الرئيسيةالتحليلاتتحليلات استراتيجيةالجزائر توسع نفوذها في الساحل: تقارب متسارع مع النيجر و بوركينا فاسو

الجزائر توسع نفوذها في الساحل: تقارب متسارع مع النيجر و بوركينا فاسو

استقبلت الجزائر العاصمة رئيس وزراء النيجر، علي محمان لامين زين، في زيارة عمل استمرت يومين، توجت سلسلة من الخطوات الدبلوماسية والاقتصادية التي أعادت بناء العلاقة بين البلدين بعد أزمة إسقاط مسيرة مالية في أبريل 2025. وبينما ترسخت الشراكة مع النيجر وبوركينا فاسو حول الطاقة والتعدين والأمن، يبقى ملف التطبيع مع باماكو الأكثر تعقيدا وسط تصعيد أمني متواصل في شمال مالي.

وصل رئيس وزراء جمهورية النيجر مساء الأربعاء 26 أغسطس 2026 إلى مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة، على رأس وفد وزاري رفيع المستوى، وفق ما أوردته وكالة الأنباء النيجرية. واستقبله عند وصوله رئيس الوزراء الجزائري سيفي غريب، بحضور عدد من أعضاء الحكومة الجزائرية، من بينهم وزير الدولة لشؤون المحروقات محمد عرقاب ووزير الطاقة والطاقات المتجددة مراد عجال. وفي اليوم الثاني من الزيارة، الخميس 27 أغسطس، عقد المسؤولان لقاء ثنائيا في قصر الحكومة تناول، بحسب بيان مصالح رئاسة الوزراء الجزائرية، حصيلة العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين.

من أزمة المسيرة إلى عودة السفراء

تعود جذور الأزمة إلى ليلة 31 مارس إلى فاتح أبريل 2025، حين أسقط الدفاع الجوي الجزائري مسيرة عسكرية مالية من طراز “بيرقدار أكينجي” قرب بلدة تين زاواتين. وأكدت الجزائر آنذاك أن الطائرة اخترقت مجالها الجوي لمسافة كيلومترين، في حين نفت باماكو هذه الرواية. وردا على الحادثة، استدعت مالي وبوركينا فاسو والنيجر سفراءها من الجزائر، فقابلتها الجزائر بالمثل وأغلق البلدان مجاليهما الجويين أمام بعضهما. وانتقل الخلاف في سبتمبر 2025 إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة.

بدأ الانفراج مع نيامي أولا. ففي يناير 2026 توجه محمد عرقاب إلى النيجر لإحياء عدة ملفات طاقوية، وفي 12 فبراير أعلن البلدان عودة سفيريهما. وبعد ثلاثة أيام فقط، وصل الجنرال عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في زيارة استغرقت يومين على رأس وفد وزاري كبير، وصفتها وكالة الأنباء النيجرية بـ”الزيارة التاريخية”. وتوسعت المحادثات حينها لتشمل، إلى جانب الطاقة، البنى التحتية والصحة والتكوين، قبل أن تنعقد الدورة الثانية للجنة المختلطة الجزائرية النيجرية في نيامي في 23 مارس.

خط أنابيب الغاز العابر للصحراء في قلب الشراكة مع نيامي

تحول ملف الطاقة سريعا إلى واجهة هذا التقارب. ففي 3 يونيو، استعرض الاجتماع الوزاري الخامس للجنة توجيه مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء بالجزائر العاصمة نتائج تحديث دراسة الجدوى التي أنجزتها شركة “بنسبن”. وفي اليوم التالي، دشن محمد عرقاب ونظيره النيجري حمادو تيني والوزير النيجيري إكبيريكبي إكبو أشغال القسم الجزائري من المشروع في أولف بولاية أدرار. وحضر الحفل الرئيس المدير العام لشركة سوناطراك نور الدين داودي. ويمتد الخط لأكثر من 4128 كيلومترا عبر النيجر ثم الصحراء الجزائرية وصولا إلى حاسي الرمل، حيث يمكن للغاز أن يتصل بخطي “ترانسميد” و”ميدغاز” النافذين أصلا نحو إيطاليا وإسبانيا. ويتفوق هذا المسار، بحسب موقع “أفريك”، على منافسه الأطلسي الرابط بين نيجيريا والمغرب، الذي يمتد نحو 6800 كيلومتر عبر ثلاثة عشر بلدا بكلفة تقديرية أعلى.

اكتسب التعاون بعدا أمنيا مباشرا في 9 أغسطس. غادرت يومها أربع مروحيات جزائرية من طراز “مي-24 في” و”مي-171″ قاعدة عين قزام جنوب البلاد متجهة إلى نيامي، هبة من الجزائر لسلاح الجو النيجري. واستلم الطائرات الجنرال سليفو ميناسارا. سبق ذلك تدشين محطة كهربائية بقدرة 40 ميغاواط في يونيو، وإطلاق مشروع نفطي في منطقة بيلما في 13 أغسطس بحضور رئيس الوزراء الجزائري. واستفاد من برنامج تكوين تقني ومهني موازٍ نحو خمسمئة شاب نيجري. هذا الانتقال من التعاون الطاقوي إلى الدعم العسكري المباشر يميز مسار العلاقة مع نيامي عن التطبيع الأكثر حذرا الذي لا تزال تشهده العلاقة مع باماكو.

واغادوغو: تعاون أكثر هدوءا حول المناجم والكهرباء

سلك التقارب مع بوركينا فاسو مسارا مشابها، وإن بوتيرة أقل ظهورا إعلاميا. ففي 12 و13 فبراير 2026، توجه وفد جزائري ضم محمد عرقاب ومراد عجال إلى واغادوغو، وأسفرت المباحثات عن تعزيز التعاون في قطاعات المناجم والطاقة والمحروقات والمحتوى المحلي. وتطرق الجانبان إلى التكوين ونقل الخبرات وإعادة تأهيل محطات الكهرباء والكهربة الريفية، فضلا عن تقارب بين سوناطراك والشركة الوطنية البوركينابية للمحروقات “سونابهي” لتزويد الأخيرة بالمنتجات المكررة. ويتولى الرئيس البوركينابي إبراهيم تراوري حاليا الرئاسة الدورية لكونفدرالية دول الساحل، ما يجعل استعادة الجزائر لخيط الحوار مع واغادوغو مدخلا لتسهيل حوارها مع التكتل ككل.

باماكو: الملف الأصعب وسط تصعيد أمني

ظل مالي الشريك الأصعب استرجاعا دبلوماسيا. ففي فبراير الماضي كانت السلطات المالية لا تزال تنفي قرب عودة سفيرها إلى الجزائر. وتزامن استئناف الاتصالات لاحقا مع تدهور حاد في الوضع الأمني داخل مالي. ففي 25 أبريل 2026، شنت جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجوما منسقا استهدف عدة مواقع ومدن مالية، من بينها باماكو وكاتي وغاو وكيدال وسيفاري. وقتل وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، خلال الهجوم على مقر إقامته في كاتي. وسقطت كيدال بيد المتمردين، فانسحبت القوات المالية وحلفاؤها الروس نحو أنيفيس. وخسرت القوات الحكومية بلدة تساليت في الأسابيع التالية، فيما تركزت المواجهات حول أنيفيس خلال يوليو.

أعلنت الجزائر ومالي في 10 يوليو 2026 عودة سفيريهما وإعادة فتح مجاليهما الجويين أمام بعضهما. وقدمت الحكومة المالية القرار بوصفه رغبة في تنشيط علاقات التعاون والصداقة بين البلدين. وفي أوائل أغسطس، تحدث رئيس الوزراء المالي عبد الله معيغا علنا عن “توافق تام في وجهات النظر” بين الرئيسين أسيمي غويتا وعبد المجيد تبون. وربط معيغا هذا التوافق بمبدأي سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بحسب ما نقله موقع “أفريك” عن تصريحاته. ووجه سيفي غريب في 9 أغسطس دعوة لمعيغا لزيارة الجزائر، دون أن يعلن حتى الآن عن موعدها.

اختبار لتماسك تحالف دول الساحل

في تقرير نشرته في 15 يوليو 2026 بعنوان “الجزائر ومالي: تكريس الانفراج”، أوصت مجموعة الأزمات الدولية الجارتين بترتيب أولوياتهما. الأولوية الأولى هي تأمين حدودهما المشتركة الممتدة قرابة 1400 كيلومتر، قبل البحث عن حل سياسي أوسع يشمل مختلف الأطراف المتحاربة. واقترحت المجموعة أيضا أن تستثمر الجزائر علاقاتها مع موسكو وأنقرة لدفع هذا المسار. ولاحظ معهد الدراسات الأمنية، في تحليل نشره في مارس، أن استئناف الجزائر لعلاقاتها بوتيرة متفاوتة مع نيامي وواغادوغو وباماكو يشكل اختبارا لكونفدرالية دول الساحل. ويتعين على أعضائها الثلاثة التوفيق بين التضامن السياسي المعلن ومصالح وطنية لا تتطابق دائما.

لم يحدد بعد موعد زيارة عبد الله معيغا إلى الجزائر، في وقت لا تزال فيه القوات المالية وحلفاؤها متمركزين في محيط أنيفيس بعد فقدان كيدال وتساليت خلال أشهر القتال الأخيرة.


المصادر

  1. وكالة الأنباء النيجرية (ANP) – تقرير عن لقاء رئيسي وزراء الجزائر والنيجر في قصر الحكومة
    https://anp.ne/cooperation-algero-nigerienne-le-premier-ministre-ali-mahaman-lamine-zeine-sentretient-en-tete-a-tete-avec-son-homologue-algerien/ – تم الاطلاع عليه في 28 أغسطس 2026
  2. وكالة الأنباء النيجرية (ANP) – تقرير عن وصول رئيس وزراء النيجر إلى الجزائر لزيارة عمل مدتها 48 ساعة
    https://anp.ne/cooperation-niger-algerie-le-premier-ministre-ali-mahaman-lamine-zeine-entame-une-visite-de-travail-de-48-heures-a-alger/ – تم الاطلاع عليه في 28 أغسطس 2026
  3. موقع أفريك (Afrik.com) – تحقيق للصحفي علي عطار بعنوان “الجزائر وتحالف دول الساحل: كيف أعادت الجزائر علاقاتها بنيامي وواغادوغو وباماكو”
    https://www.afrik.com/algerie-aes-alger-renoue-niamey-ouagadougou-bamako – تم الاطلاع عليه في 28 أغسطس 2026
  4. معهد الدراسات الأمنية (ISS Africa) – تحليل بعنوان “عودة الجزائر إلى الساحل: أزمة أم فرصة؟”
    https://issafrica.org/fr/iss-today/le-retour-de-l-algerie-au-sahel-crise-ou-opportunite – تم الاطلاع عليه في 28 أغسطس 2026
  5. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) – تقرير بعنوان “الجزائر ومالي: تكريس الانفراج”
    https://www.crisisgroup.org/fr/rpt/middle-east-north-africa/algeria-mali/256-algerie-mali-consolider-la-detente – تم الاطلاع عليه في 28 أغسطس 2026
  6. صحيفة لوماتان دالجيري (Le Matin d’Algérie) – تقرير عن مواصلة زيارة رئيس وزراء النيجر إلى الجزائر على وقع التقارب الطاقوي
    https://lematindalgerie.com/le-premier-ministre-nigerien-poursuit-sa-visite-a-alger-sur-fond-de-rapprochement-energetique/ – تم الاطلاع عليه في 28 أغسطس 2026

أحمد ناصر – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

أحمد ناصر
أحمد ناصر
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة