لماذا هذا مهم: يُنهي هذا الحكم جبهة واحدة فقط من نزاع قضائي متعدد الجبهات بين كاتب حائز على أرفع جائزة أدبية فرنسية، وامرأة تقول إن جسدها وذاكرتها تحوّلا إلى مادة روائية دون إذنها. في الجزائر، يواجه داود حكما غيابيا بالسجن ثلاث سنوات نافذة صادرا عن محكمة بوهران، إضافة إلى مذكرتي توقيف دوليتين صدرتا بحقه عام 2025. القضية تتجاوز الاسمين المعنيين لتطرح سؤالا أوسع يهمّ قراء الجزائر ومهجرها: من يملك الحق في رواية الألم حين يتحول ألم امرأة حقيقية إلى شخصية في كتاب يُقرأ في العالم كله؟
تحمل سعادة عربان، وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، ندبة عميقة في حلقها. تحمل أيضا قنية تنفس صناعية. خلّفتهما محاولة اغتيال نفذها مسلحون إسلاميون حين كانت طفلة، خلال ما يُعرف في الجزائر بـ”العشرية السوداء”. هذه العلامات على جسدها ليست تفصيلا هامشيا في قضيتها، بل هي بالضبط ما رأت فيه، حين قرأت رواية “حوريات” لكمال داود، صورة طبق الأصل عن حياتها. تُنقل هذه العلامات، في الرواية، إلى بطلتها “أوب”، الفتاة التي أفقدها هجوم مماثل، وقع في ديسمبر 1999، القدرة على الكلام.
لم تبدأ المواجهة القضائية يوم الثلاثاء. بدأت في نوفمبر 2024، بُعيد فوز “حوريات” بجائزة غونكور، حين عقدت المحامية الجزائرية فاطمة الزهراء بن براهم مؤتمرا صحفيا بالجزائر العاصمة، أعلنت خلاله رفع شكوى أمام محكمة وهران باسم موكلتها. عدّدت بن براهم يومها عناصر تقول إنها منقولة حرفيا من حياة سعادة عربان إلى الرواية: الجروح، المسار العائلي، صالون الحلاقة الذي تديره، الوشم الذي تحمله أعلى ظهرها، وممارستها ركوب الخيل. تُبلّغ كمال داود ودار “غاليمار” الناشرة باستدعاء أول في هذا الملف خلال حفل توقيع كتاب قرب بوردو، فيما عُقدت أول جلسة إجرائية في محكمة باريس الابتدائية في ماي 2025.
يوم الثلاثاء، وضعت محكمة باريس الابتدائية حدا لأحد فروع هذه المواجهة الممتدة منذ عشرة أشهر. برّأت الهيئة كمال داود، الحائز على جائزة غونكور لعام 2024، من تهمة التشهير التي رفعتها ضده سعادة عربان بسبب تصريح أدلى به في حوار مطول مع صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية في أفريل 2025. قال فيه إن «يمكن للجزائر أن ترفع دعوى ضد كمال داود في فرنسا». اعتبرت المحكمة أن الطرف المدني لم يكن قابلا للتعرف عليه بشكل مباشر في هذه العبارة، وأن التشهير، بالمعنى القانوني الدقيق، غير قائم.
لم تكتفِ المحكمة بالتبرئة، بل قضت بإلزام سعادة عربان بدفع تعويض. اعتبرت أن الدعوى كانت واضحة الافتقار إلى الأساس القانوني، فألزمتها بدفع يورو رمزي واحد لكمال داود، ومبلغ 1500 يورو لمدير نشر صحيفة “لوفيغارو”، مارك فوييه، جبرا لضرر معنوي لحق بهما. غاب كمال داود، البالغ من العمر 56 عاما، عن جلسة الاستماع التي عُقدت في يونيو الماضي. دافعت محاميتا سعادة عربان، كولومبا غروسي ووليام بوردون، عن موكلتهما بشراسة، ووصف بوردون الكاتب أمام المحكمة بأنه «المفترس لحرمتها وحياتها الخاصة».
لم يكن هذا الرأي إجماعيا داخل قاعة المحكمة. رأت النيابة العامة، التي طلبت التبرئة منذ جلسة يونيو، أن العبارة موضع الدعوى تندرج ضمن “التعبير عن رأي”. اعتبرت أيضا أن سعادة عربان لم تكن قابلة للتعرف عليها في المقطع المعني، ولم يُنسب إليها فيه فعل محدد، وهو شرط ضروري لقيام جريمة التشهير قانونا. أما محامي “لوفيغارو”، كريستوف بيغو، فذهب أبعد من ذلك. اعتبر أن دعوى التشهير لم تكن سوى وسيلة لتحميل الملف أوراقا إضافية، ضمن حملة اتصالية موجهة ضد رواية “حوريات” ومؤلفها، وضغط قضائي على أي وسيلة إعلام تفتح لكمال داود مجالا للحديث.
لكن هذا الحكم، مهما بدا حاسما لكمال داود، لا يمس جوهر النزاع. فالدعوى الأصلية التي رفعتها سعادة عربان، والمتعلقة بانتهاك حرمة حياتها الخاصة واستغلال قصتها الشخصية دون موافقتها، لا تزال قيد التحقيق، منفصلة تماما عن قضية التشهير التي حُسمت الثلاثاء. بعبارة أخرى، بُرّئ الكاتب من تهمة أنه أساء الحديث عن الضحية، لكن لم يُبرَّأ بعد من تهمة أنه استعمل قصتها.
ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها. كمال داود صنع اسمه الأدبي بمواجهة صمت ألبير كامو، الذي ترك “العربي” الذي قتله بطل روايته “الغريب” بلا اسم ولا صوت، وذلك في روايته الأولى “ميرسو، تحقيق مضاد”. اليوم، يُتهم الكاتب نفسه بأنه أخذ اسم امرأة حقيقية ووجهها وندبتها ووشمها ومهنتها، ليمنحها اسما آخر داخل الرواية، أوب، دون أن يمنحها حق الاعتراض. أليست هذه المفارقة، في جوهرها، سؤالا واحدا يتكرر بصيغتين مختلفتين؟ من يملك الحق في الكلام عمّن لا صوت له؟
في الجزائر، تتخذ المواجهة القضائية منحى أشد قسوة. ففي 21 أفريل الماضي، أصدرت محكمة فلاوسن بوهران حكما غيابيا يقضي بسجن كمال داود ثلاث سنوات نافذة. جاء الحكم إثر شكوى تقدمت بها المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب، بتهمة التطرق إلى العشرية السوداء بين عامي 1992 و2002 في روايته، وهو موضوع يحظر القانون الجزائري الخوض فيه علنا. أصدرت السلطات الجزائرية أيضا مذكرتي توقيف دوليتين بحق الكاتب خلال عام 2025. يقول كمال داود إن هذه الملاحقات المتعددة تشكل في مجملها مضايقة قضائية تستهدفه في فرنسا والجزائر معا. تنفي سعادة عربان، من جهتها، أن يكون تحركها القضائي مرتبطا بأي ضغط من السلطة الجزائرية، مؤكدة أنها تدافع فقط عن قصتها وحرمتها الشخصية.
يبقى من هذه القضية، بعد كل المرافعات والأحكام، سؤال لا تحسمه محكمة باريس ولا محكمة وهران. هل يكفي أن يُغيَّر اسم امرأة في كتاب حتى تصبح قصتها ملكا لغيرها؟ سعادة عربان لا تطلب من القضاء أن يمنعها من القراءة عن نفسها. هي تطلب أن يُسألها أحد، قبل أن تُكتب.
المصادر
- وكالة فرانس برس (نقلا عن موقع TSA-Algérie) – تبرئة كمال داود من تهمة التشهير التي رفعتها سعادة عربان
https://www.tsa-algerie.com/france-poursuivi-pour-diffamation-par-saada-arbane-kamel-daoud-relaxe/
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - فرانس إنفو – طلب النيابة العامة تبرئة كمال داود في قضية التشهير
https://www.franceinfo.fr/culture/livres/prix-litteraires/la-relaxe-requise-pour-kamel-daoud-poursuivi-en-diffamation-par-saada-arbane_8046881.html
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - ActuaLitté – تبرئة كمال داود من التشهير واستمرار قضية “حوريات”
https://actualitte.com/article/133760/droit-justice/kamel-daoud-relaxe-en-diffamation-face-a-saada-arbane-l-affaire-houris-continue
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - الشرق للأخبار – الجزائر تصدر مذكرتي توقيف دوليتين بحق كمال داود
https://asharq.com/culture/134676/الجزائر-تصدر-مذكرتي-توقيف-دوليتين-بحق-الكاتب-كمال-داود/
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - الإذاعة الجزائرية – رفع الدعوى القضائية الأصلية ضد كمال داود في وهران
https://news.radioalgerie.dz/ar/node/55542
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - algerie360.com – تفاصيل الحكم الجزائري بالسجن ثلاث سنوات ضد كمال داود
https://www.algerie360.com/affaire-houris-kamel-daoud-relaxe-justice-francaise-saada-arbane/
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - Oman Daily (نقلا عن فرانس برس) – الجلسة الإجرائية الأولى في قضية انتهاك الخصوصية بباريس
https://www.omandaily.om/ampArticle/1173150
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



