لماذا هذا مهم: الزيارة تندرج ضمن مسار عضوية الجزائر في “الحوار المتوسطي” الذي أطلقه حلف الناتو منذ عام 2000، وهو الإطار الذي تنظم بموجبه غالبية أنشطة التعاون البحري بين الجزائر ودول الحلف. الحدث يأتي أيضا في سياق أوسع. فقد واصلت الجزائر خلال العامين الأخيرين استقبال وحدات بحرية من أطراف دولية متعددة، من إيطاليا واليونان إلى روسيا، في وقت تشهد فيه منطقتا المتوسط والساحل تحولات أمنية متسارعة تدفع دولا عدة إلى تكثيف تنسيقها البحري مع الجزائر.
الساحل الغربي الذي يستضيف هذا التوقف ليس منطقة بحرية عادية. فمن بني صاف، على مقربة من وهران، ينطلق أنبوب “ميدغاز” البحري الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا، بطاقة نقل تصل إلى 10.5 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا، وفق بيانات سوناطراك. أي اضطراب أمني في هذا الممر البحري قد ينعكس مباشرة على صادرات الطاقة الجزائرية نحو أوروبا، ما يجعل تأمين هذا الشريط الساحلي أولوية تتجاوز البعد العسكري البحت.
بيان الدفاع الوطني يحدد هوية السفينتين ومدة التوقف
ذكر بيان لوزارة الدفاع الوطني، نقلته وكالات ومواقع إخبارية جزائرية وعربية عدة، أن الفرقاطة اليونانية “إتش إس كونتوريوتيس” والطواف الإيطالي “آي تي إس مونتيكوكولي” رستا الأحد بميناء وهران، الواقع ضمن اختصاص الناحية العسكرية الثانية على الساحل الغربي للبلاد. وحسب موقع “شهاب برس”، فإن السفينتين ستبقيان بالميناء لمدة ثلاثة أيام، خلال الفترة الممتدة من 6 إلى 9 سبتمبر 2026.
ووصف موقع “الخبر” الزيارة بأنها تندرج ضمن “برنامج للتعاون العسكري وتبادل الخبرات بين القوات البحرية الجزائرية ونظيراتها الأجنبية”. لم يحدد البيان أهدافا تفصيلية إضافية لهذا التوقف. ولم تصدر السفارتان اليونانية والإيطالية في الجزائر أي تعليق منفصل عن بيان وزارة الدفاع حتى نشر هذا المقال.
“إتش إس كونتوريوتيس” فرقاطة من فئة “إللي”، أصلها هولندي، انتقلت إلى الأسطول اليوناني عام 1997، بحسب سجلات البحرية اليونانية الرسمية. أما “آي تي إس مونتيكوكولي” فهي وحدة من فئة “بي بي إيه”، وهي فئة زوارق دورية متعددة المهام دخلت الخدمة حديثا في البحرية الإيطالية، وتعد أول وحدة من هذه الفئة مزودة بقدرات دفاع جوي، وفق موقع “نافال نيوز” المتخصص.
زيارة مجاملة لقائد القاعدة البحرية بمرسى الكبير
أفاد موقع “الإمارات24″، نقلا عن البيان ذاته، بأن قائدي السفينتين والوفدين المرافقين لهما أجريا زيارة مجاملة لقائد القاعدة البحرية الرئيسية بمرسى الكبير، التابعة للناحية العسكرية الثانية. وناقش الطرفان خلال اللقاء سبل الارتقاء بالتعاون العسكري وتعزيز العلاقات الثنائية بين الجزائر واليونان من جهة، وبين الجزائر وإيطاليا من جهة أخرى.
قاعدة مرسى الكبير من أكبر القواعد البحرية في غرب المتوسط. شكلت لعقود نقطة ارتكاز بحرية بارزة على الساحل الجزائري، وهي معروفة تاريخيا بحادثة قصفها من طرف الأسطول البريطاني سنة 1940. اليوم تستقبل القاعدة بانتظام وحدات من بحريات مختلفة في إطار برامج تعاون ثنائية أو متعددة الأطراف. ولم يفصح بيان وزارة الدفاع عن أي برنامج تدريبات مشترك مصاحب لهذا التوقف بالذات، خلافا لزيارات سابقة تضمنت تمارين بحرية فعلية بين الطرفين.
الجزائر عضو في “الحوار المتوسطي” منذ عام 2000
انضمت الجزائر إلى مبادرة “الحوار المتوسطي” التي أطلقها حلف الناتو في مارس 2000، بحسب الموقع الرسمي للحلف. انطلقت المبادرة أصلا في ديسمبر 1994. تضم اليوم سبع دول من جنوب المتوسط والشرق الأوسط لا تنتمي إلى الحلف، هي الجزائر ومصر وإسرائيل والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس.
ويقوم هذا الإطار، وفق الموقع الرسمي للناتو، على ركيزتين أساسيتين هما الحوار السياسي والتعاون العملي، من دون أن يترتب عليه أي التزام دفاعي متبادل بين الجزائر والحلف. ويشمل الشق العملي من “الحوار المتوسطي”، بحسب الوصف الرسمي نفسه، أنشطة لبناء الثقة في المجال العسكري، إضافة إلى تبادل المعلومات والتخطيط للطوارئ المدنية والتعاون العلمي. وتندرج زيارات السفن الحربية إلى الموانئ الجزائرية عادة ضمن هذا الشق العملي، وليس ضمن أي التزام أمني تعاقدي بين الطرفين.
في المقابل: تعاون بحري مواز مع موسكو
لم يكن توقف السفينتين اليونانية والإيطالية بوهران استثناء في السياسة البحرية الجزائرية. ففي مارس 2026، رست بميناء الجزائر مجموعة سفن تابعة لأسطول الشمال الروسي، مكونة من السفينة المضادة للغواصات “سيفيرومورسك” وناقلة النفط “كاما”، في توقف دام أربعة أيام، بحسب بيان لوزارة الدفاع الوطني نقلته الإذاعة الجزائرية. وجاء ذلك، حسب البيان ذاته، تجسيدا لبرنامج التعاون العسكري الجزائري الروسي لسنة 2026. وناقش قائد المهمة الروسية آنذاك، خلال زيارة مجاملة مماثلة لقائد الواجهة البحرية الوسطى بالجزائر العاصمة، سبل الارتقاء بالتعاون الثنائي بين البحريتين الجزائرية والروسية.
وسبق لموانئ جزائرية أن استقبلت أيضا وحدات تابعة لحلف الناتو في مناسبات سابقة. من بينها رسو السفينتين الإيطاليتين “آي تي إس سترومبولي” و”آي تي إس نومانا” بميناء الجزائر العاصمة في أغسطس 2023، ضمن برنامج تعاون عسكري ثنائي مماثل، بحسب ما نقلته وكالة “آر تي” بالعربية حينها. ثلاثة توقفات بحرية موثقة إذن خلال أقل من ثلاث سنوات، اثنان منها لصالح دول أطلسية وواحد لصالح روسيا. هذا التناوب يوضح أن الجزائر تحافظ على قنوات تعاون عسكري متعددة الأطراف في آن واحد، من دون أن تنحاز رسميا إلى أي محور بعينه في المتوسط. ولم تصدر وزارة الدفاع الوطني أي بيان يربط صراحة بين هذه الزيارات المتعاقبة وأي حسابات جيوسياسية محددة.
مغادرة مقررة الأربعاء وسط غياب برنامج معلن لما بعد
تغادر الفرقاطة اليونانية والطواف الإيطالي ميناء وهران الأربعاء المقبل، بحسب مدة التوقف المعلنة في بيان وزارة الدفاع الوطني. لم تعلن السلطات الجزائرية عن أي برنامج زيارات بحرية إضافية مرتقبة قبل نهاية السنة. ويبقى برنامج التعاون العسكري الجزائري الروسي لعام 2026، المشار إليه في بيان مارس الماضي، الإطار المرجعي الوحيد المعلن رسميا حتى الآن لما قد يعقب هذا التوقف من زيارات مماثلة.
المصادر
- عربي21 – سفينتان حربيتان تابعتان للناتو ترسوان في الجزائر.. لهذا الغرض
https://arabi21.com/story/1787031 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - الإمارات24 – سفن حلف الناتو ترسو في ميناء وهران وتعزز التعاون العسكري مع الجزائر
https://emirates24.net/international/0709/104551 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - الخبر – سفينتان حربيتان لـ”الناتو” ترسيان بميناء وهران
https://www.elkhabar.com/nation/سفينتان-حربيتان-ل-الناتو-ترسيان-بميناء-وهران-274446 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - شهاب برس – سفينتان تابعتان للناتو في ميناء وهران.. تعاون عسكري وتمرين بحري مرتقب
https://www.shihabpresse.dz – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - الموقع الرسمي لحلف الناتو – Mediterranean Dialogue
https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_52927.htm – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - الإذاعة الجزائرية – وزارة الدفاع الوطني: توقف مجموعة سفن تابعة لأسطول الشمال الروسي بميناء الجزائر
https://news.radioalgerie.dz/ar/node/81396 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - آر تي بالعربية – سفينتان إيطاليتان تابعتان لـ”الناتو” ترسوان بميناء الجزائر
https://arabic.rt.com/middle_east/1488481 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - منصة الطاقة (attaqa.net) – تقرير حول قدرات أنبوب ميدغاز وحصص سوناطراك وناتورجي
https://attaqa.net/?p=97080 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026 - البحرية اليونانية الرسمية (hellenicnavy.gr) – بطاقة تعريف الفرقاطة “إتش إس كونتوريوتيس”
https://hellenicnavy.gr/en/?p=4941 – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



