لا تمثل هذه الآثار ظاهرة معزولة. فقد جرى حتى الآن حصر أكثر من 400 ألف بنية حجرية ومعلم أثري في عموم الصحراء الكبرى، بحسب أعمال قدّمها في الكوليج دو فرانس الباحث إيف غوتييه، المتخصص في المعالم الحجرية الصحراوية. وتشكل المدافن التي تعود لما قبل الإسلام الغالبية العظمى من هذا الحصر. وتلقي دراسة هذه الآثار الضوء على طقوس دفن مارستها جماعات عاشت في صحراء كانت آنذاك خضراء، قبل أن يفرض التصحر ملامح المشهد الحالي. كما تطرح مسألة تراثية ملموسة أمام الجزائر: كيف يمكن حصر عشرات آلاف المواقع المتناثرة على مساحة شاسعة يصعب الوصول إليها، وتأريخها وحمايتها.
يتركز هذا النوع من المعالم حول مدينة جانت، في أقصى جنوب شرقي البلاد، عند سفح هضبة الطاسيلي ناجر المصنّفة ضمن مواقع التراث العالمي لدى اليونسكو بسبب نقوشها الصخرية. وفي هذه المنطقة، وكذلك في سلسلة إيميدير شمالاً، رصد الباحثون والمستكشفون أكبر عدد من هذه البنى منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. ومن الأرض، لا تبدو أغلب هذه المدافن سوى أكوام حجارة يصعب تمييزها وسط الرمال. ولا تتضح هندستها الدقيقة إلا من خلال الصورة الجوية، على ارتفاع مئات الأمتار، وهو ما يفسّر تأخر حصرها المنهجي إلى حين انتشار خرائط الأقمار الصناعية عالية الدقة، رغم أن بناءها يعود إلى آلاف السنين.
حلقتان متداخلتان وممر حجري يصلهما
يطلق الباحثون على هذه البنى اسم مدافن ثقب المفتاح، في إشارة إلى شكلها الذي يذكّر بفتحة القفل. ويجمع تصميمها بين حلقة خارجية وحلقة داخلية تحوي الكومة الحجرية للدفن، يربط بينهما ممر من الحجارة يمنح المنظر الجوي هيئة مفتاح أو قفل. وهذا الشكل ليس سوى أحد أنماط عدة من المدافن السابقة للإسلام في الصحراء، إلى جانب الأكوام البسيطة، والمدافن ذات الحلقة الواحدة، وما يسمى مدافن الهوائي التي قد تمتد أذرعها الحجرية لأكثر من 250 متراً. ويصف كريس سكوت، مؤلف الدليل المرجعي المخصص لعبور الصحراء ومستكشف الصحراء الجزائرية منذ عقود، مناطق بأكملها تضم عشرات هذه المعالم على مساحة بضعة كيلومترات مربعة، خصوصاً قرب منبع ماء أغلمام رحلة في إيميدير.
اتجاه ثابت نحو مشرق الشمس
تشترك أغلب هذه المدافن في سمة واحدة، إذ يتجه ممرها الحجري نحو الشرق، باتجاه مشرق الشمس. ودرست الباحثة أميليا كارولينا سبارافينيا، من بوليتكنيكو دي تورينو، إحصائياً اتجاه عشرات من هذه المعالم في ولاية إليزي، فوجدت أن زوايا اتجاهها تتركز حول محور الشمس، وهو ما دفع باحثين آخرين إلى ربطها بعبادة الشمس أو برمزية البعث بعد الموت. وفي حالة محددة وثّقتها في الجزائر، يتطابق خطّان حجريان مشعّان من مركز أحد المعالم مع زاويتي شروق الشمس عند الانقلابين الشتوي والصيفي، وهو ما دفعها إلى وصف الموقع بأنه مرصد شمسي من عصور ما قبل التاريخ، معتبرة أن هذا التطابق أدق من أن يكون محض صدفة.
مئة موقع رصدتها باحثة من مكتبها في تورين
من خلال صور الأقمار الصناعية بنت سبارافينيا معظم قاعدة بياناتها. وتقوم منهجيتها على رصد المعالم في الصور عالية الدقة المتاحة للصحراء، ثم تصدير مواقعها في ملفات جغرافية يمكن لباحثين آخرين الاستفادة منها. وقد ضم مسحها لولاية إليزي وحدها نحو مئة مدفن من هذا النوع عند نشر أعمالها الأولى، وهو رقم تصفه هي نفسها بأنه أقل بكثير من العدد الفعلي للمعالم في المنطقة.
عمر مثار جدل بين المتخصصين
يظل تحديد عمر هذه المعالم بدقة أمراً صعباً في غياب تنقيبات منهجية. وتضع دراسة نشرتها مجلة أفريكان أركيولوجيكال ريفيو هذا النوع من المدافن في النيجر وليبيا والجزائر ضمن فترة تمتد بين 4300 و2800 قبل الميلاد، استناداً إلى أعمال سابقة، من بينها أبحاث باريس وساليج، وجان لويك لوكيليك، وبراس. وتوافق هذه الحقبة نهاية العصر الرطب الأفريقي، حين كانت الصحراء لا تزال تحتفظ ببحيرات وغطاء نباتي كافٍ لإعاشة جماعات رعوية. في المقابل، تقدّم تقديرات أخرى، تستند إلى مقارنات أسلوبية مع النقوش الصخرية المجاورة بدل التأريخ بالكربون المشع، أعماراً أكثر تبايناً، تتجاوز أحياناً 6 آلاف سنة. ويكشف هذا التفاوت عن حدود يقرّ بها المتخصصون أنفسهم: فتأريخ أغلب هذه المدافن لا يزال قائماً على استنتاجات إقليمية، لا على تحليل مباشر لعظام أو مواد عضوية مستخرجة من كل بنية على حدة.
معالم تُرصد بالآلاف ولا تكاد تُنقّب
يقوم معظم ما هو معروف عن مدافن ثقب المفتاح على رصدها من الفضاء، لا على التنقيب فيها. ويقول كريس سكوت إنه لم يسمع قط بتنقيب أثري منشور خصص تحديداً لهذا النوع من البنى في الصحراء الجزائرية. ويقدّم قبر الملكة الطارقية تين هينان، قرب تمنراست، مقارنة مفيدة. فقد اكتُشف هذا القبر عام 1925 وأعيد فحصه عام 1933، ويعود إلى القرن الرابع الميلادي، أي نحو 1500 عام فقط، ولا صلة معمارية له بمدافن ثقب المفتاح الأقدم منه بكثير. أما برنامج آثار عبر الصحراء، الذي يقوده الباحث البريطاني ديفيد ماتينغلي، فقد وثّق أكثر من 11 ألف مقبرة تعود للحقبة الغارامنطية في إقليم فزان الليبي المجاور، تشترك بعضها في التصميم ذاته مع مواقع جزائرية، دون أن يبلغ التنقيب في الجزائر مدى مماثلاً حتى الآن.
عدم الخلط بينها وبين دوائر الري قرب عين صالح
أثارت هذه الآثار الهندسية في الصحراء الجزائرية أيضاً بعض الالتباس. فمنذ عام 2021، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لصفوف دوائر منتظمة قرب عين صالح، وسط البلاد، قبل أن يفتح موقع إخباري أميركي تحقيقاً حولها. وانتهى هذا التحقيق، بمساعدة باحثة أثرية تونسية استُعين بها لهذا الغرض، إلى ربط هذه الدوائر بفتحات تهوية الفقارة. وهذا النظام المائي القديم، الذي لا يزال مستخدماً جزئياً في توات وقورارة، يجمع المياه الجوفية عبر نفق منحدر بلطف تتخلله آبار عمودية، ترسم من الجو سلاسل من الدوائر المنتظمة لا علاقة لها بمدافن جنوب الجزائر الجنائزية.
ملف بحثي لا يزال مفتوحاً
يتواصل إثراء الحصر الفضائي لمدافن ثقب المفتاح. فقد نشرت سبارافينيا عام 2025 نسخة جديدة من ملفات تحديد المواقع، تضم معالم أبلغها عنها مستكشفون ومستخدمو إنترنت. وتُكمل هذه الجهود عمل جماعة من الهواة نشطة منذ عقد 2010 على منتديات متخصصة بخرائط الأقمار الصناعية. ومن المرجح أن تستمر الفجوة بين هذا الرصد عن بعد، السريع نسبياً، وبطء حملات التنقيب الميدانية في منطقة نائية، في تشكيل حدود ما هو معروف عن هذه الآثار.
المصادر
- أميليا كارولينا سبارافينيا (بوليتكنيكو دي تورينو) – “مرصد شمسي من عصور ما قبل التاريخ في قلب الصحراء الكبرى”، فيليكا / أرشيف هال
https://hal.archives-ouvertes.fr/hal-02264633
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - أميليا كارولينا سبارافينيا – “تمارين في علم الفلك الأثري – 3 – بنى ثقب المفتاح في الصحراء”، فيليكا، 2018، وقاعدة بيانات مواقع مدافن ثقب المفتاح الحجرية عبر صور الأقمار الصناعية، مانديلاي داتا، 2025
https://iris.polito.it/handle/11583/2955128
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - إم. سي. غاتو، دي. جيه. ماتينغلي، إن. راي، إم. ستيري (إشراف) – “الدفن والهجرة والهوية في الصحراء القديمة وما وراءها”، مطبعة جامعة كامبريدج، سلسلة آثار عبر الصحراء
https://assets.cambridge.org/97811084/74085/excerpt/9781108474085_excerpt.pdf
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - مجلة أفريكان أركيولوجيكال ريفيو (سبرينغر) – “مدافن أتباي المسيّجة: البناء الأثري والرعي والتغير البيئي في صحارى شرق النوبة خلال الهولوسين الأوسط”، 2026
https://link.springer.com/article/10.1007/s10437-026-09654-y
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - إيف غوتييه – “المعالم الحجرية في الصحراء والساحل، من الألفية الرابعة إلى الأولى قبل الميلاد”، ندوة تاريخ الصحراء حتى عام 650 للميلاد، الكوليج دو فرانس
https://www.college-de-france.fr/fr/agenda/colloque/histoire-du-sahara-jusqu-650-de-notre-ere/monuments-lithiques-du-sahara-et-du-sahel-4e-1er-millenaire-avant-notre-ere
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - كريس سكوت – “مدافن ما قبل الإسلام في الصحراء”، موقع صحارا أوفرلاند
https://sahara-overland.com/2026/01/19/b-is-for-burial-pre-islamic-tombs-in-the-sahara/
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - ريميني ب.، أشور ب. – “فقارات العرق الغربي الكبير الجزائري”، مجلة لارهيس، جامعتا البليدة وبسكرة
https://lab.univ-biskra.dz/Larhyss/images/pdf/Journal07/Résumé_Abstract2.pdf
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026 - غ. كامبس – “عمر قبر تين هينان، جدة الطوارق في الهقار”، مجلة زفيروس، جامعة سالامانكا (توليف لحفريات عامي 1925 و1933 في أباليسا)
https://revistas.usal.es/uno/index.php/0514-7336/article/download/1995/2052/4936
تم الاطلاع عليه في 8 سبتمبر 2026
هيئة التحرير – مجلة الاحرار



