الرئيسيةالرأيافتتاحياتلماذا يغذي الفشل الاجتماعي في الجزائر أدوات القمع السياسي؟

لماذا يغذي الفشل الاجتماعي في الجزائر أدوات القمع السياسي؟

كل أزمة اجتماعية جديدة في الجزائر تنتهي بالطريقة نفسها: تصريح يمتص الغضب، ثم عودة إلى الترتيبات القديمة. النتيجة نظام يستهلك وقته في ترميم صورته أكثر مما يستهلكه في معالجة أسباب الأزمة نفسها.

تنويه تحريري: يعبر هذا المقال عن رأي كاتبه الشخصي، سمير بلعطاش، ولا يعكس بالضرورة الموقف المؤسسي لمجلة الاحرار.

لماذا هذا مهم

الجزائر تراكم منذ سنوات ملفات لم تجد طريقها إلى الحل: هجرة غير نظامية متصاعدة نحو السواحل الأوروبية، إدارة مرتبكة لجائحة كورونا خلفت جدلا حول الشفافية، واقتصاد لا يزال أسير الريع النفطي رغم خطابات التنويع المتكررة. في موازاة ذلك، يوسع القضاء استخدام أحكام قاسية، من بينها عقوبة الإعدام، في ملفات ذات طابع سياسي بقدر ما هو جنائي. فهم هذا التزامن يفسر لماذا يبدو النظام في حالة تخبط متصاعد كلما حاول الإمساك بزمام الأمور.

دولة تدير أزماتها بالترقيع لا بالإصلاح

حين تتفجر أزمة اجتماعية في الجزائر، يكون الرد الأول غالبا خطابيا: بيان تطمين، لجنة تحقيق، وعد بمراجعة. نادرا ما يترجَم هذا الرد إلى تغيير في بنية القرار نفسها. القرار الاقتصادي والسياسي يبقى محصورا في دائرة ضيقة من المسؤولين المرتبطين بمصالح متشابكة مع الريع العمومي، بينما تبقى الهيئات المنتخبة والمجتمع المدني على هامش صناعة السياسات الكبرى.

هذا التمركز ليس افتراضا نظريا. تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادرة في فبراير 2022 وثّقت كيف واجهت أحزاب معارضة وجمعيات مدنية إجراءات إدارية وقضائية متكررة استهدفت تعليق نشاطها أو حل هياكلها. في الوقت نفسه، استمرت السلطات في التأكيد على أن حق التظاهر مضمون وأن القانون يطبَّق على الجميع بالتساوي. الفجوة بين هذا الخطاب والممارسة الفعلية هي بالضبط ما يجعل كل وعد إصلاحي جديدا يُستقبل بحذر متزايد لدى شريحة واسعة من الجزائريين.

من قوارب الحرقة إلى ارتباك الجائحة

الهجرة غير النظامية عبر البحر، المعروفة محليا بـ”الحرقة”، لم تعد ظاهرة هامشية بل مؤشرا اجتماعيا يقيس منسوب اليأس لدى فئة واسعة من الشباب الجزائري. كل موسم يسجَّل عدد جديد من حالات الغرق أو الفقدان قبالة السواحل، دون أن يترجَم هذا التكرار إلى سياسة إدماج اقتصادي واضحة المعالم لصالح الفئة العمرية الأكثر تضررا من البطالة.

جائحة كورونا كشفت بدورها هشاشة المنظومة الصحية العمومية، من نقص الأوكسجين في المستشفيات إلى غياب معطيات موثوقة حول أعداد الوفيات في بعض المحطات الحرجة من الجائحة. هذه المحطة، مثل سابقتها، أُديرت بمنطق التدبير الآني أكثر من إدارتها كأزمة تستدعي مراجعة عميقة للاستثمار في القطاع الصحي والاجتماعي.

الاندماج كدولة نفعية يتقدم على أولويات التنمية الاجتماعية

الخيارات الاقتصادية الكبرى للسلطة تنحاز باستمرار إلى تثبيت موقع الجزائر كمصدّر للمحروقات ضمن التقسيم الدولي للعمل، أكثر من انحيازها إلى بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على امتصاص البطالة. صندوق النقد الدولي يقدّر أن قطاع المحروقات لا يزال يمثل الحصة الأكبر من عائدات التصدير الجزائرية، وهو ما يجعل الموازنة العامة رهينة تقلبات أسعار النفط والغاز أكثر من رهينتها لأي استراتيجية تنويع فعلية.

هذا الاختيار له كلفة اجتماعية مباشرة: مستوى معيشة لا يتحسن بالسرعة نفسها التي تتحسن بها عائدات الدولة في سنوات ارتفاع الأسعار، وخدمات عمومية تتراجع جودتها كلما انخفضت هذه العائدات. الديمقراطية التي يُفترض أن ترافق أي تنمية حقيقية تبقى بدورها محصورة في شكلها الإجرائي: انتخابات دورية دون أن يترافق ذلك بتوسيع فعلي لهامش المشاركة في القرار الاقتصادي.

حين تتحكم الجهة الامنية في القرار الاقتصادي والقرار السياسي

هذا التقاطع بين الخيار الاقتصادي والخيار الأمني ليس صدفة. حين تبقى القرارات الكبرى، من توزيع الريع النفطي إلى منح الصفقات العمومية، محصورة في دائرة ضيقة من الفاعلين، فإن أي مطالبة جدية بمراجعة هذه الخيارات أو بمحاسبة المستفيدين منها تصطدم سريعا بالحدود نفسها التي رسمتها هذه الدائرة لحماية موقعها. الأدوات القانونية المصممة أصلا لمواجهة الجريمة الخطيرة تجد نفسها متاحة أيضا لتأطير خصوم سياسيين او خصوم داخل المنظومة الحاكمة نفسها، ليس لأن الملفين متطابقان في جوهرهما، بل لأن جهة واحدة تتحكم في كليهما دون فصل واضح بين وظيفة حماية المجتمع ووظيفة حماية السلطة القائمة لنفسها.

هذا هو بالضبط ما يجعل النقاش حول الإصلاح الاقتصادي في الجزائر غير قابل للفصل عن النقاش حول استقلالية القضاء والحريات العامة. المطالبة بديمقراطية تتجاوز الشكل الإجرائي، أي بمشاركة فعلية في القرار الاقتصادي ومحاسبة حقيقية للمسؤولين عن إدارته، هي في جوهرها مطالبة بإعادة توزيع السلطة نفسها، لا مجرد طلب تقني بمزيد من الشفافية.

الترسانة القضائية نفسها تخدم ملف الجريمة وملف المعارضة

في أغسطس 2021، أسفرت حرائق الغابات التي اجتاحت منطقة القبائل، والتي رافقها مقتل الناشط جمال بن اسماعيل بعد اتهامه خطأ بإشعالها، عن محاكمات صدرت فيها أحكام بالإعدام بحق 54 شخصا. منظمة العفو الدولية وثّقت في تقرير نشرته في يناير 2023 خروقات في حق المحاكمة العادلة، من بينها ادعاءات بالتعذيب. المنظمة أشارت أيضا إلى أن ما لا يقل عن ستة من المدانين حوكموا بسبب انتمائهم السياسي، بينهم أشخاص صدرت بحقهم أحكام غيابية رغم عدم تواجدهم في الجزائر وقت وقوع الأحداث المنسوبة إليهم.

الجزائر لم تنفذ أي حكم بالإعدام منذ 1993، وفق توثيق مركز معلومات عقوبة الإعدام ومنظمات حقوقية دولية أخرى، لكن هذا الوقف الفعلي لم يمنع القضاء من الاستمرار في إصدار أحكام الإعدام نفسها، بما فيها أحكام ذات خلفية سياسية واضحة. في نوفمبر 2025، صرّح رئيس محكمة بجاية علنا بأن القضاء سيعود قريبا إلى تطبيق عقوبة الإعدام فعليا في قضايا خطف الأطفال والاتجار بالمخدرات داخل المؤسسات التعليمية، رابطا ذلك بتعهدات الرئيس عبد المجيد تبون في خطابه بمناسبة افتتاح السنة القضائية. مصدر حكومي وصف التصريح لاحقا بأنه مجرد “توجه” وليس قرارا نافذا، دون أن ينفي الطابع الرسمي للتصريح نفسه.

الجمع بين هذين الملفين يكشف طبيعة الأداة القضائية ذاتها: ترسانة قانونية واحدة توظَّف في آن واحد لمعالجة جرائم خطيرة تحظى بإجماع اجتماعي واسع على إدانتها، وللتعامل مع معارضين وصحفيين ضمن تهم مرتبطة بالمساس بالوحدة الوطنية أو الانتماء إلى تنظيمات مصنّفة إرهابية. هذا التداخل هو ما يجعل أي نقاش حول عقوبة الإعدام في الجزائر متصلا بالضرورة بنقاش أوسع حول استقلالية القضاء عن الحسابات السياسية للسلطة التنفيذية.

تصريح رئيس محكمة بجاية لم يكن في الواقع سوى مقدمة لخطوة أكثر مباشرة. في 30 أغسطس 2026، وعلى خلفية الحرائق المدمرة التي اجتاحت عدة ولايات في شمال شرق البلاد وأودت بحياة مئات الأشخاص، وجّه الرئيس عبد المجيد تبون تعليماته مباشرة إلى وزير العدل، لطفي بوجمعة، بتعديل قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر 2026 لإعادة تفعيل عقوبة الإعدام، هذه المرة مع التنفيذ الفعلي، بحق المتورطين عمدا في إشعال هذه الحرائق. الرئيس تبون كان واضحا بشأن الغاية من التعديل، مؤكدا أن المحكوم عليهم “لن يبقوا في السجون لعام أو عامين”، وهي صياغة تفيد بأن القصد هذه المرة هو التنفيذ الفعلي للعقوبة وليس مجرد النطق بها. كما طلب الرئيس أن يمر هذا التعديل أمام البرلمان خلال الأسبوع نفسه.

هذا التطور يعد نذير شؤم حقيقي، فالحجم الفعلي لخطورته لا يتوقف عند حدود ملف حرائق أغسطس 2026، والذي يظل، من حيث التوصيف الظاهري، ملفًا جنائيًا بالدرجة الأولى. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن القرارات القضائية المرتبطة بالملفات الجنائية سرعان ما تنزلق، وفقًا لاحتياجات السلطة وتوازنات النظام القائم، لتصبح ملفات سياسية أو قضايا رأي.

إن الترسانة القانونية التي يجري تفعيلها الآن – والمتمثلة في إنهاء التجميد الفعلي لعقوبة الإعدام المعمول به منذ عام 1993 — تُشكّل الأداة القانونية ذاتها التي تستخدم لتشمل الملفات الجنائية وتلك ذات الطابع السياسي على حد سواء. هذا الخلط الفعلي والانزلاق المحتمل هو ما يدفع العديد من المراقبين والمعارضين ونشطاء حقوق الإنسان إلى التأكيد على أن هذه التطورات الأخيرة لا تمثل مجرد تعديل تشريعي، بل تشكل خطرًا داهمًا وحقيقيًا على التجربة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الجزائر


المصادر

  1. منظمة العفو الدولية – تقرير حول أحكام الإعدام الجماعية الصادرة بحق 54 شخصا على خلفية أحداث منطقة القبائل في أغسطس 2021 https://www.amnesty.org/en/latest/news/2023/01/algeria-mass-death-sentences-marred-by-unfair-trials-torture-claims/ – تم الاطلاع عليه في 31 أغسطس 2026
  2. هيومن رايتس ووتش – تقرير حول تشديد الملاحقات القضائية والإدارية لنشطاء ومعارضين في الذكرى الثالثة للحراك https://www.hrw.org/ar/news/2022/02/21/381196 – تم الاطلاع عليه في 31 أغسطس 2026
  3. مركز معلومات عقوبة الإعدام (Death Penalty Information Center) – توثيق الوقف الفعلي لتنفيذ أحكام الإعدام في الجزائر منذ 1993 https://deathpenaltyinfo.org/tag/algeria – تم الاطلاع عليه في 31 أغسطس 2026
  4. تقرير إخباري حول تصريحات رئيس محكمة بجاية بشأن احتمال العودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام في نوفمبر 2025 https://eusee.hivos.org/alert/algeria-signals-possible-end-to-death-penalty-moratorium-amid-public-outcry/ – تم الاطلاع عليه في 31 أغسطس 2026
  5. مؤسسة ECPM – بطاقة إحصائية حول تطبيق عقوبة الإعدام في الجزائر https://www.ecpm.org/en/countries/algeria/ – تم الاطلاع عليه في 31 أغسطس 2026
  6. فرانس 24 (النسخة العربية) – تقرير حول تعليمات الرئيس تبون لوزير العدل بتعديل قانون العقوبات لتنفيذ عقوبة الإعدام بحق مضرمي الحرائق قبل 15 سبتمبر 2026 https://www.france24.com/ar/%D8%A7%- – تم الاطلاع عليه في 31 أغسطس 2026

سمير بلعطاش – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحرير
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة