لماذا هذا مهم
يشكّل كتاب حمدان خوجة أول عمل يكتبه جزائري عن الاحتلال الفرنسي، بحسب المصادر التاريخية والببليوغرافية المتاحة عن الكتاب. هذا يجعله وثيقة مرجعية لفهم كيف قرأت النخبة الجزائرية الأولى صدمة 1830، قبل أن تتبلور المقاومة السياسية المنظمة بعقود. النص لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يبني استراتيجية خطابية تميّز بين “فرنسا المثالية” و”فرنسا الحكومية” و”فرنسا المحتلة”، وهي قراءة سبقت بأكثر من قرن أدوات الخطاب الوطني الجزائري اللاحق.
من عائلة كولوغلية إلى شبكة تجارية من تونس إلى لندن
وُلد حمدان بن عثمان خوجة في الجزائر العاصمة سنة 1773، لعائلة تركية الأصل نشطة في الإدارة العليا لإيالة الجزائر. كان والده عثمان عالماً تركياً ودفتردار الإيالة، وبهذه الصفة أشرف على الحسابات المالية وعلى سجلات رتب الإنكشارية ورواتبهم، إلى جانب عمله مدرساً للاهوت. أما والدته فكانت امرأة جزائرية، ما جعله كولوغلياً بحسب التصنيف الاجتماعي السائد في ذلك العصر.
رافق حمدان الفتى عمه سنة 1784 في مهمة لحمل هدية الداي إلى القسطنطينية. بعد عودته من هذه الرحلة، انتقل إلى مرحلة أعلى من التحصيل العلمي، فتعمّق في دراسة الفلسفة واللاهوت وعلوم عصره، وكان للطب حيز مهم من هذا الاهتمام، وهو ما سيثمر لاحقاً رسالة كاملة في الوقاية من الأوبئة. بعد وفاة الأب، خلفه حمدان في التدريس لفترة قصيرة، قبل أن يُشركه عمه محمد الحاج، الذي كان يدير دار السكة في الجزائر، في أعماله التجارية.
أرسله عمه ممثلاً للدار في تونس وليفورنو ومرسيليا ولندن وجبل طارق، فتعلم هناك التركية والفرنسية والإنجليزية إلى جانب العربية، وأصبح أحد أبرز تجار الجزائر وأكثرهم ثراءً، بشراكات تجارية امتدت من الدولة العثمانية إلى أوروبا الغربية.
من التعاون الحذر مع الإدارة الفرنسية إلى القطيعة سنة 1833
لم يغادر خوجة الجزائر فور نزول القوات الفرنسية سنة 1830. جلس في المجلس البلدي للجزائر، وشارك في اللجنة الفرنسية المكلفة بتعويض أصحاب الأملاك التي هُدمت باسم “المنفعة العامة”، قبل أن تُحل هذه اللجنة دون صرف التعويضات الموعودة. كما عمل وسيطاً بين أحمد باي، حاكم قسنطينة، والسلطات الفرنسية، مستفيداً من معرفته بالطرفين معاً.
دفعه فشل هذا المسار التفاوضي، بين مصادرات متواصلة ووعود لم تُنفذ، إلى الانتقال نحو معارضة صريحة. قدّم سنة 1833 مذكرة أمام لجنة إفريقيا، الهيئة البرلمانية الفرنسية المكلفة بالتحقيق في وضع الجزائر، ندد فيها بانتهاكات اتفاقية الاستسلام التي وقعها الداي حسين. في الفترة نفسها، وجّه عريضة إلى الملك لويس فيليب الأول يشكو فيها من تجاوزات الجيش الفرنسي.
استراتيجية مرآة الجزائر: مهاجمة الاحتلال باسم مبادئ فرنسا ذاتها
أثمر منفاه القسري في باريس تأليف كتابه مرآة الجزائر بالعربية سنة 1833، وهو العمل الذي تُرجم فوراً إلى الفرنسية ونُشر في العاصمة الفرنسية في العام نفسه تحت عنوان لمحة تاريخية وإحصائية عن إيالة الجزائر. لا يمكن تصنيف الكتاب بدقة كسرد تاريخي أو وصف مونوغرافي، رغم احتوائه بعض ملامح هذا النوع، بل هو أقرب إلى بيان أيديولوجي يعبئ المعطيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والخطاب الليبرالي لبناء برهان متماسك على ضرورة رحيل فرنسا عن الجزائر.
يوثّق الكتاب معطيات تاريخية واقتصادية واجتماعية عن الجزائر عشية الاحتلال، ويحمل أيضاً رسالة سياسية حول ضرورة انسحاب فرنسا من الجزائر، وحول حق الجزائريين وقدرتهم على تأسيس دولة قائمة بذاتها. يرسم صورة قاتمة للوجود الفرنسي، غير أنه لا يقدّم الانتهاكات على أنها نتاج تناقض بين فرنسا والجزائر، بل يصفها بأنها تتعارض مع المبادئ الليبرالية الفرنسية نفسها. يميّز خوجة بذلك بين فرنسا المثالية، الوارثة لعصر التنوير وحقوق الإنسان، وفرنسا الحكومية، التي تجسد هذا المثال جزئياً وتحمل في الوقت نفسه مصالح اقتصادية وسياسية، وفرنسا المحتلة التي يعزلها ليقاتلها بصورة أفضل، عبر جعل وجهة النظر الجزائرية تتقاطع، قدر الإمكان، مع وجهتي نظر فرنسا الأخريين.
معركة الرأي العام: الرد على أنصار المارشال كلوزيل
أثار الكتاب رد فعل سريعاً. نشرت جريدة مراقب المحاكم سنة 1834 تفنيداً لكتاب سيدي حمدان، يُرجَّح أن يكون من تأليف مقربين من المارشال كلوزيل. رد خوجة في العام نفسه، وفي الجريدة ذاتها، برسالة حملت عنوان رد على المارشال كلوزيل. يؤكد هذا التبادل الصحفي أن مقاومة خوجة كانت، في المقام الأول، معركة كتابة ونقاش عمومي وليست معركة سلاح.
منفى إسطنبول ووفاة لم يُحسم تاريخها بدقة
بعد أن التمس عبثاً تدخل السلطان العثماني لصالح القضية الجزائرية، غادر خوجة باريس سنة 1836، وقد أصبح مفلساً بحسب بعض المراجع الببليوغرافية، واستقر في القسطنطينية حيث واصل حتى وفاته الدفاع عن قضية أحمد باي والأمير عبد القادر. تختلف المصادر حول تاريخ وفاته بدقة: تحدده أغلب المراجع بسنة 1842، فيما تذكر مصادر أخرى سنة 1843، وتكتفي مصادر ثالثة بوضعها بين 1840 و1845 دون حسم.
فرضت مرآة الجزائر على الحكومة الفرنسية مواجهة، رسمياً على الأقل، حقيقة ممارساتها في الجزائر. لا تزال النسخة الأصلية المترجمة من الكتاب محفوظة رقمياً في مكتبة فرنسا الوطنية، فيما أعيد نشره لاحقاً في طبعات فرنسية متعددة. وبفضل استراتيجيته الخطابية وسبقه الزمني في النقد، يبقى حمدان خوجة أحد أوائل من صاغوا، من داخل الأدوات الفكرية الفرنسية نفسها، نقداً حديثاً للاستعمار سبق بأكثر من قرن الخطاب الوطني الجزائري.
المصادر
- ويكيبيديا (نسخة فرنسية) – مقالة “Hamdan Khodja”
https://fr.wikipedia.org/wiki/Hamdan_Khodja
تم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا (نسخة إنجليزية) – مقالة “Hamdan Khodja”
https://en.wikipedia.org/wiki/Hamdan_Khodja
تم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2026 - أرشيف الإنترنت – نص “Mémoire remis par Sidi Hamdan Ben Othman Khodja à la Commission d’Afrique en 1833”
https://archive.org/details/MemoireRemisParSidiHamdanBenOthmanKhodjaALaCommissionDafriqueEn1833
تم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2026 - مكتبة فرنسا الوطنية (Gallica – BnF) – النسخة الأصلية المترجمة لكتاب “مرآة الجزائر”، 1833
https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k8528789
تم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2026 - صحيفة الشاب المستقل (Le Jeune Indépendant) – مقال عن مسار حمدان بن عثمان خوجة
https://www.jeune-independant.net/le-parcours-de-hamdane-ben-othman-khodja/
تم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا (نسخة فرنسية) – مقالة عن كتاب “مرآة الجزائر: لمحة تاريخية وإحصائية عن إيالة الجزائر”
https://fr.wikipedia.org/wiki/Le_Miroir_:_Aperçu_historique_et_statistique_sur_la_Régence_d’Alger
تم الاطلاع عليه في 9 سبتمبر 2026
هيئة التحرير – مجلة الاحرار



