لماذا هذا مهم: الصورة التي التقطت في تلك اللحظة تحولت إلى واحدة من أكثر الصور توثيقا لأثر مشاريع البنية التحتية الكبرى على السكان الأصليين في الولايات المتحدة. فهي لا تسجل توقيع عقد إداري عابر، بل تجسد اللحظة التي فقدت فيها قبائل الماندان والهيداتسا والأريكارا جزءا جوهريا من أراضيها ومقارها ومستشفاها، ضمن برنامج فدرالي لم تملك القبائل سلطة حقيقية لرفضه. فهم هذه الحادثة يفتح نافذة على تاريخ أوسع من المشاريع الوطنية الكبرى التي نُفذت على حساب مجتمعات أصلية لم تُستشر بالقدر الكافي.
في الصورة، سبعة رجال يقفون خلف مكتب خشبي كبير، بدلاتهم الداكنة تتقاطع مع ضوء أبيض قادم من نافذة عالية. الجميع ينظرون إلى نقطة واحدة: يد رجل تحمل قلما وتخط توقيعها على ورقة موضوعة بين محبرتين من الحبر. في مقدمة الصورة، رجل واحد لا ينظر إلى الورقة. يداه ترفعان نظارتيه بعيدا عن وجهه، بينما تمسح كفه اليسرى دمعة على خده. اسمه جورج جيليت، وهو رئيس المجلس القبلي لقبائل الماندان والهيداتسا والأريكارا الثلاث المتحدة، الذين يعيشون في محمية فورت برثولد بولاية داكوتا الشمالية.
الرجل الجالس خلف المكتب هو يوليوس إيه كروغ، وزير الداخلية الأمريكي آنذاك. الوثيقة التي يوقعها ليست اتفاقا رمزيا، بل عقد بيع يحول أكثر من 150 ألف فدان من أراضي المحمية إلى الحكومة الفيدرالية؛ تورد السجلات الهندسية للسد رقم 152,360 فدانا تحديدا، بينما تذكر تعليقات صحفية معاصرة للحدث رقما مقاربا يبلغ 155 ألف فدان. كانت هذه الأراضي، الممتدة على ضفاف نهر ميزوري، الأخصب زراعيا في المحمية بأكملها، وشكلت لقرون مصدر رزق القبائل الثلاث.
العقد كان جزءا من برنامج بيك-سلون لحوض نهر ميزوري، وهو مخطط فدرالي ضخم أقره الكونغرس الأمريكي عام 1944 لبناء سلسلة سدود على النهر بهدف التحكم في الفيضانات وتوليد الكهرباء والري. من بين هذه السدود، سد غاريسون، الذي أنشئ في قلب أراضي فورت برثولد. اعترضت القبائل الثلاث على الموقع المختار للسد، واقترحت بدائل أخرى، غير أن الكونغرس كان قد أقر المشروع وخصص له التمويل قبل أن تحسم المفاوضات مع ممثلي القبائل.
في كلمته أمام الحضور في تلك الجلسة، قال جيليت إن قبيلته توقع العقد رغما عنها، مضيفا: «سنوقّع هذا العقد بقلب مثقل، فالمستقبل لا يبدو واعداً بالنسبة إلينا». لم تكن كلماته مبالغة عاطفية. فبحلول منتصف الخمسينيات، غمرت مياه بحيرة ساكاكاويا، التي تشكلت خلف سد غاريسون بعد اكتماله عام 1956، ما يقارب ربع مساحة المحمية، وابتلعت معها إلبوودز، المقر الإداري للقبائل الثلاث، إلى جانب المستشفى الذي كان يخدم سكان المنطقة.
اضطرت عائلات بأكملها إلى إخلاء قريتي فان هوك وسانيش القديمتين، اللتين غمرتهما مياه البحيرة، لتؤسس مستوطنات جديدة على أراض أقل خصوبة حملت أسماء نيوتاون ومانداري ووايت شيلد. لم يكن الانتقال مجرد تغيير جغرافي؛ فالأراضي المفقودة كانت تحمل مقابر الأجداد ومواقع الطقوس والذاكرة الزراعية التي راكمتها القبائل الثلاث عبر أجيال متعاقبة على ضفاف النهر.
لم تكن قبائل فورت برثولد وحدها من دفع ثمن برنامج بيك-سلون. سدود أخرى ضمن المشروع نفسه، مثل سد أوهي وسد فورت راندال، غمرت أجزاء واسعة من محميات ستاندينغ روك وشايان ريفر وكرو كريك ولوار برول في ولايتي داكوتا الشمالية والجنوبية. المؤرخ فاين ديلوريا الابن وصف البرنامج بأنه «أعمق فعل تدميري ارتكب بحق أي قبيلة في تاريخ الولايات المتحدة»، في إشارة إلى حجم الأراضي والبنى التحتية التي فقدتها عدة مجتمعات أصلية دفعة واحدة.
الصورة نفسها تحولت لاحقا إلى مرجع متكرر في الكتب المدرسية والدراسات التي تتناول أثر مشاريع الطاقة الكهرومائية على المجتمعات الأصلية في الولايات المتحدة. الباحثة أنجيلا باركر، التي خصصت فصلا كاملا من أحد كتبها لهذا الحدث، وصفت المشهد بأنه يعكس لحظة ألم حاول جيليت كبتها جسديا أمام الحاضرين، قبل أن تفلت الدموع من بين أصابعه.
ما تختزنه هذه الصورة ليس مجرد لحظة توقيع، بل مفارقة تتكرر في تاريخ العلاقة بين الدولة الأمريكية ومجتمعاتها الأصلية: قرارات تُتخذ باسم المصلحة الوطنية العليا، فيما يُترك لمن يتحمل كلفتها المباشرة خيار وحيد هو التوقيع أو مواجهة نزع الملكية دون تعويض يُذكر. جيليت لم يكن يملك سلطة إيقاف السد. كان يملك فقط حق البكاء أمام الكاميرات، وهو حق مارسه بلا تردد.
اليوم، لا تزال الصورة متداولة في الأرشيفات وكتب التاريخ الأمريكي، شاهدة على أن التنمية حين تُبنى على حساب من لا صوت لهم في قرارها، تترك خلفها أكثر من أرض مغمورة بالمياه. تترك ذاكرة معلقة بين ضفتي نهر لم يعد كما كان، وبين وجه رجل اختار أن يبكي علنا بدل أن يصمت.
المصادر
- المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (المعاهد الوطنية للصحة) – الجدول الزمني لأصوات السكان الأصليين
https://www.nlm.nih.gov/nativevoices/timeline/489.html
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا – سد غاريسون (Garrison Dam)
https://en.wikipedia.org/wiki/Garrison_Dam
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا – برنامج بيك-سلون لحوض نهر ميزوري
https://en.wikipedia.org/wiki/Pick%E2%80%93Sloan_Missouri_Basin_Program
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا – إلبوودز، داكوتا الشمالية
https://en.wikipedia.org/wiki/Elbowoods,_North_Dakota
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - قاعدة بيانات الهندسة الإنشائية Structurae – سد غاريسون
https://structurae.net/en/structures/garrison-dam
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - أرشيف Bettmann عبر Getty Images – التعليق الصحفي الأصلي المرافق للصورة، رقم الصورة 515360260
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



