لماذا هذا مهم: يمثل انقلاب 1973 واحدة من أوضح الحالات الموثقة لتدخل استخباراتي أجنبي في الإطاحة بحكومة منتخبة ديمقراطيا خلال الحرب الباردة، بحسب وثائق أمريكية أفرج عنها لاحقا. فهم تفاصيله ضروري اليوم، ليس فقط لإنصاف ضحايا الديكتاتورية التي أعقبته، بل لأن النقاش حول التدخل الخارجي في مصائر الشعوب وحدود الشرعية الانتخابية، وعن مسؤولية الدول الكبرى في الانقلابات التي دعمتها بصمت أو بعلن، لا يزال حاضرا من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.
لا يزال التسجيل الصوتي متداولا حتى اليوم، رغم مرور أكثر من نصف قرن على تلك الساعات الأخيرة. في صباح ذلك الثلاثاء، تحدث سلفادور الليندي للمرة الأخيرة عبر أثير إذاعة ماغايانس، بصوت لم تخنه الرباطة رغم علمه أن الطائرات الحربية تحلق فوق العاصمة سانتياغو استعدادا لقصف القصر الرئاسي لا مونيدا الذي كان لا يزال يتحصن فيه. أستمع إلى ذلك الصوت اليوم كما استمع إليه ملايين التشيليين حينها، وأتساءل: كم من المرات في التاريخ تحولت إذاعة عادية، لدقائق معدودة، إلى آخر وثيقة حية لعهد كامل قبل أن يطفئه القصف؟








فبعد ظهر ذلك اليوم، اقتحمت القوات الموالية للجنرال أوغستو بينوشيه، قائد الجيش الذي عينه الليندي نفسه قبل أشهر قليلة، قصر لا مونيدا بعد قصفه بطائرات حربية من طراز هوكر هانتر. رفض الليندي عروض المنفى الآمن التي قدمت له في تلك الساعات، وتوفي أثناء الاقتحام الأخير للقصر، وفق ما خلصت إليه لاحقا تحقيقات قضائية تشيلية أعادت فحص رفاته رسميا. لم يكن ذلك الانقلاب وليد لحظته: فقد كشفت مكالمات هاتفية مسجلة لوزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر، أفرج عنها أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن، أن واشنطن كانت تتابع عن كثب وتسهم في تهيئة الظروف التي أفضت إلى إسقاط حكومة الليندي، الذي كان قد وصل إلى الرئاسة عام 1970 عبر صناديق الاقتراع بنسبة تجاوزت ثلث الأصوات، قبل أن يثير قراره تأميم مناجم النحاس، المصدر الأول لثروة البلاد، غضب إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون.
وما إن استقر الحكم العسكري حتى بدأ فصل أطول وأشد قسوة: حظر الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، وتعليق الدستور، وتفكيك المؤسسات المنتخبة. اعتقلت أجهزة الاستخبارات العسكرية، وعلى رأسها جهاز دينا السري، عشرات الآلاف في أسابيع الانقلاب الأولى وحدها، وتحول الملعب الوطني في سانتياغو، حيث كان الجمهور يهتف يوما لفرقه الرياضية المفضلة، إلى مركز اعتقال جماعي واستجواب. ووفق مراجعة نهائية لنتائج لجنتي ريتيغ وفاليش الرسميتين، استعرضتها منظمة العفو الدولية، فإن أكثر من 3200 شخص قتلوا أو ما زالوا في عداد المفقودين خلال سنوات الحكم العسكري السبع عشرة، بينما اعترفت الدولة التشيلية رسميا بأكثر من 38 ألف ناج من الاعتقال التعسفي أو التعذيب. اضطر عشرات آلاف آخرين إلى مغادرة بلدهم، ليتوزعوا لاجئين بين المكسيك والسويد وفرنسا وفنزويلا وغيرها من البلدان التي فتحت سفاراتها لاستقبالهم، حاملين معهم لغة بلد بأكمله إلى منافٍ لم يخترها أغلبهم، ومؤسسين هناك جمعيات تضامن ظلت تراقب من بعيد ما كان يجري في وطنهم.
لم تغلق هذه الملفات بانتهاء الحكم العسكري عام 1990. فقد أفضى استفتاء أكتوبر 1988، الذي رفض فيه التشيليون تمديد ولاية بينوشيه في صندوق اقتراع لم يكن الجنرال نفسه يتوقع خسارته، إلى انتخابات ديمقراطية أعادت باتريسيو إيلوين إلى سدة الرئاسة عام 1990. شكل إيلوين حينها لجنة ريتيغ لتوثيق جرائم الحكم السابق، في خطوة اعتبرت آنذاك سابقة إقليمية في التعامل مع إرث الديكتاتوريات. وفي عام 1998، أثار اعتقال بينوشيه نفسه في لندن، بناء على مذكرة قضائية إسبانية، نقاشا عالميا حول إمكانية محاكمة رؤساء دول سابقين عن جرائم ارتكبت في عهدهم خارج حدود بلدهم. وما زالت الوثائق الأمريكية تخرج تباعا إلى العلن: ففي 2023، أفرجت وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكيتان عن مذكرتين استخباريتين سريتين قدمتا للرئيس نيكسون في يومي 8 و11 سبتمبر 1973، تؤكدان اطلاعه المسبق على تفاصيل التحرك العسكري، رغم أن واشنطن نفت لعقود أي تورط مباشر في تدبيره.
ما الذي يبقى، إذن، بعد كل هذه العقود؟ يبقى، أولا، أولئك النساء اللواتي لم يتوقفن يوما عن السير: أمهات وزوجات وبنات المعتقلين المفقودين، اللواتي أسسن جمعياتهن الخاصة منذ السنوات الأولى للديكتاتورية، وواصلن المطالبة بمعرفة مصير أبنائهن حتى بعد أن هرم كثير منهن، ولم تثنهن سنوات القمع ولا الصمت الرسمي الطويل عن السير أسبوعا بعد أسبوع أمام مبانٍ حكومية لم تجبهن يوما بجواب كامل. كتب الروائي الفرنسي ألبير كامو يوما إن التمرد هو الفعل الذي يرفض به الإنسان أن يختزل في صمت الخضوع، وهذا بالضبط ما فعلته تلك النساء حين حولن الغياب إلى مطالبة لا تنقطع بالحقيقة. وذهب الكاتب التشيكي ميلان كونديرا، من موقع آخر من التاريخ، إلى أن مقاومة السلطة لا تختصر في مواجهة عسكرية، بل هي في جوهرها معركة الذاكرة ضد النسيان الذي تحاول الأنظمة القمعية فرضه بالقوة. حين أستمع اليوم إلى ذلك التسجيل الصوتي القديم، لا أسمع فقط صوت رئيس يودع شعبه، بل أسمع أيضا صدى كل الأصوات التي حاولت لاحقا إخراسها، ولم تنجح كليا، من زنازين الملعب الوطني إلى مكاتب المحققين الذين أعادوا فتح الملفات بعد عقود. فالذاكرة، كما تعلمنا تشيلي بصبرها الطويل، تقاوم أطول مما تتوقع البنادق، وأعند من أن تمحوها مذكرة سرية أو قرار عفو.
المصادر
- منظمة العفو الدولية – تقرير “حقائق وأرقام: تشيلي في عهد أوغستو بينوشيه”
https://www.amnesty.org/ar/wp-content/uploads/2021/06/amr220092013en.pdf
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن – مذكرات نيكسون الاستخباراتية اليومية المفرج عنها بشأن الانقلاب
https://nsarchive.gwu.edu/node/4252
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن – نص مكالمة كيسنجر ونيكسون الهاتفية المفرج عنها
https://nsarchive2.gwu.edu/NSAEBB/NSAEBB123/chile.htm
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - هيومن رايتس ووتش – تقرير حول نتائج لجنة ريتيغ لتقصي الحقائق في تشيلي
https://www.hrw.org/reports/1992/WR92/AMW-03.htm
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - صحيفة الشرق الأوسط – خلفية تاريخية حول انتخاب سلفادور الليندي وانقلاب 1973
https://aawsat.com/node/3401516
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



