وثيقة تاريخية بلا رتوش
لا ينتمي كتاب «شاهد على اغتيال الثورة» للمجاهد والقيادي السابق في الولاية الرابعة التاريخية، الرائد لخضر بورقعة (إعداد وتحرير: الصادق بخوش، وصادر عن دار الأمة)، إلى فئة المذكرات التي تستهدف إعادة تلميع التاريخ أو صناعة البطولات الأسطورية. إنه شهادة حية تُعنى بتشريح الوقائع كما شهدها رجل خاض معارك الثورة التحريرية في قلب الميدان، قبل أن يجد نفسه في مواجهة صدمة التدافع السياسي على السلطة غداة الاستقلال.
تكتسب هذه الشهادة قيمة تاريخية مضاعفة كونها تصدر عن قائد عسكري عاش تفاصيل العمل المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، وعاين عن قرب القطيعة التي تشكلت تدريجيًا بين قيادة الداخل المرابطة في الجبال وقيادة الخارج المتمركزة خلف الحدود.
صمود الولاية الرابعة و«مخطط شال»
يفرد الكتاب مساحة واسعة لتوثيق واحدة من أعنف المراحل العسكرية للثورة الجزائرية، حيث واجهت الولاية الرابعة (التي تضم منطقة الجبال الوسطى والمجال القريب من العاصمة) العملية العسكرية الشاملة المعروفة بـ«مخطط شال».
ويرسم بورقعة تفاصيل يومية المعاناة تحت وطأة عمليات «التاج» و«الحزام»، مشيرًا إلى لجوء الجيش الفرنسي إلى أساليب حرب الإبادة والتخريب؛ من تسميم مصادر المياه إلى فخاخ الذخيرة التفجيرية. وفي ظل الحصار الخانق وغياب الإمدادات الخارجية، استعرض المؤلف كيف اضطرت الولاية إلى ابتكار نموذج ذاتي للتسيير، اعتمد على التمويل الشعبي، وإدارة القضاء والموارد المحلية لتأمين الاستمرارية.
كما يتوقف النص عند شهادات إنسانية ومواقف مفصلية لرموز الثورة؛ مثل عبان رمضان الذي أكد في إحدى الاجتماعات أن قوة الثورة تتجلى في تنظيمها وانضباطها قبل التسلح، ومصطفى بن بولعيد، والعربي بن مهيدي.
شرخ 1962 والصراع على شرعية الحكم
تتجلى القيمة السجالية للكتاب في فصله الثاني، الذي يفتح ملف «أزمة صيف 1962». يصف بورقعة بمرارة لحظات الدخول إلى العاصمة والتحول الحاد من مواجهة المحتل إلى مواجهة الأخوة الأعداء، عقب تقدم «جيش الحدود» بقيادة أركان القوات المسلحة نحو العاصمة لإزاحة الحكومة المؤقتة وفرض الخيارات السياسية الجديدة.
يتطرق الكتاب بشجاعة إلى التصدعات التي أعقبت ذلك، من تأسيس جبهة القوى الاشتراكية عام 1963 برفقة حسين أيت أحمد كمحاولة لمعارضة أحادية القرار، وصولاً إلى محاولة الانقلاب التي قادها العقيد طاهر زبيري عام 1967. وهي المحطات التي أدت إلى اعتقال بورقعة عام 1968، حيث تعرض للتعذيب وقضى سبع سنوات ونصف في السجن الفردي قبل الإفراج عنه عام 1975.
قراءة لمستقبل يستحضر الماضي
يقدم «شاهد على اغتيال الثورة» مادة دسمة للباحثين والمشغوفين بتاريخ المغارب العربي الحديث. إنه كتاب يتجاوز السرد السيري التقليدي ليطرح أسئلة جوهرية حول إدارة الأزمات الوطنية، والفرق بين الشرعية الثورية والشرعية السياسية، وكيف يمكن لشهادات الفاعلين المباشرين أن تفتح آفاقًا جديدة لقراءة التاريخ البعيد عن القراءات الرسمية المعبأة.
هيئة التحرير – جريدة الأحرار



