الرئيسيةمرصدالتحقق من المعلوماتلماذا تنتشر الأخبار الكاذبة في الجزائر وتونس بلغة مختلطة؟

لماذا تنتشر الأخبار الكاذبة في الجزائر وتونس بلغة مختلطة؟

كشفت دراسة أكاديمية فرنسية حديثة أن الأخبار الكاذبة المتداولة في الجزائر وتونس تحقق انتشاراً أوسع حين تُصاغ بمزيج من العربية الفصحى والدارجة والفرنسية والعربيزي. النتائج، المستمدة من قاعدة بيانات ضخمة رصدت آلاف المنشورات على مدى أكثر من عقد، تُظهر أن التنقل بين اللغات لم يعد مجرد سمة ثقافية للفضاء الرقمي المغاربي، بل أداة فعّالة لتضخيم التفاعل وتعقيد مهمة التحقق من المعلومات.

نشر فريق بحثي من مختبر لوريا (Loria) التابع لجامعة لورين في فرنسا، بقيادة الباحث كمال اسماعيلي، ورقة بحثية جديدة في مايو 2026 على منصة أرخايف (arXiv) تحت عنوان “بوتيف: قاعدة بيانات متعددة اللغات للأخبار الكاذبة في شمال أفريقيا، اللغة كسلاح”. وبحسب الورقة، تستند الدراسة إلى قاعدة بيانات تجمع سرديات كاذبة وأخرى موثوقة، إلى جانب تعليقات مستخدمين ومواد تحقق صادرة عن جهات متخصصة في تفنيد الشائعات، بهدف تحليل كيفية انتشار التضليل في الجزائر وتونس. وما يستشفّ من هذه المقاربة اللغوية هو أن تعدد الألسنة في الفضاء الرقمي المغاربي، الذي طالما اعتُبر ثراءً ثقافياً، يتحول هنا إلى ثغرة تقنية يستغلها ناشرو التضليل لتوسيع مدى وصول رسائلهم.

ثلاثة آلاف وستمئة منشور جُمعت من أربع منصات رقمية

يعود أصل هذه القاعدة إلى نسخة أولى قدّمها الفريق نفسه سنة 2024، تحت اسم “بوتيف” أيضاً، ضمّت أكثر من 3600 منشور كاذب جُمعت من فيسبوك وإكس (تويتر سابقاً) ويوتيوب وتيك توك، وتغطي الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2024. وخُصص لكل منشور 16 خاصية توثيقية، بينها المنصة والتاريخ والموضوع، إلى جانب نظام تصنيف يضم 40 فئة مستوحى من التصنيف المرجعي الذي وضعته الباحثة كلير واردل للتمييز بين أنواع المعلومات المضللة.

في السياق ذاته، لم يقتصر عمل الفريق على جمع المنشورات الكاذبة فحسب، بل أضاف إليها سرديات صحيحة ومواد تفنيد صادرة عن منصات متخصصة تعمل في الجزائر وتونس، من قبيل “فايك نيوز دي زد” و”فالسو” و”تونيزيا تشيك نيوز”. غير أن الإصدار الموسّع الذي نُشر في 2026 يذهب أبعد من مجرد التوثيق، إذ يقدّم تحليلاً كمّياً ونوعياً لأنماط الخطاب المستخدمة في هذه المنشورات، وللديناميكيات التي تحكم تفاعل الجمهور معها.

تسع صيغ لغوية داخل قاعدة بيانات واحدة

ما يميز “بوتيف” عن قواعد بيانات مماثلة هو تعدد صيغه اللغوية. فبحسب تفصيل نشره الباحثون، تصنَّف المنشورات ضمن تسع فئات: العربية الفصحى، الفرنسية، الإنجليزية، الدارجة الجزائرية، العربيزي الجزائري (أي الدارجة مكتوبة بحروف لاتينية)، الدارجة التونسية، العربيزي التونسي، الفصحى المكتوبة بالعربيزي، وأخيراً فئة المزج اللغوي التي تجمع أكثر من صيغة داخل المنشور الواحد.

هذا التنوع ليس تفصيلاً تقنياً بقدر ما هو انعكاس لواقع لغوي معقد. فمستخدمو الشبكات الاجتماعية في الجزائر وتونس يكتبون غالباً دون التقيد بقواعد نحوية ثابتة، وينتقلون بحرية بين الفصحى والدارجة والفرنسية داخل الجملة الواحدة أحياناً، ما يجعل رصد الأخبار الكاذبة وتصنيفها آلياً مهمة أكثر تعقيداً من نظيرتها في اللغات ذات الصيغة الموحدة.

الفصحى تفتح الباب والدارجة تؤمّن الانتشار

من أبرز النتائج التي توصل إليها الفريق أن العربية الفصحى تبقى اللغة الأكثر استخداماً في صياغة الأخبار الكاذبة الأولية، وهو ما يفسره الباحثون برغبة ناشري التضليل في ضمان فهم واسع للرسالة عبر مختلف شرائح الجمهور الناطق بالعربية، داخل الجزائر وتونس وخارجهما. غير أن هذا الاختيار لا يكفي وحده لضمان الانتشار الواسع.

بحسب الدراسة، تلعب الدارجة والعربيزي دوراً حاسماً في المرحلة التالية من دورة حياة المنشور، أي عند إعادة التداول والتعليق. فالتعليقات والردود التي تصاحب المنشورات الكاذبة تميل أكثر إلى استخدام الدارجة أو صيغ الترجيح والمزج اللغوي، وهو ما يمنحها طابعاً أقرب إلى الحديث اليومي، ويزيد من قابليتها للمشاركة بين المستخدمين.

العناوين العاطفية ومزج اللغات يرفعان معدل التفاعل

يخلص التحليل الإحصائي الذي أجراه الفريق إلى وجود ارتباط واضح بين الفئات الموضوعية للمنشورات ودرجة صحتها من عدمها، إضافة إلى علاقة قوية بين مستوى تفاعل الجمهور ومدى ظهور المحتوى الكاذب في تدفقات الأخبار. وبحسب النتائج، تعتمد الأخبار الكاذبة بشكل كبير على سرديات مشحونة عاطفياً وصياغات مثيرة، إلى جانب ممارسات لغوية هجينة تعزز انتشارها وتفاعل الجمهور معها.

في المقابل، تتبنى محتويات التفنيد أسلوباً أكثر التزاماً بالوقائع وأقل اعتماداً على الإثارة، وهو ما يضعها، بحسب الدراسة، في موقع أضعف من حيث القدرة على المنافسة على انتباه المستخدمين. كما رصد الفريق فوارق بين الجزائر وتونس في أنماط هذا التضليل، تعكس، حسب الورقة البحثية، خصوصيات اجتماعية وسياسية لكل بلد، رغم اشتراكهما في الديناميكيات اللغوية العامة نفسها.

تمويل فرنسي رسمي في مشروع وصفه الباحثون بـ”حرب من نوع جديد”

يندرج هذا العمل ضمن مشروع بحثي أوسع يحمل اسم “ترادف”، يحظى بتمويل من الوكالة الوطنية الفرنسية للبحث، وكذلك من وكالة الابتكار الدفاعي التابعة لوزارة الجيوش الفرنسية. ويصف الباحثون في أوراق سابقة هذا النوع من التضليل الرقمي بأنه شكل من أشكال “حرب الجيل الرابع”، التي تستهدف فئات مدنية عبر استغلال الشبكات الاجتماعية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

على صعيد التطبيقات العملية، استُخدمت قاعدة “بوتيف” بالفعل في أبحاث لاحقة لتطوير نماذج آلية لكشف الأخبار الكاذبة باللهجات المغاربية، من بينها نموذج يجمع بين أداتي “أرابرت” و”داريجابرت” ويعتمد دالة خسارة جديدة لتحسين الاتساق بين النموذجين. وأظهرت هذه التجربة تحسناً ملحوظاً في دقة الكشف مقارنة بالنماذج الفردية، وفق ما نشرته مجموعة الباحثين المعنية بهذا التطوير.

يبقى مشروع “ترادف” مفتوحاً أمام الباحثين المهتمين بمعالجة اللغة الطبيعية والمشتغلين على قضايا التضليل الرقمي في شمال أفريقيا، فيما لم يُعلن الفريق بعد عن موعد نشر النسخة الكاملة من الورقة البحثية التي صدر ملخصها في مايو 2026، ولا عن الحجم النهائي للقاعدة المحدّثة.


المصادر

  1. أرخايف (arXiv) – Kamel Smaili وآخرون، “BOUTEF: A Multilingual Corpus for FakeNews in North Africa – Language as a Weapon”
    https://arxiv.org/abs/2606.00193 – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  2. أرشيف هال المفتوح (HAL) – “BOUTEF: Bolstering Our Understanding Through an Elaborated Fake News Corpus”، المؤتمر الدولي الثامن لمعالجة اللغة العربية، الرباط، 2024
    https://hal.science/hal-04578297 – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  3. الوكالة الوطنية الفرنسية للبحث (ANR) – صفحة مشروع “ترادف: تتبع وكشف الأخبار الكاذبة والتزييف العميق على الشبكات الاجتماعية العربية”
    https://anr.fr/Project-ANR-22-ASGC-0003 – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
  4. مؤتمر CSIT (AIRCC) – “Boosting Fake News Detection in Arabic Dialects” (دراسة تطبيقية اعتمدت قاعدة بوتيف)
    https://aircconline.com/csit/papers/vol15/csit151803.pdf – تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026

سارة خليل

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
spot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة