftar-family-stands-to-gain/ – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026 - ذا أراب ويكلي (The Arab Weekly) – Strategic shift as Egypt prepares to join Turkey’s KAAN stealth fighter project
https://www.thearabweekly.com/strategic-shift-egypt-prepares-join-turkeys-kaan-stealth-fighter-project – تاريخ الاطلاع: 22 يوليو 2026
أحمد ناصر



