بقلم: سمير بلعطاش
هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه الشخصي، ولا يمثّل بالضرورة الموقف التحريري لمجلة الأحرار.
منذ مساء الأربعاء 26 أوت 2026، تحترق ولايات جيجل وبجاية وتيزي وزو، وتتصاعد فوقها أعمدة الدخان التي تحوّلت خلال أيام قليلة إلى صورة مألوفة، مؤلمة، ومكرَّرة كل صيف تقريبا منذ سنوات. أعلن وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، مساء الأربعاء، سقوط اثني عشر قتيلا: خمسة في جيجل، وأربعة في بجاية، وثلاثة في تيزي وزو، إلى جانب 54 جريحا، من بينهم ستة في حالة خطيرة. وبحسب موقع تي أس أ، ارتفعت الحصيلة الإجمالية للحرائق منذ بداية الصيف إلى 18 قتيلا على المستوى الوطني. وقرّرت الحكومة، ابتداء من يوم الخميس 27 أوت، حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام.
لكن هذه الأرقام الرسمية، مهما بلغت خطورتها، لا تعكس بالضرورة كامل الصورة. فقد تناقلت صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي، تابعة لعدد من القرى المنكوبة في جيجل خصوصا، حديثا عن حصيلة أعلى بكثير مما أعلنته وزارة الداخلية، من دون أن تؤكد أي جهة رسمية هذه الأرقام حتى كتابة هذه السطور. لا يمكن التعامل مع هذه الروايات كحقيقة ثابتة، لكن لا يمكن أيضا تجاهلها. فالفجوة الواسعة بين ما تعلنه الدولة وما يتداوله سكان المناطق المنكوبة أنفسهم تطرح، بحد ذاتها، سؤالا مباشرا عن مصداقية الأرقام الرسمية وعن غياب آلية مستقلة لإحصاء الضحايا بعيدا عن مركزية الخطاب الحكومي.
الأخطر من ذلك أن هذه ليست المرة الأولى التي تشتعل فيها الجزائر على هذا النحو. ففي أوت 2021، التهمت الحرائق التي اجتاحت منطقة القبائل، وخصوصا ولاية تيزي وزو، نحو تسعين شخصا، من بينهم 33 عسكريا شاركوا في عمليات الإطفاء، وامتدت الأضرار على نحو 89 ألف هكتار في 35 ولاية. حينها أعلنت الرئاسة صرف تعويضات لعائلات الضحايا المدنيين والعسكريين، وأُعلن عن تشكيل لجنة وطنية لتقييم الأضرار والتعويض عنها. خمس سنوات بعد تلك الكارثة، تحترق الجزائر من جديد في الشهر نفسه تقريبا، وفي بعض الولايات نفسها، ما يعني أن الدروس التي كان يُفترض أن تُستخلص من مأساة 2021 لم تتحوّل إلى سياسة وقاية فعلية.
لم تكتف النار بالتهام الغابات. في جيجل وبجاية، اضطرت عائلات بأكملها إلى إخلاء منازلها مع اقتراب اللهب من المناطق السكنية، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية والحماية المدنية. بيوت صارت مهددة، ومحاصيل احترقت قبل أوان جنيها، وأشجار زيتون قديمة، بعضها متوارث عبر أجيال، تحوّلت إلى جذوع سوداء. هذا هو الوجه الآخر للكارثة، الوجه الذي لا تلخّصه الأرقام الرسمية للقتلى والجرحى وحدها.
المسؤولون الحكوميون حاضرون، لكن حضورهم يقتصر غالبا على الظهور أمام الكاميرات. توجّه وزير الداخلية، مرفوقا بوزير الصحة محمد الصديق آيت مسعودان، إلى مستشفى سوق الإثنين في بجاية للاطمئنان على الجرحى، وأشاد الوزير بجهود الحماية المدنية والدرك الوطني والمجتمع المدني. هذه الزيارات ضرورية. لكنها لا تُغني عن السؤال الأهم: أين خطة الوقاية السنوية التي تمنع تكرار الكارثة نفسها كل صيف؟ أحصت الحماية المدنية، وفق بياناتها المتتالية، نحو 193 حريقا في 15 ولاية خلال يوم واحد فقط، أُخمد منها 147 وبقي 46 مشتعلا حتى صباح الخميس. رقم بهذا الحجم لا يدل على حادث معزول، بل على هشاشة بنيوية في التعامل مع موسم الحرائق. فالوقاية تظل غائبة في أغلب المناطق المعرّضة للخطر: لا ممرات نار كافية داخل الغابات، ولا عدد كافٍ من طائرات الإطفاء، وإنذار مبكر يكاد لا يسبق وصول اللهب إلى المنازل.
يظل الجدل حول أسباب هذه الحرائق مفتوحا كذلك. فالسلطات الجزائرية اعتادت، في كل موسم حرائق، الحديث عن أصل إجرامي لبعض الاندلاعات، من دون أن يرافق ذلك دائما تحقيقات علنية وشفافة تُطلع الرأي العام على نتائجها. يبدو، في الوقت ذاته، أن جانبا من الطاقة الرسمية يُصرف على ملاحقة من ينتقد أداء الدولة في التعامل مع الكوارث، بدل أن يُصرف على مساءلة من فشل فعليا في حماية المواطنين وأملاكهم. هذا الخلل في ترتيب الأولويات هو ما يجعل الكارثة الطبيعية كارثة سياسية أيضا: كارثة غياب المحاسبة.
الجزائر ليست استثناء في تعرّضها لموجات حر وجفاف متزايدة تجعل من حرائق الغابات ظاهرة متكررة في عموم حوض المتوسط. لكن التكيّف مع هذا الواقع المناخي يتطلب سياسة دولة، لا بيانات مناسباتية. فحين تتكرر الكارثة نفسها كل صيف تقريبا، في الولايات نفسها أحيانا، فإن مسؤولية الدولة لا تنحصر في الطبيعة وتقلباتها، بل تمتد إلى غياب الاستعداد المسبق وضعف منظومة الإنذار والتدخل.
في انتظار حصيلة رسمية نهائية لا تزال، بحسب البيانات المتاحة حتى الآن، مرشحة للارتفاع، تبقى ثلاثة أيام الحداد الوطني التي أعلنتها الحكومة اعترافا صريحا بحجم الكارثة. لكن الحداد وحده لا يبني ممرات النار، ولا يُموّل طائرات الإطفاء، ولا يحاسب من قصّر. وما لم تتحوّل هذه الأيام الثلاثة إلى مساءلة فعلية، فإن الجزائر مرشحة، كما تكرر كل سنة تقريبا، لأن تحترق من جديد في الصيف المقبل.
المصادر
- تي أس أ (TSA) – “Incendies en Algérie : 12 morts et 54 blessés”
https://www.tsa-algerie.com/incendies-en-algerie-12-morts-et-54-blesses/ – تم الاطلاع عليه في 28 أوت 2026 - فرانس 24 – “En Algérie, des feux de forêt font au moins 12 morts dans l’est du pays”
https://www.france24.com/fr/afrique/20260826-algerie-incendies-feux-de-foret-deux-morts-blesses-evacuations-bejaia-jijel – تم الاطلاع عليه في 28 أوت 2026 - كابيتاليس (Kapitalis) – “Algérie : Trois jours de deuil après une nuit de feu et de mort”
https://kapitalis.com/tunisie/2026/08/28/algerie-trois-jours-de-deuil-apres-une-nuit-de-feu-et-de-mort/ – تم الاطلاع عليه في 28 أوت 2026 - الجزائر إيكو (Algérie Eco) – “Algérie : Au moins 12 morts dans les incendies de forêts”
https://algerie-eco.com/2026/08/27/algerie-au-moins-12-morts-dans-les-incendies-de-forets/ – تم الاطلاع عليه في 28 أوت 2026 - فرانس 24 – “L’Algérie combat ses derniers incendies, le bilan humain s’alourdit à 90 morts” (أرشيف 2021)
https://www.france24.com/fr/afrique/20210814-l-algerie-combat-ses-derniers-incendies-le-bilan-humain-s-alourdit-a-90-morts – تم الاطلاع عليه في 28 أوت 2026
ملاحظة تحريرية : الحديث عن حصيلة قتلى تفوق 180 شخصا في جيجل وحدها مصدره صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة لقرى منكوبة، ولم تؤكده أي جهة رسمية أو وكالة أنباء حتى نشر هذا المقال. أُدرج في المقال كعنصر نقاش حول شفافية الحصيلة الرسمية، لا كرقم مؤكد.
سمير بلعطاش – مجلة الأحرار



