في 14 مارس 2026، أشرفت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري على تنصيب اللجنة الوطنية لحماية الغابات لموسم 2026، بحضور المدير العام للغابات والمدير العام للحماية المدنية والمندوب الوطني للمخاطر الكبرى. خلال الاجتماع، عُرضت حصيلة حرائق 2025 إلى جانب مخطط الوقاية والمكافحة الجديد، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية. اللجنة تضم 27 عضوا يمثلون 14 قطاعا و13 مؤسسة وهيئة، وهي تُفعَّل سنويا كإجراء تنظيمي يسبق موسم الحرائق.
من التذكير السنوي إلى الاستشعار المبكر
لسنوات طويلة، اختُزلت مقاربة الجزائر لحرائق الغابات في الاستجابة السريعة بعد اندلاع النيران: طائرات تُستأجر في اللحظة الأخيرة، وأرتال متنقلة تُرسَل نحو البؤر، وحصائل يومية تُعلَن مساء كل يوم صيفي. الفارق الذي يحاول مخطط 2026 إحداثه لا يقاس بعدد الطائرات المستأجرة وحده، بل بقدرة الأجهزة المعنية على رصد البؤرة الأولى ومنعها من التحول إلى كارثة قبل أن تستدعي أي تدخل جوي أصلا. هذا التمييز بين إدارة الحريق بعد اندلاعه وإدارة المخاطر التي تسبقه هو ما يفسر توسّع الاستثمار في التكنولوجيا والمراقبة على حساب المقاربة الكلاسيكية القائمة على الإطفاء فقط.
510 برجا و35 مسيّرة: هندسة الإنذار المبكر
على مستوى الرصد، أوضح مدير حماية الحيوانات والنباتات بالمديرية العامة للغابات، السعيد سي علي، في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية نقلته صحيفة الشروق أونلاين، أن حملة 2025-2026 تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة للكشف المبكر عن الحرائق، مع 35 طائرة قيد الخدمة حاليا واقتناء وشيك لـ80 طائرة إضافية. ويُضاف إلى هذا الأسطول نظام مراقبة أرضي يضم 510 أبراج منصوبة في المناطق الغابية، تضمن الإنذار المبكر والتنسيق المباشر مع فرق التدخل. من جهته، كشف وزير الفلاحة ياسين المهدي وليد اعتماد 140 طائرة دون طيار لرصد الحرائق مبكرا بالتعاون مع وكالة الفضاء الجزائرية، وهو رقم أعلى مما ذكرته مصادر أخرى في القطاع نفسه، ما يستدعي توضيحا رسميا موحدا لعدد الأسطول الفعلي. وبحسب ما نقلته وكالة الأناضول عن المدير العام للغابات جمال طواهرية، فإن تنسيقا يوميا يجري بين مصالحه والأرصاد الجوية والوكالة الفضائية الجزائرية لرسم خرائط دقيقة للمناطق المعرضة للخطر، بالاستعانة بتقنيات الاستشعار عن بعد.
خنادق ومسالك: تنظيف الغابات قبل موسم الخطر
الوقاية لا تتوقف عند الرصد، بل تمتد إلى تهيئة المجال الغابي نفسه. فبحسب المصدر ذاته لوكالة الأناضول، تشمل الاستراتيجية إنشاء خنادق مضادة للحرائق وتحسين المسالك الغابية لتسهيل وصول فرق التدخل، إضافة إلى توسيع المراقبة عبر كاميرات حرارية ومسيّرات طوّرتها مؤسسات ناشئة محلية. هذه الإجراءات، وإن بدت تقنية بحتة، هي التي تحدد سرعة السيطرة على أي بؤرة قبل أن تتحول إلى حريق واسع في تضاريس وعرة يصعب على الفرق الأرضية بلوغها بسرعة.
من قوافل التحسيس إلى منع التخييم: إشراك المواطن
يمثل السلوك البشري، بحسب المديرية العامة للغابات، مصدر جزء كبير من الحرائق التي يمكن تفاديها، وهو ما دفع السلطات إلى تكثيف حملات التحسيس. فقد أطلقت مديرية الغابات والحزام الأخضر لولاية الجزائر قافلة تحسيسية للوقاية من حرائق الغابات، بحسب ما ذكرته صحيفة المساء، في إطار مخطط يدخل حيز التنفيذ من أول ماي إلى غاية 30 نوفمبر 2026، وهي الفترة التي تشهد أعلى مخاطر اندلاع الحرائق. كما فرضت السلطات منع التخييم داخل الفضاءات الغابية دون رخصة، بموجب قرار صادر عن وزير الفلاحة، ضمن تعزيز تدابير الحد من مسببات الحرائق. وفي ولاية الجزائر، تواصلت حملات التنظيف والتحسيس تحت شعار “صيف دون حرائق”، بمشاركة السلطات المحلية والأمنية ومحافظة الغابات، وفق ما رصدته المساء في غابة النخيل ببلدية باش جراح. هذا البعد التوعوي يهم أيضا شريحة من الجزائريين المقيمين في الخارج، إذ تتابع عائلات كثيرة من الجالية في فرنسا وأوروبا، وخصوصا تلك التي تملك عقارات أو أقارب في مناطق منكوبة تقليديا مثل تيزي وزو وبجاية وجيجل، حصيلة كل صيف بقلق مباشر.
اثنتا عشرة طائرة ودعم الجيش: الغطاء الجوي في الميدان
على صعيد التدخل الجوي، استأجرت الجزائر 12 طائرة من طراز AT-802 مخصصة لمكافحة حرائق الغابات، إلى جانب طائرات ومروحيات تابعة للجيش الوطني الشعبي، بحسب ما أوردته وكالة الأناضول ومنصة Ultra Algeria. وفي الميدان، شاركت طائرة من طراز BE200 وثلاث طائرات من طراز AT-802 في إخماد حريق غابة بمنطقة أولاد ميمون بولاية تلمسان منتصف يوليو 2026. أما على مستوى العنصر البشري، فقد جنّدت مصالح الحماية المدنية 20 ألف عون لمكافحة حرائق الغابات لموسم 2026، منهم 12 ألف عون موزعون عبر الوحدات الميدانية، بحسب تصريح لمسؤول بالمديرية العامة للحماية المدنية نقلته صحيفة الجزائر اليوم. وأكد وزير الداخلية إبراهيم مراد، بمناسبة الافتتاح الرسمي لموسم الاصطياف من ولاية تيزي وزو، أن سلك الحماية المدنية سيُدعَّم خلال 2026 بتوظيف 3 آلاف عون جديد، في إطار رفع الجاهزية الوطنية لمواجهة حرائق الغابات.
27 عضوا و14 قطاعا: من يدير من في الميدان؟
يبقى التنسيق المؤسسي أحد أضعف الحلقات تاريخيا في التعامل مع الحرائق، إذ سبق أن تعثرت صفقة سابقة لاقتناء طائرات من طراز “بيرياف” الروسية بسبب تداعيات الحرب في أوكرانيا، ما اضطر الجزائر إلى اللجوء لاستئجار أسطول بديل. اللجنة الوطنية لحماية الغابات لعام 2026، التي تضم ممثلين عن المديرية العامة للغابات والحماية المدنية والدرك الوطني ووزارات أخرى، أكدت خلال اجتماع تنصيبها ضرورة توسيع عضويتها وتحسين منهجية العمل ومستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين، وهو ما يشير ضمنيا إلى أن التنسيق بين 14 قطاعا لم يبلغ بعد المستوى المطلوب من الانسيابية رغم الإطار المؤسسي الموسّع.
4.7 مليون هكتار بحلول 2035: التشجير وتعويض المتضررين
بعد كل موسم حرائق، تنطلق حملات لإعادة التشجير في المناطق المنكوبة. ففي فبراير 2026، أطلقت جمعية “الجزائر الخضراء” بدعم حكومي حملة وطنية لزراعة خمسة ملايين شجيرة في يوم واحد، مع تركيز خاص على أشجار الأركان لدعم التنوع البيولوجي. وتؤكد وزارة الفلاحة أهمية اختيار الأصناف النباتية وفق مقاربة تراعي الأبعاد الاقتصادية والبيئية معا. أما على صعيد التعويضات، فقد أطلق الصندوق الوطني للتعاون الفلاحي في نوفمبر 2025 عملية تعويض المتضررين من حرائق الغابات الأخيرة، مستغلا المناسبة لتذكير الفلاحين بأهمية الاكتتاب في التأمين الفلاحي، بحسب ما نشرته صحيفة الخبر. غير أن آليات التعويض تبقى، بحسب مطالب متكررة من فلاحين محليين في مناطق منكوبة، غير كافية لتغطية بعض الأصناف الحساسة كأشجار الزيتون، ما يجعل هذا الجانب أقل تطورا مقارنة بورش التكنولوجيا والأسطول الجوي.
اختبار منتصف يوليو: حين تصطدم الخطة بالواقع
الرهان الحقيقي لهذا التحول لم يعد نظريا. فحتى 20 أوت 2025، بلغت المساحات المتضررة من حرائق الغابات في الجزائر نحو 2296 هكتارا، مقابل ما يقارب 2879 هكتارا خلال الفترة نفسها من 2024، أي تراجع بنسبة تقارب 20 بالمئة تعزوه المديرية العامة للغابات إلى أثر التدابير الوقائية المعتمدة. غير أن موسم 2026 يضع هذا التقدم أمام اختبار أشد قسوة. فبحلول الساعة الواحدة زوالا من الخميس 16 يوليو 2026، سجلت الحماية المدنية 62 حريقا مسّ الغابات والأدغال والأحراش والمحاصيل الزراعية عبر ولايات عدة، أُخمد منها 35 فيما تواصلت 26 بؤرة نشطة، توزعت أساسا على بجاية والبليدة وسعيدة وتلمسان وتيزي وزو، في وقت سجلت فيه درجات الحرارة القصوى ما بين 40 و48 درجة. وقبل ذلك بأيام قليلة، أحصت الحماية المدنية 114 حريقا في يوم واحد عبر مختلف ولايات الوطن، نجحت في إخماد 81 منها بدعم 12 طائرة مستأجرة وطائرات ومروحيات تابعة للجيش. هذا التزامن بين استثمار غير مسبوق في الوقاية وموجة حرائق مكثفة لا يُبطل التحول الذي تشهده المقاربة الجزائرية، لكنه يذكّر بأن الوقاية تقلّص حجم الكارثة ولا تُلغي الخطر كليا، خصوصا في ظل موجات حر تزداد حدة كل صيف.
الأشهر المقبلة، وتحديدا حتى نهاية مخطط 2026 في 30 نوفمبر، ستحدد ما إذا كان التراجع المسجل في مساحات الحرائق خلال 2025 يمثل بداية اتجاه مستقر، أم مجرد استثناء عابر أمام موسم وُصف مسبقا بأنه أكثر سخونة من سابقيه.
المصادر
- وكالة الأنباء الجزائرية (APS) — “تنصيب اللجنة الوطنية لحماية الغابات” — https://www.aps.dz/economie/agriculture-et-peche/mmqf3seu-تنصيب-اللجنة-الوطنية-لحماية-الغابات — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- الشروق أونلاين — “طائرات مسيّرة ووسائل تكنولوجية متقدمة للوقاية ومكافحة الحرائق” — https://www.echoroukonline.com/طائرات-مسيرة-ووسائل-تكنولوجية-متقدمة — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- وكالة الأناضول (AA) — “الجزائر تستأجر 12 طائرة وتُفعل مخططا جويا لمكافحة حرائق الصيف” — https://www.aa.com.tr/ar/الجزائر/الجزائر-تستأجر-12-طائرة-وتُفعل-مخططا-جويا-لمكافحة-حرائق-الصيف/3586029 — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- Ultra Algeria — “حرائق الغابات تتوسع في الجزائر.. 26 بؤرة لا تزال مشتعلة” — https://ultraalgeria.ultrasawt.com/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- الصحفي (alsahafi.dz) — “تراجع المساحات المتضررة من حرائق الغابات في الجزائر خلال 2025” — https://alsahafi.dz/2025/08/22/تراجع-المساحات-المتضررة-من-حرائق-الغا/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- الجزائر اليوم — “الحماية المدنية ترفع جاهزيتها لصيف 2026.. 20 ألف عون لمكافحة الحرائق” و”سعيود يؤكد حرص رئيس الجمهورية على دعم الحماية المدنية” — https://www.aljazairalyoum.dz/ — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- صحيفة المساء (el-massa.com) — “توعية المواطنين لتفادي اندلاع الحرائق في الغابات” — https://www.el-massa.com/dz/الأخيرة/توعية-المواطنين-لتفادي-اندلاع-الحرائق-في-الغابات — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
- صحيفة الخبر (elkhabar.com) — “انطلاق عملية تعويض المتضررين من حرائق الغابات الأخيرة” — https://www.elkhabar.com/societe/انطلاق-عملية-تعويض-المتضررين-من-حرائق-الغابات-الأخيرة-266651 — تاريخ الاطلاع: 17 يوليو 2026
يوسف عبد الله



