يبدو أن فرنسا اقتربت أخيرًا من حل واحدة من أعقد المعضلات التي واجهتها منذ الثورة الفرنسية: ماذا تفعل امرأة بغطاء علوي على رأسها وهي تمشي في الشارع؟ حزب التجمع الوطني وجد الجواب. إذا وصل إلى السلطة، تُترك المرأة حرة تمامًا في اختيار ملابسها، بشرط أن تختار ما يراه الحزب مناسبًا. ومن تخطئ في استعمال حريتها، تدفع غرامة.
حين تصبح قطعة القماش قضية أمنية
النائب “جان فيليب تانغي” شرح الفكرة بمنتهى البساطة: الحجاب، حسب تعبيره، «خرج عن السيطرة»، ولذلك سيُعاقَب ارتداؤه في الأماكن العامة. أي أن المشكلة لم تعد في البطالة أو الديون أو المستشفيات أو أزمة السكن. قطعة القماش نفسها فقدت السيطرة على نفسها، وصار من الضروري أن تتدخل الجمهورية قبل أن تبدأ الأوشحة في احتلال محطات المترو.
ومن المتوقع، إذا استمرت الأمور بهذا المنطق، أن تنشئ وزارة الداخلية قريبًا «المديرية العامة لمراقبة الأقمشة ذات النوايا المشبوهة»، على أن تضم عناصر مدرّبة على التمييز من مسافة خمسين مترًا بين الحجاب، والوشاح، والفولار، والقبعة الكبيرة، ومنشفة وضعتها سائحة فوق رأسها لأنها نسيت المظلة.
وسيُطلب من الشرطي، قبل تحرير المخالفة، توجيه بعض الأسئلة التقنية:
— هل هذه القطعة دينية؟
— لا، الجو بارد.
— هل لديك شهادة من مصلحة الأرصاد الجوية؟
— لا.
— إذن 135 يورو.
شهادة الاستعمال الجمهوري للوشاح
وقد تواجه السلطات مشكلة أكثر تعقيدًا مع الفرنسيات اللواتي يضعن أوشحة على رؤوسهن لأسباب أخرى. ولذلك قد يصبح من الضروري حمل وثيقة جديدة إلى جانب بطاقة الهوية: «شهادة الاستعمال الجمهوري للوشاح»، تثبت أن القطعة الموضوعة على الرأس ليست ذات نوايا أيديولوجية. أما السيدات المسنات في القرى الفرنسية، اللواتي اعتدن منذ عشرات السنين ربط مناديل فوق رؤوسهن، فسيتعين عليهن ربما إثبات أن الجدة كانت تفعل ذلك قبل ظهور المشكلة على شاشات القنوات الإخبارية. ويمكن لوزارة الداخلية أن تضع دليلًا مصورًا من 84 صفحة بعنوان: «كيف تتعرف على قطعة قماش تهدد الجمهورية؟»
الصفحة الأولى: حجاب.
الصفحة الثانية: حجاب لكنه بلون مختلف.
الصفحة الثالثة: امرأة تنتظر الحافلة.
الصفحة الرابعة: الجمهورية ما زالت قائمة، لكن التحقيق مستمر.
تحرير المرأة… بأمر من الدولة
ولأن “التجمع الوطني” يقول إن هذا الإجراء يأتي أيضًا تضامنًا مع النساء اللواتي يُجبرن في دول أخرى على ارتداء الحجاب، فإن فرنسا تكون قد توصلت إلى مفهوم جديد لتحرير المرأة: عندما يجبرها رجل على ارتداء شيء فهذا اضطهاد، وعندما تجبرها الدولة على نزعه فهذا “علمانية”. الفرق، كما يبدو، موجود في الجهة التي تحمل دفتر المخالفات. وقد لا يتوقف المشروع عند الحجاب. فبمجرد أن تصبح الدولة مخولة تحديد ما إذا كان اختيار المرأة لملابسها اختيارًا حقيقيًا أم نتيجة «أيديولوجيا»، سيصبح من المنطقي إنشاء لجنة وطنية لفحص بقية الخزانة.
- الكعب العالي قد يكون نتيجة ضغط اجتماعي.
- مستحضرات التجميل قد تكون خضوعًا لمعايير جمالية مفروضة.
- الجينز الضيق قد يثير تساؤلات فلسفية.
- أما ارتداء قميص باريس سان جيرمان بعد خسارة مذلة، فيحتاج فعلًا إلى تدخل عاجل من السلطات.
لكن أجمل ما في المشروع أن “تانغي” شبّه الغرامة المرتقبة بغرامة عدم وضع حزام الأمان. وهي مقارنة ممتازة بالفعل. حزام الأمان تفرضه الدولة حتى لا تموت في حادث. أما الحجاب فستمنعه حتى تعرف أنك حرة.
وإذا لم تفهم الفرق، ستصلك الحرية بالبريد مع الغرامة.
الأحرار الساخر



