الرئيسيةالتحليلاتقراءة في الأحداثاشتباكات عنيفة تهز نيامي وسط تقارير عن محاولة انقلاب عسكري في النيجر

اشتباكات عنيفة تهز نيامي وسط تقارير عن محاولة انقلاب عسكري في النيجر

أفاد شاهدان تحدثا لوكالة رويترز، فجر يوم السبت، بسماع دوي إطلاق نار كثيف وانفجارات متفرقة في عدة أحياء من العاصمة النيجرية نيامي. وأكد مصدر أمني أن ما وصفه بـ"عناصر إرهابية" هاجمت مطار ديوري حماني الدولي، وحاولت اختراق الطوق الأمني المحيط بالقصر الرئاسي. ولم تتمكن الوكالة من التحقق بشكل مستقل من هذه الرواية، فيما لم تصدر الحكومة العسكرية النيجرية أي تعليق رسمي حتى صباح السبت.

تبادل نار كثيف قرب المطار والقصر الرئاسي

بدأت الاشتباكات، وفق شهادات سكان محليين، بعد منتصف الليل بقليل. وتركزت في البداية حول قاعدة “101” الجوية الواقعة داخل مجمع مطار ديوري حماني، قبل أن تمتد إلى محيط القصر الرئاسي في حي البلاتو وسط المدينة. ونقلت رويترز عن شاهد ثانٍ قوله: “كانت هناك تبادلات لإطلاق نار كثيف، وإطلاق النار مستمر حول القصر”. وأفاد الشاهد الأول بأن الطلقات عاودت الاشتداد قرب المطار عند نحو الساعة 02:13 بتوقيت غرينتش. ونقلت شبكة “المينادفانس” الجزائرية المتخصصة في الشؤون الأمنية عن مصادر محلية أن انقطاعا للكهرباء طال عدة أحياء تقود إلى القصر الرئاسي ومحيط المطار خلال ساعات الليل، دون أن يتضح ما إذا كان الانقطاع متعمدا أو ناجما عن الاشتباكات نفسها.

روايتان متضاربتان حول طبيعة الهجوم

اعتمدت السلطات النيجرية في السابق على وصف الهجمات التي استهدفت نيامي بأنها عمليات تنفذها جماعات جهادية، وهو التوصيف الذي استخدمه المصدر الأمني الذي تحدث إلى رويترز عند بداية الأحداث مساء الجمعة. غير أن اتساع رقعة الاشتباكات لتشمل عدة نقاط حساسة في العاصمة دفع محللين إلى ترجيح فرضية مغايرة. فقد نقلت شبكة “المينادفانس” عن مصادر لم تسمها أن الأسلحة المستخدمة خلال الليل بدت أثقل من تلك التي تستعملها عادة الجماعات المسلحة الناشطة في غرب النيجر. وهي ملاحظة لا تكفي وحدها لإثبات طبيعة العملية الجارية. وكتب بانا واغانا إبراهيم، عضو المجلس الاستشاري النيجري ونائب في برلمان تحالف دول الساحل، على صفحته في فيسبوك أن المهاجمين استهدفوا قاعدة “101”، وأن قوات الأمن استعادت السيطرة على الوضع. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من هذا التصريح أيضا، ما يترك الروايتين معلقتين في انتظار موقف رسمي.

تحركات لقوات “المهاو” من تيلابيري باتجاه العاصمة

رصدت مصادر ميدانية عند الفجر تحرك مركبات عسكرية تابعة لعملية “المهاو”، وهي التشكيل العسكري المنتشر في إقليم تيلابيري غرب النيجر لمواجهة الجماعات المسلحة، باتجاه نيامي. وذكرت المصادر ذاتها أن بعض هذه المركبات وصلت من مدينة والام وشوهدت في حي يانتالا. وتلقت قوات أخرى متمركزة حول العاصمة أوامر بالتوجه إليها. ولم يتضح حتى صباح السبت تحت أي قيادة تتحرك هذه الوحدات، ولا المهمة الموكلة إليها، في وقت أشارت فيه بعض المصادر إلى احتمال ضلوع عناصر من قوات النخبة هذه في محاولة الانقلاب المفترضة. وتضم هذه الوحدات عناصر ذات خبرة قتالية واسعة اكتسبتها في مواجهات متكررة مع الجماعات المسلحة، ما يجعل ولاءها عاملا مرجحا في تحديد موازين القوى خلال الساعات المقبلة.

سوابق انقلابية متكررة منذ استقلال البلاد

ليست هذه المرة الأولى التي تهتز فيها محيط القصر الرئاسي في نيامي بإطلاق نار مرتبط بمحاولة استيلاء على السلطة. ففي مارس 2021، أي قبل يومين فقط من أداء محمد بازوم اليمين الدستورية، أيقظ دوي أسلحة ثقيلة وخفيفة سكان الحي المحيط بالرئاسة، قبل أن يعلن الحرس الرئاسي، الذي كان يقوده حينها عبد الرحمن تياني نفسه، إفشال تلك المحاولة واعتقال عدد من العسكريين المشتبه بضلوعهم فيها. ووصفت الحكومة النيجرية آنذاك ما جرى، بحسب ما نقلته مجلة جون أفريك، بأنه “عمل جبان ورجعي يستهدف زعزعة الديمقراطية ودولة القانون”. وقد سبق ذلك انقلابان ناجحان منذ استقلال النيجر عن فرنسا عام 1960، ما يجعل من تاريخ البلاد سجلا حافلا بالتدخلات العسكرية المتكررة في الحياة السياسية.

النيجر تحت حكم الجنرال تياني منذ الإطاحة ببازوم

يحكم الجنرال عبد الرحمن تياني النيجر منذ يوليو 2023، حين قاد الحرس الرئاسي، الذي كان يتولى قيادته آنذاك، عملية أطاحت بالرئيس المنتخب محمد بازوم واحتجزته داخل القصر الرئاسي. ومنذ ذلك الانقلاب، ابتعدت نيامي عن شركائها الغربيين التقليديين، وعمقت علاقاتها العسكرية مع موسكو. كما انضمت إلى مالي وبوركينا فاسو ضمن تحالف دول الساحل، الكتلة الأمنية والسياسية التي انشقت عن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. وتحتضن قاعدة “101” الجوية، بحسب مصادر أمنية، عناصر عسكرية روسية وإيطالية، إضافة إلى وجود جزائري مستحدث منذ أيام قليلة يرتبط بمروحيات قدمتها الجزائر للنيجر، ما يمنح هذا الموقع حساسية إضافية في قراءة أي تطور يطاله. وتُعد النيجر، وفق ما ذكرته رويترز، من أبرز الدول المنتجة لليورانيوم في العالم إلى جانب احتياطيات من النفط والذهب، وهو ما يفسر جزئيا حجم الاهتمام الدولي المتجدد كلما تعرضت العاصمة لاضطراب أمني من هذا الحجم.

حسابات إقليمية حول من يستفيد من إضعاف تياني

ورغم عدم توفر أي دليل حتى الآن يربط طرفا خارجيا بأحداث نيامي، أشارت تحليلات نشرتها شبكة “المينادفانس” إلى تصاعد التوتر بين قيادة الجيش الوطني الليبي في الشرق، بقيادة صدام حفتر، والسلطات العسكرية في النيجر خلال الأشهر الأخيرة. وبحسب التحليل ذاته، تصاعد هذا التوتر في يونيو الماضي إثر تسليم نيامي لطرابلس ضابطا ليبيا كانت بنغازي تطالب به. وتلا ذلك إفراج قوات حفتر عن محمود صلاح، رئيس الجبهة الوطنية للتحرير النيجرية الموالية لبازوم. وتنقل التحليلات عن مصادر لم تسمها أن حفتر يسعى إلى تنسيق أوثق مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في مواجهة سلطات نيامي، وأن تقارب الأخيرة مع طرابلس والجزائر يغذي هذا التوتر. وتبقى هذه المعطيات، بحسب التحليل نفسه، ترجيحات تفتقر حتى الآن إلى أي دليل مباشر يربطها بأحداث الليلة الماضية.

حتى صباح السبت، لم يصدر أي بيان عن ضباط منشقين يعلنون الإطاحة بالجنرال تياني. كما تعذر التأكد من مصير رئيس الدولة، أو من الجهة التي تسيطر فعليا على أبرز المواقع العسكرية والمؤسسية في العاصمة. وتشكل أحداث الليلة الماضية، بحسب مصادر أمنية ودبلوماسية، أخطر أزمة داخلية يمر بها النيجر منذ استتباب الحكم العسكري قبل ثلاث سنوات. ويفترض أن تحدد الساعات المقبلة ما إذا كانت البلاد أمام محاولة انقلاب منظمة، أو أزمة ولاءات أضيق نطاقا داخل صفوف الجيش.


المصادر

  1. رويترز (عبر شبكة الجزيرة) – تقرير بعنوان “دوي إطلاق نار وانفجارات في عدة مناطق من العاصمة النيجرية نيامي”
    https://www.aljazeera.com/news/2026/8/29/gunfire-blasts-heard-in-several-areas-of-niger-capital-niamey – تم الاطلاع عليه في 29 أغسطس 2026
  2. رويترز (عبر صحيفة ذا ناشيونال) – تقرير بعنوان “إطلاق نار وانفجارات تهز عاصمة النيجر”
    https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/08/29/gunfire-and-explosions-rock-nigers-capital/ – تم الاطلاع عليه في 29 أغسطس 2026
  3. رويترز (عبر صحيفة عرب نيوز) – تقرير بعنوان “مهاجمون يستهدفون مطار نيامي ومحيط الرئاسة في النيجر”
    https://www.arabnews.com/node/2656200/world – تم الاطلاع عليه في 29 أغسطس 2026
  4. شبكة “المينادفانس” (تحليل متخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية، بقلم الصحفي الجزائري أكرم خريف – مصدر مستقل متخصص وليس وكالة أنباء) – مقال بعنوان “محاولة انقلاب في النيجر: نقطة الوضع في نيامي”
    https://akramkhariefmenadefense.substack.com/p/tentative-de-coup-detat-au-niger – تم الاطلاع عليه في 29 أغسطس 2026
  5. مجلة جون أفريك – تقرير بعنوان “محاولة انقلاب في النيجر قبل يومين من تنصيب محمد بازوم” (مارس 2021)
    https://www.jeuneafrique.com/1146438/politique/tentative-de-coup-detat-au-niger-deux-jours-avant-linvestiture-de-mohamed-bazoum/ – تم الاطلاع عليه في 29 أغسطس 2026

أحمد ناصر – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصر
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة