الرئيسيةالسياسةالعلاقات الدوليةالجزائر تترأس مجلس السلم الأفريقي: ما حدود الأجندة الفعلية؟

الجزائر تترأس مجلس السلم الأفريقي: ما حدود الأجندة الفعلية؟

اعتبارا من الأول من أغسطس 2026، تتولى الجزائر للمرة الثانية خلال عام واحد الرئاسة الدورية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، ببرنامج عمل يتمحور أساسا حول الساحل والسودان أكثر منه حول ليبيا. الرهان الفعلي لهذا الاستحقاق الشهري لا يكمن في البروتوكول المؤسسي، بل في قدرة الجزائر على تحويل مقعد الرئاسة إلى تأثير ملموس في أزمات تتجاوز، من الناحية العملية، صلاحيات الهيئة القارية نفسها.

يتولى المجلس، الذي يضم خمس عشرة دولة متساوية في حق التصويت، مهمة منع نشوب النزاعات ودعم جهود الوساطة وتنسيق الاستجابات الأفريقية للأزمات، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية ومصادر متخصصة في متابعة أعمال المجلس. تجلس الجزائر في هذه الهيئة كعضو منتخب منذ أبريل 2025، لولاية تمتد حتى 2028، وسبق لها أن تولت الرئاسة الدورية في أغسطس 2025. أما الرئاسة نفسها، فهي وظيفة تناوبية لا تمنح صاحبها أي سلطة تسوية، لكنها تتيح التحكم في جدول الأعمال وترتيب أولويات الملفات التي يتناولها المجلس خلال الشهر.

من البيان الرسمي إلى تسع جلسات فعلية

يتضمن برنامج العمل المؤقت للمجلس، بحسب مؤسسة “أماني أفريقيا” المتخصصة في متابعة أعمال المجلس، تسع جلسات جوهرية وزيارة ميدانية وقمة استثنائية، تعقد جميعها على مستوى السفراء. ومن بين هذه الجلسات التسع، لا تتعلق سوى جلستين مباشرة بملف نزاع محدد، هما تحديث حول وضع الساحل في 7 أغسطس، وإحاطة حول جنوب السودان في 26 أغسطس، فيما تخصص بقية الجلسات لمواضيع عامة واجتماعات تشاورية مع هيئات أفريقية أخرى، من بينها البرلمان الأفريقي واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. تفتتح الأشغال في 3 أغسطس بجلسة علنية حول التعليم في أوضاع النزاع، فيما تخصص جلسة 5 أغسطس لإحاطة فصلية من مجموعة الدول الأفريقية الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، وهو تقليد يعود إلى الندوة الرفيعة المستوى التي استضافتها الجزائر في وهران منذ 2013.

اختبار الساحل بعد القطيعة مع باماكو

يشكل ملف الساحل الاختبار الأكثر دلالة على مصداقية الرئاسة الجزائرية. فقد قطعت الجزائر علاقاتها مع باماكو نحو خمسة عشر شهرا، إثر إسقاط دفاعها الجوي طائرة مسيرة مالية في أبريل 2025، قبل أن تعلن العاصمتان في 10 يوليو 2026 عودة سفيريهما وإعادة فتح مجاليهما الجويين بشكل متبادل، فيما استقبل وزير الخارجية أحمد عطاف سفير مالي في 25 يوليو. غير أن هذا الانفراج لا يحسم مصير اتفاق السلم الموقع بالجزائر عام 2015، الذي نقضته باماكو في يناير 2024، وستكون جلسة 7 أغسطس أول نقاش يترأسه الجزائريون حول الساحل داخل المجلس منذ التطبيع مع باماكو. وتفيد تحليلات “أماني أفريقيا” بأن جماعتي “نصرة الإسلام والمسلمين” و”داعش في الساحل” باتتا تسيطران مجتمعتين على مساحة تفوق ما كانتاه في أي مرحلة منذ أزمة مالي عام 2012، مع اعتماد الجماعة الأولى على مزيج من الهجمات وتقديم خدمات إدارية في المناطق التي تسيطر عليها.

