عبّر الرئيس تبون عن موقفه هذا خلال لقائه الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، الذي بُث مساء الاثنين 27 يوليو/تموز على القنوات التلفزيونية والإذاعية العمومية، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الجزائرية (APS). وأكد أن الاتفاق، الذي أُبرم في ظرف اقتصادي مختلف تماما تهيمن فيه صادرات المحروقات على معظم موارد البلاد، لم يعد يعكس واقع اقتصاد جزائري بات أكثر تنوعا. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يثير فيها الرئيس هذا الملف: ففي 26 يناير/كانون الثاني 2025، كان قد أمر خلال اجتماع لمجلس الوزراء بمراجعة بنود الاتفاق “بندا بندا”، وفق “رؤية سيادية ومقاربة رابح-رابح”.
ما الذي قاله الرئيس تبون بالضبط؟
استشهد الرئيس تبون بمثال قطاع الإسمنت لتوضيح حجم التحول الذي شهده الاقتصاد الوطني منذ توقيع الاتفاق، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية. فبعدما كانت الجزائر تستورد نحو 3 ملايين طن من الإسمنت سنة 2016، تجاوزت طاقتها الإنتاجية اليوم 40 مليون طن، وهو ما يجعلها، في نظره، مؤهلة لتصدير هذه المادة بدل استيرادها. ويسري المنطق ذاته، بحسب مصادر متطابقة، على قطاعات أخرى شهدت تحولا مماثلا خلال العقد الأخير، من الصادرات الزراعية والغذائية إلى المنتجات المنجمية ومواد البناء الصناعية، وهي سلع لم تكن تشغل حيزا يُذكر في الميزان التجاري الجزائري وقت التوقيع على الاتفاق. وشدد على أن مراجعة الاتفاق لا تنبع من خلاف مع الشريك الأوروبي، بل تهدف، بحسب بلاغ صادر عن مجلس الوزراء، إلى “دعم العلاقات الجيدة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي كشريك اقتصادي على أساس مبدأ رابح-رابح”. وفي موازاة ذلك، دعا الرئيس إلى إعادة تفعيل مجلس الشراكة الجزائري الأوروبي، الهيئة المكلفة بمتابعة تطبيق الاتفاق، والتي لم تجتمع منذ ديسمبر/كانون الأول 2020. وفي تعليقات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية عن عدد من الاقتصاديين، اعتُبرت هذه المراجعة خطوة ضرورية لبناء شراكة متوازنة ومستدامة تأخذ بعين الاعتبار المصالح المشتركة للطرفين، مع التركيز على تهيئة بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمارات الأوروبية في قطاعات حيوية كالبحث العلمي والتعليم والبنية التحتية التكنولوجية.
اتفاق وُلد في سياق مختلف تماما عن اليوم
وُقّع اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي عام 2002 ودخل حيز التنفيذ عام 2005، في مرحلة كانت الجزائر لا تزال فيها تتعافى تدريجيا من العشرية السوداء، وتسعى إلى كسر العزلة الدبلوماسية التي فرضتها سنوات الأزمة الأمنية، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الجزائرية نقلا عن تصريحات الرئيس. وكان الاتفاق آنذاك بمثابة نافذة لإعادة الاندماج في المحيط الدولي أكثر منه أداة توازن اقتصادي. غير أن العقدين اللذين تليا لم يفيا، بحسب الجانب الجزائري، بوعود التكامل التجاري: فقد ظل الميزان التجاري خارج قطاع المحروقات مختلا لصالح الطرف الأوروبي طيلة هذه الفترة. وتشير تقديرات نشرتها صحيفة المجاهد إلى أن الجزائر فوّتت على نفسها أكثر من 700 مليار دينار من الإيرادات الجمركية خلال العقد الأول من تطبيق الاتفاق وحده، وهو رقم يحتاج إلى تدقيق إضافي من مصادر مؤسسية أخرى.
أوروبا مقتنعة جزئيا، لكنها تطرح شروطها الخاصة
لا تبدو بروكسل رافضة لمبدأ المراجعة، إذ أبدت في وقت سابق استعدادا لإعادة النظر في الاتفاق شريطة أن تُؤخذ بعين الاعتبار “المعطيات الجيوسياسية” و”السياق العالمي الجديد”، وفق مصادر مطلعة على الملف. لكن الاتحاد الأوروبي يملك بدوره تحفظاته: ففي يونيو/حزيران 2024، فتح إجراء لتسوية النزاعات ضد الجزائر، متهما إياها بتقييد وصول المنتجات الأوروبية إلى سوقها الداخلية. وبهذا المعنى، فإن المراجعة المرتقبة ليست مطلبا أحادي الجانب، بل مسارا تتقاطع فيه شكاوى الطرفين: الجزائر تطالب بتوازن تجاري وانفتاح أكبر على السوق الأوروبية لمنتجاتها غير المحروقاتية، بينما تطالب أوروبا بمزيد من التيسير لولوج منتجاتها هي إلى السوق الجزائرية.
زخم دبلوماسي يسبق الملف الاقتصادي
يأتي هذا التصعيد اللفظي المتحكم فيه في سياق دبلوماسي نشط: فقد أفادت ObservAlgérie أن الجزائر كثّفت اتصالاتها مع عدة عواصم أوروبية، من بينها إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، بهدف تعميق التعاون في قطاعات الطاقة والصناعة والاستثمار والتجارة. وخلال الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر يوم 20 يوليو/تموز، أشار الرئيس تبون إلى أن إسبانيا، بحكم موقعها داخل الاتحاد الأوروبي، تلعب “دورا إيجابيا” في تحقيق توازن أفضل للعلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد، وتسهم في إعادة تفعيل مجلس الشراكة. هذا التقارب الثنائي المتصاعد مع عدة عواصم أوروبية يمنح الجزائر، بحسب محللين، هامش مناورة إضافيا في مفاوضاتها المرتقبة مع بروكسل ككتلة موحدة. وبالنسبة للمصدّرين الجزائريين خارج قطاع المحروقات، فإن أي تعديل فعلي لبنود الاتفاق قد يعني تسهيلات جمركية أوسع لولوج السوق الأوروبية، وهو ما تنتظره منذ سنوات شركات محلية في قطاعي الإسمنت والحديد والصلب على وجه الخصوص.
ما الذي يمكن ترقبه في الأشهر المقبلة؟
لم يُحدَّد بعد أي جدول زمني رسمي لإعادة عقد اجتماع مجلس الشراكة الجزائري الأوروبي، ولا لبدء مفاوضات مراجعة الاتفاق بندا بندا كما أمر بها الرئيس تبون. كما أن مسار تسوية النزاع الذي فتحه الاتحاد الأوروبي في يونيو/حزيران 2024 لا يزال بدوره دون حسم معلن. وستكون وتيرة الاتصالات الثنائية مع مدريد وروما وبرلين، إلى جانب موقف المفوضية الأوروبية الرسمي، مؤشرات أولى على ما إذا كانت هذه المراجعة ستتحول من تصريحات متكررة إلى مسار تفاوضي فعلي خلال الأشهر المقبلة.
المصادر
- وكالة الأنباء الجزائرية APS – الرئيس تبون يشدد على أهمية مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي
رابط: https://www.aps.dz/economie/182088-algerie-ue-la-revision-de-l-accord-d-association-sur-une-base-gagnant-gagnant-reequilibrera-les-relations-economiques-entre-les-deux-parties – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس/آب 2026 - ObservAlgérie – مراجعة اتفاق الشراكة: الجزائر تضغط على الاتحاد الأوروبي
رابط: https://observalgerie.com/2026/07/23/economie/revision-de-laccord-dassociation-lalgerie-met-la-pression-sur-lue – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس/آب 2026 - Algérie-Eco – الرئيس تبون يشدد على أهمية مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي
رابط: https://algerie-eco.com/2026/07/28/le-president-tebboune-souligne-limportance-de-la-revision-de-laccord-dassociation-avec-lue/ – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس/آب 2026 - صحيفة المجاهد (El Moudjahid) – اتفاق الشراكة الجزائر-الاتحاد الأوروبي: مراجعة النص باتجاه شراكة رابحة للطرفين
رابط: https://www.elmoudjahid.dz/fr/actualite/accord-d-association-algerie-union-europeenne-reviser-le-texte-dans-le-sens-d-un-partenariat-gagnant-gagnant-175488 – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس/آب 2026 - Econostrum – توجهات عبد المجيد تبون بشأن مراجعة اتفاق الشراكة الجزائر-الاتحاد الأوروبي
رابط: https://econostrum.info/algerie/accord-dassociation-algerie-ue/ – تاريخ الاطلاع: 2 أغسطس/آب 2026
يوسف عبد الله



