لماذا هذا مهم: تتجاوز القضية حدود ملف جنائي عادي. فهي تختبر للمرة الأولى منذ عقود مدى استعداد المحاكم الأمريكية لتطبيق مبدأ الحصانة الدولية على رئيس دولة تحتجزه الولايات المتحدة نفسها ولا تعترف بشرعيته منذ عام 2019. ستحدد نتيجة هذا النزاع أيضا مصير حجتين متعارضتين: الحصانة التي يحتج بها فريق مادورو، والسابقة القضائية التي أرستها واشنطن عام 1990 حين حاكمت الزعيم البنمي مانويل نورييغا رغم دفوع مشابهة قدمها آنذاك.
خلفية الغارة الليلية على كاراكاس ومسار الملف القضائي
اعتقلت القوات الأمريكية الخاصة مادورو وفلوريس داخل منزلهما المحصن في كاراكاس خلال عملية ليلية نفذت في الثالث من يناير 2026 بأمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفق ما نقلته وكالة رويترز. نُقل الزوجان إلى نيويورك حيث كانا قد أُدرجا سابقا ضمن لائحة اتهام تصفهما باستغلال موقعيهما القياديين في فنزويلا الغنية بالنفط لتسهيل شحنات الكوكايين نحو الولايات المتحدة. ومنذ ذلك التاريخ، يُحتجز الزوجان في مركز الاحتجاز الفيدرالي في بروكلين. وقد مثلا أمام القضاء وأعلنا رفضهما التهم الموجهة إليهما.
وبحسب ما أعلنته وزيرة العدل الأمريكية بام بوندي عقب الاعتقال، تضم لائحة الاتهام أربع تهم جنائية: التآمر على الإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر على استيراد الكوكايين، وحيازة أسلحة رشاشة وعبوات ناسفة، والتآمر على حيازتها. هذه التهم يمكن أن تعرض مادورو، البالغ 63 عاما، لعقوبة السجن مدى الحياة في حال إدانته. وقد مثل مادورو وزوجته لأول مرة أمام القضاء الأمريكي وأعلنا رفضهما القاطع للتهم، ووصف مادورو نفسه، بحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية غطت الجلسة، بأنه رجل بريء ورئيس بلاده الشرعي.
وفي يوليو الماضي، حدد القاضي هيلرستين الأول من يونيو 2027 موعدا لبدء المحاكمة، بناء على اقتراح مشترك من الادعاء الفيدرالي والدفاع، مع تحديد الثاني من سبتمبر 2026 أجلا أقصى لتقديم الدفعة الأولى من طلبات رفض الدعوى، وهو الأجل الذي التزم به الدفاع بتقديم مذكرته يوم الأربعاء.
نزاع آخر سبق هذا الطلب: في مارس الماضي، رفض القاضي هيلرستين طلبا مشابها لمادورو بإسقاط القضية على خلفية تجميد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية للأموال المخصصة لتغطية أتعاب دفاعه. القاضي اعتبر حينها أن حق الدفاع عن النفس “أساسي”، لكنه احتفظ بحقه في إعادة النظر في المسألة لاحقا إذا ثبت أن الحجب تعسفي.
حجة الحصانة المطلقة في مذكرة الدفاع
تقدم محامي مادورو، باري بولاك، بالمذكرة يوم الأربعاء أمام محكمة مانهاتن الفيدرالية. وأكد أن القانون يُلزم القاضي برفض لائحة الاتهام لأنها لا يمكن أن تُساق ضد رئيس دولة أجنبية. وجاء في المذكرة أن أي محكمة أمريكية لم تُشرف من قبل على محاكمة جنائية لزعيم أجنبي كانت بلاده تعترف به رئيسا في السلطة وقت توجيه التهم إليه.
ووصف بولاك الملاحقة بأنها “تنتهك الحصانة المطلقة” التي يتمتع بها رؤساء الدول منذ قرون، بحسب نص المذكرة الذي استعرضته وكالة أسوشيتد برس. ويحتج الدفاع أيضا، كخط بديل، بأن مادورو يستفيد من حصانة مرتبطة بطبيعة تصرفاته بصفته الرسمية، حتى لو رُفضت حجة الحصانة الرئاسية المباشرة. الفريق القانوني يؤكد أن مادورو ينفي التهم بشدة، وأن المحاكمة، إن انعقدت، ستكشف بطلان الاتهامات بحسب تعبيره.
صمت الادعاء وسابقة نورييغا القضائية
ماذا يقول المعنيون: لم يصدر مكتب المدعي الفيدرالي في مانهاتن، الجهة التي وجهت الاتهام، أي رد فوري على طلب التعليق، وفق ما ذكرت رويترز. في المقابل، نقلت الوكالة عن خبراء قانونيين قولهم إن مادورو يواجه عقبة كبيرة في هذه المعركة. السبب الرئيسي الذي يسوقه هؤلاء الخبراء بسيط: الولايات المتحدة لا تعترف بمادورو رئيسا شرعيا لفنزويلا منذ عام 2019، وهو ما يضعف حجة حصانة مرتبطة أصلا بصفة رئاسية معترف بها دوليا.
كما استحضرت رويترز سابقة الزعيم البنمي مانويل نورييغا، الذي اعتقلته القوات الأمريكية عام 1990 وحوكم لاحقا في الولايات المتحدة رغم دفعه بحجج مشابهة. المحاكم الأمريكية رفضت وقتها هذه الحجج بالكامل، وهي سابقة يستحضرها القانونيون اليوم كمؤشر على المسار الذي قد تسلكه قضية مادورو. ويختبر هذا التحدي القانوني، بحسب تقارير وكالة خآما الإخبارية، مدى استعداد القضاء الأمريكي عموما لتطبيق حماية القانون الدولي على زعماء أجانب متهمين بجرائم جنائية، بصرف النظر عن مآل قضية مادورو تحديدا.
المواعيد القضائية حتى محاكمة يونيو 2027
حدد القاضي هيلرستين جلسة السابع عشر من نوفمبر المقبل للاستماع إلى مرافعات الطرفين حول طلبات رفض الدعوى. تشمل هذه الطلبات حجة الحصانة السيادية، إضافة إلى طعن الدفاع في مشروعية عملية اعتقال مادورو نفسها بموجب القانون الدولي. وإذا رفض القاضي هذه الطلبات، فستبدأ المحاكمة كما هو مقرر في الأول من يونيو 2027، في واحدة مما وصفتها رويترز بأنها من أكثر القضايا الجنائية تأثيرا في التاريخ الأمريكي الحديث.
وتشير تغطية سابقة لملف التمويل القانوني إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية منحت في وقت سابق من العام إعفاء يسمح لحكومة فنزويلا، التي تقودها حاليا نائبة الرئيس دلسي رودريغيز، بتغطية أتعاب محامي مادورو. هذا الإعفاء جاء بعد أشهر من النزاع حول تجميد هذه الأموال.
والمحطة المقبلة في هذا الملف ستكون جلسة السابع عشر من نوفمبر، حين يستمع القاضي هيلرستين لأول مرة إلى حجج الطرفين حول مصير لائحة اتهام تحمل عقوبة قصوى بالسجن مدى الحياة.
المصادر
- رويترز – “مادورو يؤكد حصانته ويطالب بإسقاط تهم تهريب المخدرات”
https://www.aol.com/articles/venezuelas-maduro-asserts-immunity-urges-225641000.html – تم الاطلاع عليه في 3 سبتمبر 2026 - أسوشيتد برس – “مادورو وزوجته يسعيان لإنهاء قضية المخدرات على أساس الحصانة”
https://abcnews.com/US/wireStory/venezuelan-president-nicols-maduro-wife-seek-end-drug-136161949 – تم الاطلاع عليه في 3 سبتمبر 2026 - رويترز – “القاضي الأمريكي يحدد يونيو 2027 موعدا لمحاكمة مادورو”
https://www.thestandard.com.hk/world/article/337974/US-judge-sets-June-2027-trial-date-for-Venezuelas-Maduro – تم الاطلاع عليه في 3 سبتمبر 2026 - واشنطن تايمز (عبر وكالة أسوشيتد برس) – تفاصيل مذكرة الحصانة ونص تصريح المحامي باري بولاك
https://www.washingtontimes.com/news/2026/sep/2/nicolas-maduro-wife-seek-end-drug-charges-case-immunity-grounds/ – تم الاطلاع عليه في 3 سبتمبر 2026 - وكالة خآما الإخبارية – تفاصيل الاعتقال العسكري وسابقة مانويل نورييغا القضائية
https://www.khaama.com/maduro-asks-us-judge-to-dismiss-drug-trafficking-charges-citing-immunity/ – تم الاطلاع عليه في 3 سبتمبر 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