السودان الميداني وليبيا الغائبة عن الجدول

يبرمج المجلس زيارة ميدانية إلى السودان يومي 16 و17 أغسطس، تعقب زيارة سابقة ليوم واحد إلى بورتسودان في أكتوبر 2024، في وقت لا يزال فيه الصراع السوداني عصيا على وساطات متعاقبة. أما ليبيا، رغم حضورها في عنوان توقعات كثيرة حول الرئاسة الجزائرية، فلا تظهر ضمن الجلسات التسع الرسمية للشهر. الجزائر شاركت، إلى جانب مصر وتونس، في لقاء استضافته تونس في 26 يناير 2026 حول مستقبل ليبيا، بحضور المبعوثة الأممية حنا تيتيه، لكن دون حضور أي طرف ليبي، ما أثار استياء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس. ومنذ ذلك التاريخ، تتقدم التسوية الليبية أساسا عبر مسارات دولية موازية، بين الحوار المهيكل الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة والوساطة الأمريكية التي أعلن عنها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية ماساد بولس في مايو 2026، وصولا إلى اتفاق السلطتين المتنافستين في يونيو على خارطة طريق انتخابية موحدة مقررة في 17 فبراير 2027.

ثقل دبلوماسي يصطدم بعجز التمويل القاري

ما تكشفه هذه الرئاسة الشهرية ليس غياب إرادة جزائرية، بل الفجوة المتكررة بين حجم المنصب الدبلوماسي وحجم الأدوات القارية المتاحة فعليا لتفعيله. فبحسب إحاطة أصدرتها مجموعة الأزمات الدولية في فبراير 2026، لا تطبق سوى 17 دولة من أصل 55 دولة عضوا في الاتحاد الأفريقي اقتطاع 0.2 بالمئة على الواردات المخصص لتمويل صندوق السلام القاري، فيما لا يزال الشركاء الدوليون يمولون 64 بالمئة من ميزانية الاتحاد الإجمالية البالغة نحو 700 مليون دولار. وفي المقابل، تحرص الجزائر على منح هذا الحضور المؤسسي محتوى ماديا موازيا، عبر شراكات طاقوية تنفذها شركة سوناطراك في السنغال وتشاد، من بينها اتفاقية تكوين مع “بتروسن” السنغالية وتزويد نجامينا بأول شحنة غاز بترولي مسال في مايو 2026، إضافة إلى محطة كهربائية بقدرة 40 ميغاواط منحتها الجزائر لتشاد. غير أن هذا الوزن الاقتصادي المتنامي لا يمحو، بحسب تحليل نشره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، الأثر الذي خلفته سنوات العشرية السوداء وحراك 2019 على القدرة الدبلوماسية الجزائرية، مشيرا إلى تساؤلات حول شرعية الرئيس عبد المجيد تبون وتوترات معقدة بين الرئاسة وقيادة الجيش وأجهزة الاستخبارات، ومستشهدا بإبعاد وزير الخارجية الأسبق رمطان لعمامرة عام 2023 كمؤشر على هذه التحولات.

الشرعية الداخلية في خلفية الطموح القاري

يتزامن هذا الاستحقاق القاري مع سياق داخلي لا يخلو من تناقض ظاهري. فقد سجلت التشريعيات الجزائرية التي جرت في 2 يوليو 2026 نسبة مشاركة نهائية بلغت 21.24 بالمئة داخل الوطن و10.75 بالمئة لدى الجالية في الخارج، وهي الأدنى في تاريخ الاستحقاقات التشريعية بالبلاد، فيما تصدر حزب جبهة التحرير الوطني النتائج بـ90 مقعدا من أصل 407. وقبيل الاقتراع، نددت أحزاب معارضة، من بينها التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجيل جديد وحركة مجتمع السلم، برفض السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عددا من قوائم مرشحيها، معتبرة ذلك، بحسب بيانات صادرة عنها، تضييقا متعمدا على التعددية السياسية. هذا التزامن بين تراجع تاريخي في المشاركة الانتخابية وتصدر الجزائر واجهة دبلوماسية قارية يطرح، من وجهة نظر مراكز بحثية مثل المعهد الإيطالي المذكور، سؤالا لم يحسم بعد: هل يعوض النشاط الخارجي المكثف عن أسئلة الشرعية الداخلية، أم أن الفجوة بين الساحتين مرشحة للاتساع مع مرور الوقت؟

لواندا في نهاية الشهر: من الإعلان إلى الإنجاز

يختتم البرنامج بقمة استثنائية للاتحاد الأفريقي في لواندا يومي 29 و30 أغسطس، مخصصة لتعزيز آليات منع النزاعات وتسويتها، تنفيذا لقرار اتخذته قمة الاتحاد في فبراير 2026 باعتبارها محطة عمل ذات نتائج ملموسة ومحددة زمنيا، لا مجرد منتدى تصريحي. ستكون هذه القمة، أكثر من أي جلسة أخرى خلال الشهر، المعيار الذي سيقاس به ما إذا كانت الرئاسة الجزائرية قد نجحت في تجاوز البيان المؤسسي نحو نتائج قابلة للتتبع في الأشهر المقبلة.


المصادر

  1. أماني أفريقيا (Amani Africa) – برنامج العمل المؤقت لمجلس السلم والأمن لشهر أغسطس 2026
    https://amaniafrica-et.org/provisional-programme-of-work-of-the-peace-and-security-council-for-august-2026/ – consulté le 2 août 2026
  2. أفريك.كوم (Afrik.com) – Union africaine : l’Algérie va présider le Conseil de paix et de sécurité en août 2026
    https://www.afrik.com/union-africaine-l-algerie-va-presider-le-conseil-de-paix-et-de-securite-en-aout-2026 – consulté le 2 août 2026
  3. وكالة الأنباء الأفريقية (APAnews) – L’influence diplomatique de l’Algérie en recul (institut ISPI)
    https://fr.apanews.net/diplomacy/linfluence-diplomatique-de-lalgerie-en-recul-institut/ – consulté le 2 août 2026
  4. فرانس 24 (France 24) – Législatives en Algérie : une abstention historique, le FLN en tête
    https://www.france24.com/fr/afrique/20260706-l%C3%A9gislatives-alg%C3%A9rie-abstention-historique-fln-en-t%C3%AAte – consulté le 2 août 2026
  5. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) – Sept priorités pour la paix et la sécurité en Afrique en 2026
    https://www.crisisgroup.org/fr/brf/africa/b209-seven-peace-and-security-priorities-africa-2026 – consulté le 2 août 2026
  6. جون أفريك (Jeune Afrique) – À Tunis, une rencontre sur l’avenir de la Libye… sans les Libyens
    https://www.jeuneafrique.com/1759835/politique/a-tunis-une-rencontre-sur-lavenir-de-la-libye-sans-les-libyens/ – consulté le 2 août 2026

يوسف عبد الله

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

يوسف عبد الله
يوسف عبد اللهhttps://alahrar.net/
يوسف عبد الله صحفي اقتصادي يتابع قضايا الأسواق والطاقة والاستثمار وريادة الأعمال والتنمية المستدامة. يهتم بتحليل المؤشرات الاقتصادية وشرح أثر القرارات المالية في الشركات والأسر والمجتمعات، كما يتابع التحولات المرتبطة بالطاقة النظيفة والأمن الغذائي والمياه. يحرص في كتاباته على تقديم الأرقام في سياق واضح، بعيداً عن المصطلحات المعقدة والمبالغة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة