التلفزيون الجزائري قلق على الفرنسيين… أما الجزائريون فيعيشون في بلد آخر
الوضع في فرنسا خطير، على الأقل كما يصل إلينا عبر بعض تقارير التلفزيون الجزائري. المواطن الفرنسي يعاني. الأسعار ارتفعت، القدرة الشرائية تراجعت، والمتقاعد أصبح ينظر إلى فاتورة مشترياته نظرة رجل اكتشف للتو حجم الدين الخارجي لبلاده. الكاميرا الجزائرية تلاحق هذه المأساة باهتمام إنساني نادر. فرنسية تشتكي من سعر المواد الغذائية. عامل يتحدث عن صعوبة نهاية الشهر. متقاعد يقارن الأسعار بما كانت عليه قبل سنوات قليلة. المراسل يستمع بوجه حزين، وكأن الجزائر تستعد لإرسال أول طائرة مساعدات. يصعب على الجزائري مشاهدة كل ذلك من دون أن يشعر بالامتنان. الحمد لله أنه يعيش في الجزائر.
ففي الجزائر التي تقدمها النشرات الرسمية، لا تكاد توجد أزمة تستحق هذا الاسم. الاقتصاد بخير، المشاريع تتقدم، المستشفيات تتحسن، المواطن محاط بالعناية، الشباب أمامه المستقبل، والحريات مضمونة. أما الذين يشتكون من البطالة أو الأسعار أو الإدارة أو السكن أو الخدمات، فهؤلاء على الأرجح لم تصلهم بعد آخر الإحصائيات. كان عليهم مشاهدة التلفزيون قبل أن يحكموا على حياتهم.
ولهذا نقترح أن تنتقل الجزائر من مرحلة القلق على الفرنسيين إلى مرحلة التضامن الفعلي معهم، وأن تطلق حملة وطنية بعنوان: « أنقذوا فرنسا ».
تفتح مراكز لجمع التبرعات في كل الولايات. يستطيع المواطن الجزائري أن يقدم كيلو عدس، قارورة زيت، بعض البطاطا وكيس سميد، ثم يكتب على الطرد: «إلى عائلة فرنسية منكوبة بغلاء المعيشة». أما المواد التي يصعب العثور عليها أحيانا، فلا داعي لإرسالها. نحن نتضامن مع الشعب الفرنسي، ولسنا مطالبين بإفقار أنفسنا. ويمكن للتلفزيون أن يرافق أول قافلة مساعدات إلى باريس. يقف المراسل أمام متجر ويعلن بصوت خافت:
«نحن الآن في قلب العاصمة الفرنسية، حيث يواجه المواطنون وضعا اجتماعيا بالغ الصعوبة».
ثم يعثر على فرنسي يحمل كيس خضر.
ــ كم دفعت؟
ــ ثلاثة آلاف دينار جزائري – عشرين يورو.
يصمت المراسل قليلا احتراما للضحية، ثم يعيد الكلمة إلى الجزائر.
وهنا تحدث المعجزة.
تتغير الموسيقى،نعود الى الجزائر الجديدة وتتحسن المؤشرات الاقتصادية في ثانيتين. مصنع جديد. مشروع ضخم. مسؤول يقطع شريطا لتدشين مسبح جديد في مدينة بوصبع. وزير يعلن أرقاما مطمئنة. فلاح مبتسم. طبيب يتحدث عن تطور المنظومة الصحية. مواطن سعيد يشكر السلطات. الكاميرا نفسها التي استطاعت قبل دقائق اكتشاف أزمة القدرة الشرائية على بعد ألف وخمسمائة كيلومتر تصبح عاجزة عن رؤية ما يوجد على بعد كيلومتر ونصف من مبناها.
وهذه ليست مشكلة مهنية، بل خاصية تقنية. فالكاميرا العمومية الجزائرية مزودة بنظام تحديد جغرافي متطور. عندما توجه نحو فرنسا، تلتقط التضخم والبطالة والغضب الاجتماعي وتدهور القدرة الشرائية. وعندما تستدير نحو الجزائر، تنتقل تلقائيا إلى وضع «الجزائر الشديدة»: تختفي الاختلالات، تتحسن الخدمات، يمتلئ الأفق بالإنجازات، ويصبح المواطن متفائلا خصوصا عندما يقف إلى جانبه صحفي يحمل ميكروفونا يقول فيه “نشكر عمي تبون”
هناك في الحقيقة جزائران. الأولى يعرفها الجزائريون لأنهم يعيشون فيها. و الثانية هي جزائر نشرة الثامنة.
ورغم سنوات من البحث، لم ينجح أحد حتى الآن في تحديد موقع هذه الأخيرة على الخريطة. نعرف فقط أنها دولة مزدهرة جدا، مستشفياتها ممتازة، اقتصادها قوي، شبابها سعيد، إدارتها فعالة، وحرياتها مضمونة. لا أحد فيها يهاجر، ولا أحد يغضب، ولا أحد ينتظر طويلا أمام إدارة، ولا أحد يخاف من أن تتحول كلمة أو منشور أو نشاط سياسي إلى مشكلة أكبر منه. والمواطن الذي لا يتعرف على هذه البلاد مدعو إلى التحلي بالصبر و أن لا يقلق. فالمشكلة ربما في عينيه، لا في التلفزيون.
أما حرية التعبير، فلا تحتاج أصلا إلى تحقيق صحفي. الخطاب الرسمي يقول إنها موجودة، وبالتالي من غير اللائق إزعاجها والبحث عنها في الواقع. والأمر نفسه بالنسبة إلى سجناء الرأي: بما أن السلطات تنفي وجودهم، يصبح الذين يتحدث عنهم الحقوقيون مشكلة لغوية أكثر منها سياسية. يكفي تغيير التسمية، وتنتهي القضية.
لكن هناك صورة واحدة تفسد هذا العالم المتناسق. البحر.
لأن بعض الشباب الجزائريين لا يبدو أنهم يتابعون التلفزيون العمومي بالجدية المطلوبة. ينظرون إلى فرنسا التي تصفها التقارير كبلد أصبح العيش فيه شبه مستحيل، ثم يقرر بعضهم مع ذلك ركوب البحر للوصول إليها. وهنا يصبح الأمر محيرا. كيف يمكن لشاب يعيش في بلد الإنجازات المتواصلة أن يخاطر بحياته للوصول إلى بلد الانهيار المتواصل؟
ربما لم يشاهد النشرة. لذلك يمكن معالجة الهجرة غير النظامية بطريقة بسيطة ورخيصة: نصب شاشات عملاقة على الشواطئ وبث تقارير التلفزيون الجزائري عن فرنسا طوال الليل. يصل الشاب بالقارب، يشاهد متقاعدا فرنسيا يشتكي من سعر الجبن، فيتوقف مذعورا:
ــ واش؟ حتى الجبن غلا عندهم؟
ثم ينزل الجميع من القارب، يقبلون تراب الوطن، ويعودون إلى بيوتهم بعد أن أنقذتهم الخدمة العمومية من الهجرة. وإذا لم تنجح الخطة واستمرت القوارب في الرحيل، فقد نضطر إلى طرح سؤال أكثر إزعاجا: ماذا يعرف هؤلاء الشباب عن الجزائر لا تعرفه نشرة الثامنة؟ فالمشكلة ليست أن التلفزيون يتحدث عن غلاء المعيشة في فرنسا. هذه أخبار موجودة ويحق لأي وسيلة إعلام تناولها. المشكلة تبدأ عندما تصبح معاناة الفرنسي مادة تستحق الكاميرا، بينما تتحول معاناة الجزائري إلى شيء ينبغي تفسيره أو تصغيره أو تجاهله. هنا لا تعود المسألة مجرد دعاية مضحكة. تصبح المضحكة مؤلمة.
لأن السلطة التي تقضي وقتا طويلا في إقناع مواطنيها بأن الآخرين تعساء قد تنتهي إلى نسيان سؤال أبسط بكثير: كيف يعيش مواطنوها هم؟ ومع ذلك، لا ينبغي أن نيأس. إذا كانت فرنسا، حسب التلفزيون الجزائري، قد أصبحت مكانا لا يطاق، فهناك بلد أكثر ازدهارا وأمنا واستقرارا يمكن للشباب الجزائري أن يحلم بالهجرة إليه. جزائر نشرة الثامنة.
المشكلة الوحيدة أن أحدا، حتى الآن، لم يعرف كيف يصل إليها.
ساخر | الأحرار الساخر



