لماذا هذا مهم: يعمل قطاع اللوجستيك، من النقل إلى التخزين والجمارك، كمقياس غير مباشر لحيوية التجارة الخارجية والإنتاج الصناعي في الجزائر. بقاء المؤشر دون عتبة الخمسين لأربعة أشهر متتالية يشير إلى أن انتعاش القطاع لا يزال محدودا رغم التحسن الطفيف المسجل في أغسطس. الأرقام صادرة عن معهد الأبحاث العالمي، وهو مؤسسة بحث خاصة، وتُنشر هنا كما وردت في بيانها الصحفي؛ ولم تصدر الهيئات الرسمية الجزائرية حتى الآن أرقاما موازية لمؤشرها الشهري.
ماذا يقول الرقم عن حركة الاستيراد والتخزين؟
ارتفع المؤشر 0.3 نقطة في أغسطس 2026 مقارنة بـ49.6 نقطة في يوليو، ليبقى للشهر الرابع على التوالي دون عتبة الخمسين التي تفصل بين توسع النشاط اللوجستي وانكماشه. الدافع الرئيسي للارتفاع، حسب البيان، هو مؤشر حجم الأعمال الفرعي، الذي صعد 0.2 نقطة إلى 52.5، مدفوعا بارتفاع واردات الآلات ومراجعات تصاعدية لتوقعات النمو الاقتصادي. يشير البيان أيضا إلى استثمارات جارية في سلسلة التبريد ضمن النشاط اللوجستي، وهو ما يفسر جزئيا التحسن الطفيف في حركة التخزين خلال الصيف، ويحمل دلالة مباشرة على قطاعي الزراعة والصناعات الغذائية اللذين يعتمدان على النقل المبرد لصادراتهما ووارداتهما.
وينقل البيان عن جيمس كارتر، نائب رئيس قسم الأبحاث والاستراتيجية في المعهد، قوله إن «الارتفاع دفعه أساسا مؤشر حجم الأعمال» (ترجمة)، في إشارة إلى الصلة المباشرة بين تسارع الواردات الصناعية وتحسن قراءة أغسطس.
الرسم البياني المرفق بالبيان يغطي الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، ويُظهر تذبذب المؤشر الجزائري في نطاق ضيق بين 49 و51 نقطة طوال هذه الأشهر الثمانية، دون أي انحراف حاد عن هذا النطاق. بعبارة أخرى، لا يعكس ارتفاع أغسطس تحولا جوهريا في مسار القطاع، بل استمرارا لنمط من الاستقرار قرب خط الخمسين سجّله المؤشر منذ بداية السنة.
الجزائر مقارنة بالمعدلين الإفريقي والعالمي
يضع البيان الجزائر في المرتبة 31 من أصل 42 اقتصادا مشمولا بالمؤشر، والثالثة إفريقيا من أصل خمس مناطق مشمولة بالتصنيف القاري. المؤشر الإفريقي العام بلغ 49.6 نقطة، قريبا جدا من القراءة الجزائرية، بينما بلغ المؤشر العالمي 51.7 نقطة، أي فوق عتبة التوسع بوضوح. الفجوة بين القراءة الجزائرية والمعدل العالمي تعكس نمطا عاما تشهده اقتصادات عدة في المنطقة، حيث يبقى النشاط اللوجستي أقرب إلى الاستقرار منه إلى التوسع الحقيقي، بينما تسجل اقتصادات أخرى ضمن العينة الإفريقية أداء أفضل من الجزائر رغم تشابه الظروف الإقليمية العامة. لا يحدد البيان أسماء المناطق الإفريقية الأربع الأخرى المشمولة بالتصنيف ولا معايير التقسيم الجغرافي المعتمدة، وهو ما يحد من إمكانية مقارنة تفصيلية بين الجزائر ونظيراتها القارية في هذه المرحلة.
ماذا يعني ذلك في سياق الواردات وعجز الحساب الجاري؟
ارتفاع واردات الآلات الذي يشير إليه البيان يتقاطع مع ما لاحظه صندوق النقد الدولي في بعثته السنوية إلى الجزائر، التي زارت الجزائر العاصمة بين 16 و30 يونيو 2026 في إطار مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 بقيادة تشارالامبوس تسانغاريدس. فقد أشار الصندوق إلى أن الحساب الجاري تدهور بشكل ملحوظ نتيجة ارتفاع الواردات المدفوع بالاستثمار العمومي الكبير، مترافقا مع تراجع صادرات المحروقات، ما أدى إلى استنزاف الاحتياطيات الدولية. ونما الاقتصاد الجزائري بنحو 3.9 بالمئة في 2025 حسب تقديرات الصندوق، فيما بلغ العجز المالي 10.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ووصل الدين العام إلى 52.1 بالمئة من الناتج.
ونقلت وكالات أن تسانغاريدس قال في بيان ختامي للبعثة إن «تعزيز المناعة الاقتصادية بات أكثر إلحاحا» (ترجمة)، في إشارة إلى تآكل الهوامش المالية والخارجية للبلاد. في المقابل، أشاد الصندوق بجهود الجزائر في التنويع الاقتصادي، خصوصا في قطاعي التعدين والزراعة، متوقعا نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.8 بالمئة خلال 2026 مدعوما بارتفاع أسعار المحروقات عالميا.
التنويع الاقتصادي في خلفية أرقام أغسطس
تندرج قراءة أغسطس في سياق سعي السلطات الجزائرية لرفع الصادرات خارج المحروقات إلى نحو 30 مليار دولار سنويا بحلول 2029-2030، وهو هدف أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون أمام المجلس الوطني الاقتصادي لتجديد الجزائر. تقوم الاستراتيجية المعلنة على أربعة محاور متكاملة: توسيع الإنتاج الصناعي، ورفع القيمة المضافة في الصادرات الطاقوية، وتحديث البنية اللوجستية، وتعزيز الأمن المائي عبر برامج تحلية مياه البحر. تحديث البنية اللوجستية تحديدا، وهو المحور الذي يرتبط مباشرة بمؤشر أغسطس، يشمل تطوير قدرات الموانئ والتخزين والنقل الداخلي، وهي عناصر تنعكس نظريا في مؤشرات حجم الأعمال وحركة التخزين التي يقيسها معهد الأبحاث العالمي شهريا.
ارتفاع واردات الآلات الذي رصده المعهد يمكن قراءته في هذا الإطار: استثمارات صناعية متواصلة تسبق، من الناحية الزمنية، أي ارتفاع محتمل في الصادرات غير النفطية، في وقت لا يزال فيه قطاع المحروقات يمثل الحصة الأكبر من عائدات التصدير. الفارق بين هدف الثلاثين مليار دولار المعلن وحصيلة الصادرات غير النفطية الفعلية اليوم يبقى واسعا، ما يجعل من مؤشرات النشاط اللوجستي الشهرية أداة متابعة مفيدة لقياس وتيرة هذا التحول، إلى حين توفر بيانات رسمية جزائرية موازية تسمح بمقارنة مستقلة.
الإصدار المقبل لمؤشر النمو اللوجستي منتظر في 10 أكتوبر 2026. أي تطور في قراءة سبتمبر سيسمح بتحديد ما إذا كان تحسن أغسطس بداية اتجاه صاعد أم مجرد تذبذب ضمن نطاق الاستقرار الذي يسجله المؤشر منذ بداية العام، وهو ما سيتضح أكثر أيضا عند صدور بيانات الحساب الجاري الرسمية للثلث الأخير من 2026.
المصادر
- بيان صحفي “Algeria Logistics Growth Index rises to 49.9 in August 2026” – World Research Institute، 10 سبتمبر 2026
intelligence.worldresearch.org/lgi
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - Arab News – تقرير بعثة مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي بشأن الجزائر، يوليو 2026
https://www.arabnews.com/node/2649951/amp
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - الإذاعة الجزائرية – بيان صندوق النقد الدولي حول التنويع الاقتصادي الجزائري ومكافحة تبييض الأموال، أغسطس 2026
https://news.radioalgerie.dz/en/node/89972
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026 - Dzair Tube – إعلان الرئيس تبون هدف 30 مليار دولار من الصادرات خارج المحروقات بحلول 2029-2030، أغسطس 2026
https://www.dzair-tube.dz/en/algeria-targets-30-billion-in-non-hydrocarbon-exports-as-president-tebboune-accelerates-drive-toward-a-diversified-economy/
تم الاطلاع عليه في 11 سبتمبر 2026
يوسف عبد الله – مجلة الاحرار



