أزمة المياه في المغرب العربي و أفريقيا

أزمة المياه في المغرب العربي وأفريقيا: الأسباب والتحديات والحلول الممكنة

يواجه المغرب العربي اليوم واحدا من أخطر التحديات الاستراتيجية في تاريخه الحديث، إذ باتت ندرة المياه تهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في آن واحد. من استنزاف المياه الجوفية إلى سباق التحلية ومن السدود إلى اتفاقيات التعاون العابرة للحدود، يرسم هذا الملف خريطة شاملة لأزمة تتجاوز حدود الجزائر والمغرب وتونس لتطال القارة الأفريقية بأكملها.

لم تعد ندرة المياه في شمال أفريقيا مجرد ظاهرة موسمية ترتبط بتقلبات المطر، بل تحولت إلى معطى بنيوي يعيد تشكيل السياسات الزراعية والصناعية والدبلوماسية في المنطقة. فبين تراجع منسوب السدود وتضاؤل المخزون الجوفي وارتفاع الطلب الحضري، تجد كل من الجزائر والمغرب وتونس نفسها أمام معادلة واحدة: كيف تؤمن الماء لسكان يتزايد عددهم في بيئة تزداد جفافا. وفي الوقت نفسه، تفرض ملفات عابرة للحدود، من نهر النيل إلى الصحراء الكبرى، بعدا جيوسياسيا إضافيا على أزمة كانت حتى وقت قريب تعامل بوصفها شأنا محليا بحتا.

خلفية: من ندرة موروثة إلى أزمة إدارة متراكمة

تنحدر بلدان المغرب العربي من إرث مناخي قاس بطبيعته. فالجزائر، على سبيل المثال، تغطيها الأراضي القاحلة بنسبة 95 في المئة، منها 80 في المئة صحراء خالصة، ما يجعل التساقطات المطرية محدودة وموسمية بامتياز. وقد اعتمدت دول المنطقة منذ الاستقلال على استراتيجية واحدة تقريبا لمواجهة هذا الواقع: بناء السدود وحفر الآبار في الأحواض الجوفية. سياسة أثبتت جدواها لعقود، غير أنها بلغت اليوم حدودها الطبيعية.

في المغرب، انتقل عدد السدود الكبرى من 20 سدا فقط إلى أكثر من 150 سدا خلال العقود الأخيرة، بحسب مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، وارتفعت السعة التخزينية الإجمالية إلى قرابة 19.9 مليار متر مكعب. وقد رافق هذا التوسع بناء 16 قناة نقل مائي بين الأحواض الهيدرولوجية بامتداد يقارب 785 كيلومترا، في محاولة لتوزيع الموارد بين المناطق الغنية والمناطق العطشى. غير أن ست سنوات متتالية من الجفاف، بين 2018 و2025 بحسب معطيات رسمية مغربية، كشفت هشاشة نموذج يعتمد كليا على السدود، ودفعت الرباط إلى إعادة النظر جذريا في استراتيجيتها المائية اعتبارا من صيف 2024.

أما في الجزائر، فقد راهنت السلطات تاريخيا على مزيج من السدود والمياه الجوفية، خصوصا في الجنوب الصحراوي حيث يشكل الخزان الجوفي للصحراء الشمالية موردا استراتيجيا يمتد تحت أراضي الجزائر وتونس وليبيا معا. غير أن التوسع الزراعي المكثف في مناطق مثل ورقلة والوادي، إلى جانب النمو الحضري المتسارع، رفع معدلات الضخ إلى مستويات تفوق قدرة هذا الخزان على التجدد الطبيعي، علما أن مياهه تصنف أصلا مياها أحفورية شبه غير متجددة.

المغرب العربي في قلب خريطة الإجهاد المائي العالمي

يضع البنك الدولي ثلاث دول مغاربية ضمن قائمة الدول الأكثر عرضة للإجهاد المائي في العالم. فوفق تقرير للبنك الدولي استعرضته مواقع مغاربية متخصصة، يعيش نحو 40 في المئة من سكان الجزائر في وضعية إجهاد مائي، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 66 في المئة في ليبيا و70 في المئة في المغرب و80 في المئة في تونس. وتؤكد هذه الأرقام أن الجزائر والمغرب وتونس تندرج كلها ضمن قائمة معهد الموارد العالمية التي تضم 33 دولة الأكثر إجهادا مائيا على مستوى الكوكب.

وفي تقرير أحدث صدر في نوفمبر 2025 تحت عنوان “الجفاف القاري”، حذر البنك الدولي من أن القارة الأفريقية تشهد تراجعا طويل الأمد في احتياطياتها من المياه العذبة، بعواقب اقتصادية واجتماعية وصفها التقرير بالمدمرة. وأدرج التقرير المغرب والجزائر وتونس والنيجر ضمن الدول التي يفوق فيها الاستهلاك المائي العرض المتجدد من الموارد، فيما صنف معهد الموارد العالمية تونس وليبيا ومصر ضمن الدول الخاضعة لإجهاد مائي “شديد للغاية”، مقابل إجهاد “مرتفع” في المغرب والجزائر والنيجر.

غير أن الصورة ليست قاتمة بشكل مطلق طوال الوقت. فقد سجلت الدول المغاربية الثلاث خلال الموسم الشتوي 2025-2026 تحسنا لافتا في معدلات ملء السدود، إذ بلغ معدل الملء الوطني في المغرب 70.3 في المئة، أي ما يعادل 11.8 مليار متر مكعب من المياه المخزنة، بارتفاع يفوق 150 في المئة على أساس سنوي، وفق ما أوردته منصة المغرب الناشئ. وتجاوزت أحواض سبو ولوكوس وبورقراق الكبرى نسبة 90 في المئة من طاقتها التخزينية. لكن هذا التحسن الموسمي، مهما بدا مطمئنا، لا يغير التشخيص البنيوي الذي وضعه البنك الدولي والذي يصف المغرب بأنه “أحد أفقر بلدان العالم من حيث المياه”، بمعدل لا يتجاوز 620 مترا مكعبا للفرد سنويا.

السدود: من الاعتماد الكامل إلى استراتيجية التنويع

طويلا شكلت السدود العمود الفقري للأمن المائي في المغرب العربي، لكن سلسلة سنوات الجفاف المتتالية أرغمت الحكومات على البحث عن مصادر بديلة لا ترتبط بتقلبات المطر. ففي خطابه بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتوليه العرش في يوليو 2024، دعا الملك محمد السادس صراحة إلى تسريع وتيرة الاستثمار في تحلية مياه البحر إلى جانب مواصلة بناء السدود، معتبرا أن الاعتماد الحصري على المخزون السطحي لم يعد كافيا لضمان الأمن المائي الوطني.

ولم تتخل الرباط عن السدود رغم هذا التحول، إذ يواصل المغرب إنشاء 20 سدا جديدا للوصول إلى سعة تخزينية وطنية تناهز 27.3 مليار متر مكعب بحلول أفق 2027. وبالتوازي، اعتمدت السلطات على نقل المياه بين الأحواض لتعويض الخلل الجغرافي في توزيع الموارد، إذ تم تحويل نحو 953 مليون متر مكعب من المياه بين أوت 2023 ودجنبر 2025 لتأمين إمداد محور الرباط الدار البيضاء، بحسب تصريحات وزير التجهيز والماء نزار بركة.

في الجزائر، تبقى السدود ركيزة أساسية أيضا، لكن معدلات الملء الوطنية شهدت تراجعا حادا في سنوات سابقة وصل إلى نحو 44 في المئة فقط بحسب بيانات الوكالة الوطنية للسدود، وهو ما دفع الجزائرية للمياه إلى تطبيق برامج تقنين متكررة في عدد من الولايات. وقد كشفت هذه الأزمة المتكررة عن حساسية سياسية بالغة لملف المياه في الجزائر، إذ شهد منصب وزير الموارد المائية إقالات متتالية على مدى السنوات الماضية، كان آخرها إقالة الوزير طه دربال في 8 أفريل 2026 إثر عطل أصاب محطة تحلية مياه البحر في ولاية الطارف، وفق ما وثقته مصادر إعلامية جزائرية.

المياه الجوفية: الكنز غير المتجدد الذي يوشك على النضوب

يشكل الخزان الجوفي للصحراء الشمالية أحد أكبر احتياطيات المياه الجوفية في العالم، إذ يقدر حجمه بأكثر من 40 ألف مليار متر مكعب من المياه الأحفورية، وفق معطيات نقلتها فرانس24 عن مصادر تقنية ليبية. يمتد هذا الخزان تحت أراضي الجزائر وتونس وليبيا معا، ويستغل منذ قرون عبر الينابيع الطبيعية والآبار السطحية، قبل أن يتحول اليوم إلى موضوع حفر يصل عمقه إلى 1000 متر، ما يرفع بشكل حاد مخاطر الاستنزاف والتلوث.

والمشكلة الجوهرية في هذا الخزان أنه “أحفوري”، أي أنه يتجدد ببطء شديد لا يتناسب مع وتيرة الضخ الحالية. ففي الجزائر وحدها، تقدر عمليات سحب المياه الجوفية بنحو 3 مليارات متر مكعب سنويا، مقابل تجدد طبيعي لا يتجاوز 1.5 مليار متر مكعب، أي ضعف المعدل المستدام تقريبا، بحسب معطيات استعرضها موقع “أومّا” الفرنسي نقلا عن دراسات متخصصة. ويضاف إلى هذا الاستنزاف فقدان يصل إلى 30 في المئة من المياه المنقولة عبر الشبكات الجزائرية بسبب التسربات والأعطاب، ما يفاقم الفجوة بين الموارد المتاحة والحاجة الفعلية.

أمام هذا الواقع، خطت الجزائر وتونس وليبيا خطوة غير مسبوقة في 29 أفريل 2026، حين وقعت الدول الثلاث في طرابلس ما عرف بـ”إعلان طرابلس”، الذي يؤسس لأول آلية تشاور مشتركة لإدارة هذا الخزان العابر للحدود. ونقلت وكالة فرانس برس عن حسين الطلحي، رئيس قسم البحث في وزارة الموارد المائية الليبية، أن “كل دولة ستحصل على حصة محددة” بناء على نماذج رياضية لرصد مستويات المياه ومخاطر التلوث. وأكد الوزير الليبي حسني عودان من جهته ضرورة “استغلال أمثل” للموارد في مواجهة “الطلب المتنامي على المياه والتغيرات المناخية”. وتولت الجزائر الرئاسة الدورية لهذه الآلية الاستشارية لمدة ثلاث سنوات، في خطوة تعكس، وفق مراقبين، تحولا من إدارة أحادية وطنية إلى حوكمة تشاركية للموارد المشتركة.

التحلية: الرهان الصناعي الجديد على مياه البحر

في ظل محدودية الموارد التقليدية، تحولت تحلية مياه البحر إلى ركيزة استراتيجية في سياسات المياه بكل من الجزائر والمغرب. ففي الجزائر، دشنت مجموعة سوناطراك عبر فرعها المتخصص خمس محطات تحلية جديدة خلال سنة 2025 بسعة إنتاجية إجمالية تبلغ 1.5 مليون متر مكعب يوميا، قادرة نظريا على تزويد 15 مليون نسمة بالمياه الصالحة للشرب. ورفعت هذه المحطات الجديدة، إلى جانب المحطات القائمة سابقا، السعة الوطنية الإجمالية إلى نحو 3.75 مليون متر مكعب يوميا، وهو ما يجعل الجزائر أكبر مستثمر أفريقي في هذا القطاع، والثانية عربيا ومتوسطيا، بحسب تصريحات مسؤولين في الشركة الجزائرية للطاقة.

ويندرج هذا التوسع ضمن برنامج وطني يشمل إنجاز 11 محطة تحلية باستثمار إجمالي يقدر بـ5.4 مليار دولار، من بينها خمس محطات أنجزت فعلا سنة 2025 باستثمار بلغ 2.4 مليار دولار، وفق معطيات نشرها موقع “الجزائر إيكو” الاقتصادي. وتهدف السلطات الجزائرية إلى رفع نسبة تغطية الاحتياجات المائية عبر التحلية من 18 في المئة إلى 42 في المئة بنهاية 2025، ثم إلى 60 في المئة بحلول 2030. كما أعلنت الشركة الجزائرية للطاقة عزمها دمج ما بين 30 و35 في المئة من الطاقات المتجددة في المحطات المقبلة المزمع إنشاؤها في سكيكدة وجيجل وتيزي وزو والشلف ومستغانم وتلمسان.

أما المغرب، فقد قفزت إنتاجيته من التحلية من نحو 40 مليون متر مكعب سنة 2021 إلى 350 مليون متر مكعب حاليا عبر 17 محطة عاملة، بحسب تصريحات وزير التجهيز والماء نزار بركة لموقع “لو360”. ويستهدف المخطط الوطني الوصول إلى 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول 2030، بما يغطي قرابة 60 في المئة من احتياجات المياه الصالحة للشرب. ويعد مشروع الدار البيضاء الأكبر في القارة الأفريقية من نوعه، بهدف إنتاج 300 مليون متر مكعب سنويا، فيما تزود محطة جرف الأصفر التابعة لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، والتي تنتج 200 مليون متر مكعب سنويا، كلا من الدار البيضاء الجنوبية والجديدة بجزء من احتياجاتهما من المياه الصالحة للشرب.

الزراعة: القطاع الأكثر عطشا والأقل كفاءة

يبقى القطاع الزراعي المستهلك الأكبر للمياه في المنطقة بلا منازع. فعلى المستوى العالمي، تستحوذ الزراعة على نحو 69 في المئة من إجمالي المياه المسحوبة، بحسب قاعدة بيانات “أكواستات” التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة، غير أن هذه النسبة ترتفع بشكل حاد في أفريقيا حيث تتجاوز 80 في المئة من إجمالي السحب المائي. وفي تقريره الصادر في نوفمبر 2025، ذهب البنك الدولي أبعد من ذلك، معتبرا أن الزراعة مسؤولة عن 98 في المئة مما يسميه “البصمة المائية” الإجمالية في أفريقيا، وهو مؤشر أوسع يشمل المياه المستهلكة فعليا وليس فقط المسحوبة.

والمفارقة أن جزءا كبيرا من هذا الاستهلاك يتسم بعدم الكفاءة. فقد حدد تقرير البنك الدولي الجزائر وتونس تحديدا كدولتين تستخدمان كمية مياه لكل طن من الإنتاج الزراعي تفوق ما يستخدمه نصف المنتجين العالميين في ظروف مناخية وتقنية مماثلة. ويرتبط أكثر من ثلثي هذا الاستخدام غير الفعال، بحسب التقرير نفسه، بمحاصيل شديدة الاستهلاك للمياه مثل الأرز والقمح والقطن والذرة وقصب السكر. ولا تتجاوز نسبة الأراضي الزراعية المسقية في المغرب العربي 15 في المئة من إجمالي المساحات الزراعية، ما يعني أن الزراعة البورية التي تعتمد كليا على الأمطار تبقى الأكثر انتشارا رغم هشاشتها أمام التقلبات المناخية.

في المقابل، يقدم المغرب نموذجا يستشهد به البنك الدولي كمثال ناجح نسبيا. فقد أدى اعتماد تعرفة مرتبطة بأداء الشبكات وحجم الاستهلاك في المناطق المسقية الكبرى، إلى جانب التوسع في الري بالتنقيط، إلى خفض استهلاك المياه الزراعية بنسبة 30 في المئة، بحسب التقرير الأممي ذاته. ويبقى السؤال البنيوي قائما رغم هذا التقدم: كيف توفق دول تعتمد اقتصاداتها الريفية جزئيا على الزراعة، إذ تشغل هذه الأخيرة نحو ثلث اليد العاملة في المغرب وتساهم بأكثر من 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في كل من الجزائر وتونس، بين ضرورة حماية الأمن الغذائي واستحالة الاستمرار في نمط استهلاك مائي غير مستدام.

من يدفع ثمن الماء؟ إصلاح التسعير بين الضرورة والحساسية الاجتماعية

يشكل ملف تسعير المياه أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، لأنه يمس مباشرة القدرة الشرائية للمواطنين والفلاحين على حد سواء. ويرى البنك الدولي أن التسعير المنخفض للمياه الزراعية، خصوصا في الدول التي تتجاوز فيها نسبة الأراضي المسقية 20 في المئة من الأراضي المزروعة، يشجع على الضخ المفرط ويفاقم استنزاف الاحتياطيات الجوفية والسطحية على حد سواء. وحدد تقرير “الجفاف القاري” الصادر عن البنك الدولي فجوة تمويل عالمية تناهز 6.7 تريليون دولار بحلول 2030 لضمان إدارة مستدامة للمياه، وهو رقم يعكس حجم التحدي الذي يتجاوز قدرات الميزانيات الوطنية وحدها.

ويستشهد التقرير بنموذجين أفريقيين اعتبرهما ناجحين نسبيا. النموذج الأول في غانا، حيث يحدد المسؤولون المحليون التعرفة على أساس القدرة على الدفع والاستدامة المالية معا، بحيث تدفع الفئات الأعلى دخلا تعرفة مرتفعة تمول استرداد التكاليف والاستثمار في البنية التحتية، فيما تستفيد الفئات محدودة الدخل من تعرفة مدعومة. والنموذج الثاني هو المغرب، حيث ارتبطت التعرفة بحجم الاستهلاك وأداء الشبكات، ما ساهم في خفض الاستهلاك الزراعي دون المساس بشكل جذري بالقدرة الشرائية للفلاحين الصغار.

أما في الجزائر، فقد اتخذ ملف الوصول إلى المياه بعدا اجتماعيا وسياسيا مباشرا أكثر منه تسعيريا. فبرامج التقنين المتكررة في العاصمة وولايات أخرى أثارت احتجاجات متفرقة في السنوات الأخيرة، وحملت السلطات المحلية والشركات المكلفة بالتوزيع مسؤولية الاختلالات، وهو ما يفسر جزئيا وتيرة الإقالات المتكررة على رأس القطاع. ويرى مراقبون أن استمرار الاعتماد على الدعم الشامل للمياه، دون إصلاح هيكلي للتعرفة يميز بين الاستهلاك المنزلي الأساسي والاستهلاك الزراعي أو الصناعي الكثيف، يحد من قدرة الدولة على تمويل صيانة الشبكات وتوسيع محطات التحلية على المدى الطويل.

التعاون العابر للحدود: من التنافس الصامت إلى التوافق المؤسسي

لا تقتصر أزمة المياه في أفريقيا على البعد الوطني، إذ تتقاسم دول القارة أحواضا نهرية وخزانات جوفية ضخمة تفرض تنسيقا سياسيا دقيقا. ويكشف تقرير البنك الدولي في هذا الصدد عن فجوة حوكمة خطيرة، إذ يفتقر أكثر من نصف مجاري الأنهار الدولية وشبه كل الخزانات الجوفية العابرة للحدود إلى آليات تنسيق فعلية بين الدول المتشاطئة.

يمثل ملف سد النهضة الإثيوبي أبرز مثال على حدة هذا التوتر. فبعد أربعة عشر عاما من الأشغال، دشنت إثيوبيا رسميا في 9 سبتمبر 2025 السد الذي بات أكبر منشأة كهرومائية في القارة، بكلفة تقارب 4 مليارات دولار وقدرة إنتاجية تبلغ 5150 ميغاواط وسعة خزانية تصل إلى 74 مليار متر مكعب. غير أن هذا الافتتاح جاء وسط اعتراض مصري وسوداني حاد، إذ تعتمد مصر على نهر النيل لتغطية ما يقارب 90 في المئة من احتياجاتها من المياه العذبة، فيما لا تتجاوز مواردها المائية الحالية 60 مليار متر مكعب سنويا مقابل احتياجات تقدر بنحو 114 مليار متر مكعب، بحسب وزارة الموارد المائية المصرية. وردا على التدشين، وجهت القاهرة رسالة احتجاج رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، واصفة الخطوة الإثيوبية الأحادية بأنها “انتهاك للقانون الدولي”. في المقابل، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أن بلاده “لن تحرم جيرانها من حصتهم من المياه”، مؤكدا أن الهدف من السد ليس الإضرار بمصر والسودان بل دعم التنمية الإقليمية ككل.

وفي منطقة الساحل، يقدم ملف بحيرة تشاد صورة مغايرة تماما تكشف تعقيد قراءة أزمات المياه الأفريقية. فبينما تشير روايات متداولة منذ عقود إلى أن البحيرة فقدت أكثر من 90 في المئة من مساحتها منذ الستينيات، إذ تراجعت من 25 ألف كيلومتر مربع إلى أقل من 2000 كيلومتر مربع، فإن دراسات علمية أحدث نشرتها مجلة “ساينتفيك ريبورتس” عامي 2020 و2024 تفيد بأن مساحة البحيرة السطحية استقرت خلال العقدين الأخيرين، بل إن حجم مياهها الجوفية في تزايد، إذ بلغ الحجم الإجمالي للمياه المخزنة نحو 18800 وحدة قياسية سنة 2022 وفق هذه الدراسات. ويبقى هذا التباين بين الرواية الشعبية والمعطيات العلمية الحديثة أحد أبرز نقاط الجدل في ملف المياه الأفريقي، فيما تواصل لجنة حوض بحيرة تشاد، التي تضم الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا، العمل على تنسيق استغلال هذا المورد الذي يعتمد عليه نحو 49 مليون نسمة بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويأتي إعلان طرابلس الموقع بين الجزائر وتونس وليبيا في أفريل 2026 ليقدم نموذجا مغايرا لهذا المنطق التصادمي، إذ اختارت الدول الثلاث المشاركة المؤسسية بدل الاستغلال الأحادي، في سابقة قد تشكل مرجعا لإدارة موارد مائية مشتركة أخرى في القارة.

تغير المناخ: مضاعف الأزمة وليس سببها الوحيد

يحذر معهد الموارد العالمية من أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتصدر التصنيف العالمي للإجهاد المائي، مع توقعات بأن تعاني كل دولة في المنطقة من ندرة مائية حادة بحلول 2050. ويعيش نحو 83 في المئة من سكان المنطقة حاليا بالفعل في ظل إجهاد مائي شديد للغاية، فيما تستهلك الري والثروة الحيوانية والصناعة والاستخدامات المنزلية أكثر من 80 في المئة من الاحتياطيات المتوفرة في سنة عادية، ما يجعل أي موجة جفاف قصيرة كفيلة بإحداث أزمة حادة تدفع الحكومات إلى قطع المياه عن السكان.

ويؤكد الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ أن مخاطر توفر المياه ستستمر في الارتفاع على المديين المتوسط والبعيد في كل مناطق العالم دون استثناء. وتشير تقديرات استعرضتها مؤسسات مالية مغربية إلى أن ندرة المياه المتفاقمة بفعل التغير المناخي قد تؤدي إلى تراجع في الناتج المحلي الإجمالي بحدود 6 في المئة في بعض مناطق المنطقة بحلول 2050، نتيجة تأثيراتها المركبة على الزراعة والصحة والدخل الفردي. وتزيد هذه المعطيات من إلحاح الرهان على حلول غير تقليدية كالتحلية وتحسين كفاءة الري، باعتبارها لم تعد خيارات تكميلية بل شرطا لاستمرار التنمية في المنطقة.

غير أن باحثين يحذرون من اختزال الأزمة كليا في التغير المناخي، معتبرين أن سوء الحوكمة وضعف التسعير والفاقد التقني في الشبكات تشكل عوامل بشرية مباشرة لا تقل خطورة عن التحولات المناخية نفسها، وهو ما يفسر لماذا تركز التوصيات الدولية الحديثة على إصلاح الإدارة والتسعير بقدر تركيزها على البنية التحتية والتقنيات الجديدة.

أرقام أساسية لفهم الأزمة

المؤشرالقيمةالمصدر
نسبة السكان في وضعية إجهاد مائي في تونس80 في المئةالبنك الدولي
نسبة السكان في وضعية إجهاد مائي في المغرب70 في المئةالبنك الدولي
نسبة السكان في وضعية إجهاد مائي في الجزائر40 في المئةالبنك الدولي
حصة الفرد من المياه سنويا في المغرب620 مترا مكعباالبنك الدولي
حجم مياه الخزان الجوفي للصحراء الشماليةأكثر من 40 ألف مليار متر مكعبفرانس24 عن مصادر ليبية
السحب الجوفي مقابل التجدد الطبيعي في الجزائر3 مليارات مقابل 1.5 مليار متر مكعب سنوياموقع أومّا
السعة الوطنية للتحلية في الجزائر3.75 مليون متر مكعب يومياالجزائر إيكو
إنتاج التحلية في المغرب حاليا350 مليون متر مكعب سنوياوزارة التجهيز والماء المغربية
حصة الزراعة من السحب المائي في أفريقياأكثر من 80 في المئةمنظمة الأغذية والزراعة
فجوة التمويل العالمية لإدارة المياي بحلول 20306.7 تريليون دولارالبنك الدولي

الفاعلون الرئيسيون في ملف المياه

تتوزع المسؤولية في هذا الملف بين فاعلين متعددين. فعلى المستوى الوطني، تتصدر وزارات الموارد المائية والشركات العمومية المكلفة بالتوزيع كالجزائرية للمياه في الجزائر والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب في المغرب والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه في تونس، إدارة الملف اليومي. وتلعب مجموعة سوناطراك عبر فرعها المتخصص في الجزائر، ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط عبر ذراعها “أو سي بي غرين ووتر” في المغرب، دورا صناعيا مباشرا في بناء وتشغيل محطات التحلية، في مؤشر على تداخل قطاعي الطاقة والمياه بشكل متزايد.

أما على المستوى الدولي، فيبرز البنك الدولي كفاعل مالي وتقني رئيسي عبر تمويل مشاريع تحديث الشبكات وتوسيع محطات التحلية، كما هو الحال في تونس عبر مشاريع بقيمة 332.5 مليون دولار تشمل تحديث الشركة الوطنية لاستغلال المياه وتوسيع محطة تحلية زارات في قابس ونشر 100 ألف عداد ذكي وإعادة تأهيل شبكات صفاقس وتوزر وقبلي. وتتقاسم منظمة الأغذية والزراعة عبر قاعدة بياناتها “أكواستات” ومعهد الموارد العالمية عبء رصد وتصنيف مستويات الإجهاد المائي عالميا، فيما تتولى آلية التشاور الثلاثية الجديدة بين الجزائر وتونس وليبيا إدارة الخزان الجوفي المشترك للصحراء الشمالية.

نقاط الخلاف: أين يكمن الجدل؟

يتمحور الجدل الأول حول جدوى التحلية اقتصاديا وبيئيا على المدى الطويل. فبينما تراهن الجزائر والمغرب على هذه التقنية باعتبارها الحل الأكثر استقلالية عن تقلبات المطر، يحذر خبراء بيئيون من الكلفة الطاقية المرتفعة لهذه المحطات، إذ تستهلك الطاقة وحدها ما يصل إلى 60 في المئة من كلفة تشغيل محطات التحلية، إضافة إلى إشكالية التخلص من المياه المالحة المركزة الناتجة عن العملية والتي قد تضر بالنظم البيئية البحرية إن لم تدر بشكل صارم.

أما الجدل الثاني، فيتعلق بإصلاح تسعير المياه الزراعية. فبينما يعتبر البنك الدولي هذا الإصلاح ضرورة اقتصادية لا مفر منها لوقف الضخ المفرط، تحذر أوساط فلاحية في الجزائر وتونس من أن رفع التعرفة دون مرافقة اجتماعية كافية قد يهدد دخل صغار الفلاحين ويفاقم هشاشة الأمن الغذائي في مناطق ريفية تعتمد كليا على الزراعة المسقية.

ويبرز جدل ثالث حول قراءة بيانات بحيرة تشاد، بين رواية “الاختفاء التدريجي” المتداولة إعلاميا منذ عقود ورواية “الاستقرار النسبي” التي تدعمها دراسات الاستشعار عن بعد الحديثة، وهو خلاف يعكس أهمية التمييز بين المساحة السطحية للمسطحات المائية وحجم مخزونها الجوفي الفعلي عند تقييم أي أزمة مائية.

إلى أين تتجه سياسات المياه في المنطقة؟

يشير المسار الحالي إلى تسارع الاستثمار في التحلية كخيار استراتيجي دائم وليس حلا طارئا، إذ تخطط الجزائر لبلوغ 60 في المئة من التغطية عبر هذه التقنية بحلول 2030، فيما يستهدف المغرب سقفا مشابها في الأفق الزمني نفسه. وفي موازاة ذلك، يتوقع أن تشهد آلية التشاور الثلاثية حول الخزان الجوفي للصحراء الشمالية تطويرا تدريجيا لأدواتها التقنية، عبر أنظمة رصد قائمة على النماذج الرياضية والبيانات الساتلية عالية الدقة، بما قد يمهد لتوسيع هذا النموذج التشاركي إلى أحواض مائية أفريقية أخرى تعاني من غياب تنسيق مماثل.

وعلى صعيد التمويل، يرجح أن تتزايد أهمية الشراكات بين القطاعين العام والخاص لسد فجوة تمويل تقدر عالميا بـ6.7 تريليون دولار بحلول 2030، عبر أدوات مالية مبتكرة كالسندات الخضراء والزرقاء. أما على الصعيد الزراعي، فمن المرجح أن تتوسع تجربة التسعير المرتبط بالأداء التي اختبرها المغرب إلى دول مغاربية أخرى، شريطة توفر الإرادة السياسية اللازمة لمواجهة الحساسية الاجتماعية المرتبطة بهذا الملف.

أسئلة شائعة حول أزمة المياه

ما الفرق بين الإجهاد المائي وندرة المياه؟
يشير الإجهاد المائي إلى وضعية يتجاوز فيها الطلب على المياه الكمية المتاحة من الموارد المتجددة، فيما تعني الندرة غياب الموارد الكافية أصلا لتلبية الحاجيات الأساسية، وهي مرحلة أكثر حدة من الإجهاد.

لماذا تراهن الجزائر والمغرب على التحلية بدل الاكتفاء بالسدود؟
لأن السدود تعتمد كليا على التساقطات المطرية المتقلبة، بينما توفر التحلية مصدرا مستقلا عن المناخ، رغم كلفتها الطاقية المرتفعة.

ما هو الخزان الجوفي للصحراء الشمالية؟
هو أحد أكبر احتياطيات المياه الجوفية الأحفورية في العالم، يمتد تحت أراضي الجزائر وتونس وليبيا، ويقدر حجمه بأكثر من 40 ألف مليار متر مكعب.

هل ما زالت بحيرة تشاد تجف؟
تشير دراسات علمية حديثة إلى استقرار نسبي في مساحتها السطحية خلال العقدين الأخيرين، ما يخالف الرواية الشائعة عن اختفائها التدريجي، وإن كانت المنطقة المحيطة بها تظل عرضة لضغط سكاني وبيئي كبير.

كيف يؤثر سد النهضة الإثيوبي على المغرب العربي؟
لا يوجد ارتباط مائي مباشر بين حوض النيل والمغرب العربي، لكن الملف يشكل سابقة إقليمية مهمة في إدارة الأنهار العابرة للحدود، وهو ما يجعله مرجعا يستحضر في نقاشات التعاون المائي المغاربي.

في نهاية المطاف، تكشف خريطة المياه في المغرب العربي وأفريقيا عن أزمة متعددة الطبقات، تتقاطع فيها الهشاشة المناخية مع اختلالات الحوكمة ومع رهانات جيوسياسية متصاعدة حول موارد عابرة للحدود. وبين نجاح نسبي في تنويع مصادر المياه عبر التحلية، وإخفاق مستمر في إصلاح التسعير الزراعي، تبقى معركة الأمن المائي في المنطقة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، ترتبط نتيجتها بقدرة الحكومات على الموازنة بين الضرورة الاقتصادية والحساسية الاجتماعية لملف يمس الحياة اليومية لملايين السكان.


المصادر

  1. البنك الدولي – تقرير “Global Water Monitoring Report: Continental Drying”، نوفمبر 2025
    https://openknowledge.worldbank.org/entities/publication/9ed91bc1-3f24-4186-aacb-5ac4bfe52e66 – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  2. فرانس24 – “eaux souterraines du Sahara: la Libye, l’Algérie et la Tunisie veulent une exploitation équitable”، 29 أفريل 2026
    https://www.france24.com/fr/afrique/20260429-eaux-souterraines-du-sahara-libye-alg%C3%A9rie-et-tunisie-pour-une-exploitation-%C3%A9quitable – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  3. جون أفريك – “La Libye, l’Algérie et la Tunisie s’engagent à une exploitation équitable des eaux du Sahara”، 30 أفريل 2026
    https://www.jeuneafrique.com/1792951/politique/la-libye-lalgerie-et-la-tunisie-sengagent-a-une-exploitation-equitable-des-eaux-du-sahara/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  4. لو360 – “Barrages, dessalement, transferts d’eau… Comment le Maroc restructure son mix hydrique”، مارس 2026
    https://fr.le360.ma/economie/barrages-dessalement-transferts-deau-comment-le-maroc-restructure-son-mix-hydrique_5AO5HQFSFBAHLARZHGRWVBYYAA/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  5. لو360 أفريك – “Stress hydrique et réformes tarifaires de l’eau”، 7 نوفمبر 2025
    https://afrique.le360.ma/economie/stress-hydrique-et-reformes-tarifaires-de-leau-les-pays-africains-en-crise-et-les-modeles-de_YMBT5DGT55AF5NSL7FES6WO5WI/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  6. موقع تي إس إيه الجزائر – “لالجيري ميت أون شونتيي أون نوفيل ستاسيون دو ديسالمون”، يوليوز 2026
    https://www.tsa-algerie.com/lalgerie-met-en-chantier-une-nouvelle-station-de-dessalement/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  7. ويكيبيديا الفرنسية – “Liste des stations de dessalement en Algérie”، تحديث أفريل 2026
    https://fr.wikipedia.org/wiki/Liste_des_stations_de_dessalement_en_Alg%C3%A9rie – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  8. أجونس إيكوفين – “L’Éthiopie inaugure son Grand Barrage de la Renaissance”، 9 سبتمبر 2025
    https://www.agenceecofin.com/actualites/0909-131326-l-ethiopie-inaugure-son-grand-barrage-de-la-renaissance – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  9. منظمة الأغذية والزراعة – قاعدة بيانات أكواستات، “Usages de l’eau”
    https://www.fao.org/aquastat/fr/overview/methodology/water-use/index.html – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  10. موقع مونغاباي – “Le lac Tchad ne rétrécit pas، mais le changement climatique est à l’origine d’autres problèmes”، مارس 2025
    https://fr.mongabay.com/2025/03/le-lac-tchad-ne-retrecit-pas-mais-le-changement-climatique-est-a-lorigine-dautres-problemes/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  11. موقع المغرب الناشئ – “Algérie، Maroc et Tunisie: net rebond des réserves hydriques”، فبراير 2026
    https://maghrebemergent.news/fr/algerie-maroc-et-tunisie-net-rebond-des-reserves-hydriques-apres-plusieurs-annees-de-stress/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026
  12. مجلة ريياليتي التونسية – “Stress hydrique en Tunisie: Faire barrage au désastre”، يوليوز 2026
    https://realites.com.tn/fr/stress-hydrique-en-tunisie-faire-barrage-au-desastre/ – اطلع عليه بتاريخ 18 يوليوز 2026

هيئة التحرير