.بقلم الصحفي نجيب بلحيمر
في مقبرة الناطور ببلدية بوراوي بلهادف دفن عشرون من ضحايا الحرائق التي أتت على جبال جيجل، وضع عشر ضحايا في قبر جماعي ومقابلهم عشر آخرون، لا تحمل الشواهد أسماء بل أرقاما ورموزا، وضمن هؤلاء العشرين يوجد أربع من الضحايا هم زوجة فارس لدرع، الموظف في بلدية العنصر، وابنه عماد الدين، وصهره ( أخ زوجته ) مهدي بوصبيع، وعمها صالح بوصبيع، لقد قضى الأربعة عندما كانوا يحاولون النجاة بمغادرة المنطقة التي داهمتها النيران فانقلبت السيارة وماتوا جميعا حرقا.
كافح فارس بكل قواه من أجل أن يضمن لأحبته قبرا بشاهد يحمل أسماءهم لكنه فشل في النهاية، سألته ” لماذا رفضت أن يدفنوا في قبر جماعي؟” قال لي ببساطة لأنني كنت قد استكملت كل الإجراءات وحصلت على رخصة باستلام الجثث من مستشفى الميلية وتصريح بالدفن”، ويتطلب الحصول على هذه الوثيقة التي تسمح للعائلات باستعادة الجثث ودفنها بطريقة عادية، أن تؤكد الحماية المدنية والدرك الوطني هوية الضحايا، وتأشيرة الطبيب الشرعي، وكل هذا ينتهي بالحصول على موافقة وكيل الجمهورية بما يسمح باستصدار الوثيقة الأهم وهي رخصة استلام الجثث ثم التصريح بالدفن.
الزيارة التي أخلطت الأوراق
يروي فارس بمرارة ظاهرة كيف خلطت زيارة وزير الداخلية إلى مستشفى الميلية عمل مصلحة حفظ الجثث، يقول ” صحيح، كان هناك ضغط كبير، وكنا في حالة صعبة بالنظر إلى الكارثة التي حلت بنا، لكن مصلحة حفظ الجثث كانت تقوم بعملها بشكل مقبول بالنظر إلى هول ما حدث، لكن الإعلان عن مجيء وزير الداخلية أوقف كل شيء” لقد توقف العمل فجأة للتفرغ لاستقبال الوزير وطلب من أهالي الضحايا العودة في اليوم الموالي للقيام بعملية استلام الجثث ودفنها، وعندما عادوا انقلب كل شيء رأسا على عقب، ويقول فارس “لقد كانت تلك الزيارة نذير شؤم بالنسبة لي ولأسر الضحايا”.
رفض المستشفى تسليم الجثث لفارس بمبرر أن قرارا اتخذ بأن كل الضحايا الذين فقدت معالم وجوههم يجب أن يخضعوا لفحص الحمض النووي، وبما أن تعليمة قد أعطيت بإغلاق مصلحة حفظ الجثث فإنه لا بد من دفن جميع الجثث في قبور جماعية على أن يتم إرسال عينات لفحص الحمض النووي في العاصمة، وفي انتظار أن يتم إرسال عينات أهالي الضحايا ( لم تبدأ إلى حد الآن) فسيتعين انتظار مزيد من الوقت حتى تحمل الشواهد أسماء الراحلين، وبالنسبة لفارس وغيره فإن المحو الذي بات يرمز إليه القبر الجماعي يضاعف الشعور بالألم والقهر والتخلي لمن واجهوا مصيرهم المفجع بأنفسهم.
ألم المحو فوق ألم الفقد
لم يظهر فارس ضعيفا رغم فداحة الخسارة التي ألمت به، لكنه لا يستطيع أن يخفي مرارته من هذا الإصرار على إسكات النكبة وتجاوزها بالصمت والتعتيم، وهذه مرارة يتقاسمها مع كل الذين التقيتهم في تلك القرى التي ما زال الدخان ينبعث من تحت رمادها وما زال الجمر متقدا فيما بقي من جذوع أشجارها المتفحمة، وغير بعيد عن مقبرة الناطور التي لم تسلم من الحريق فاجأني عمي صالح بوكروح بصراخه ” لماذا يكذبون؟ لقد سلمنا أمرنا لله ورضينا بقدرنا، وهؤلاء باتوا في ذمة الله رحمهم الله ولن يعودوا أبدا”.
غير بعيد عن الناطور في بوالبلوط وقفنا على قبور عائلة بوكروح، أحد عشر منهم من عائلة واحدة، وثمانية من الأقارب، جاء معظمهم من العاصمة لقضاء العطلة، المكان الذي يطل على كل من برج الطهر والجمعة بني حبيبي، كان جنة، بقيت منه عين جارية، وأشجار متفحمة، من يعرف المنطقة وكثافة غاباتها سيكون بوسعه أن يتخيل أي منظر كان يصبح عليه أبناء تلك القرية، اليوم صارت الجنة خاوية على عروشها.
أخبرني علي عن حلم كان يراود والده في أن يجعل قطعة من الأرض المحاذية للبيت مدفنا للعائلة، وكيف فشل في إقناع ابن عمه ببيع قطعة أرض كان يراها صالحة للغرض، لكن اليوم يرقد الاثنان في تلك الأرض التي باتت تضم عشرة من أبناء عائلة بوكروح، وبقيت خمس قبور مفتوحة لأن زوج إحدى الضحايا قرر أن ينقل زوجته وأبناءه ليدفنوا في العاصمة حيث يقيمون، في حين دفن أربعة آخرون في العنصر.
في وسط كل ذلك الخراب بدا علي وكأنه حقق إنجازا مهما عندما استطاع أن يتجنب فخ فحص الحمض النووي وأن يحصل على امتياز دفن أحبته غير بعيد عن البيت، وفي المكان الذي كان أمل والده أن يرقد فيه، كان الإنجاز بفعل مساعدة أحد الأقارب يعمل في سلك القضاء.
وقف علي على القبور وأخبرني بأسماء أصحابها قائلا “هنا فقط يرقد عشرة ضحايا فكيف يجرأون على الإبقاء على ذلك الرقم”، ومثل بقية سكان المنطقة يبقى السؤال الذي يتردد على الألسن ” لماذا يرفضون الاعتراف بالحصيلة الحقيقية للضحايا؟” هم فعلا لا يملكون الإجابة ولا يحيطون بالحكمة المتعلقة بهذا القرار.
على مدار يوم كامل قضيته مع الناس في مناطق تبدو وكأنها تفقد أسباب الحياة، كنت أسمع ثناء لا ينقطع على أبناء الشعب الجزائري والهبة التضامنية، لقد رأيت في عيون الناس هذه الفرحة بتلك القوافل التي أعادت الحياة لمنطقة عزلتها الجغرافيا وغياب التنمية، كان الشباب القادمون من جميع أنحاء الجزائر يرسمون بسمة على وجوه شاحبة ويجعلون عيونا أذهلها هول الحريق تشع من جديد، ومع كل عبارة تذمر من عجز السلطات كانت اللازمة حاضرة “الحمد لله أن الشعب الجزائري وقف معنا”.
زراعة الحياة
في بونابل التقيت بجمال القادم من عنابة، فتح الباب ودفعني نحو الداخل، هنا البيت الذي نشأ فيه، وهنا جنته التي يتفقدها كل يوم، لديه بقرة وماعز ودجاج، يأتي باستمرار لأنه لا يتخيل البقاء بعيدا لمدة طويلة، كان يعدد لي أشجار الزيتون المتفحمة وحتى التين الشوكي الذي كان رمزا لمقاومة النار صار اليوم شاهدا على شراستها، وفي وسط الرماد وقفت سيدة في الخامسة والسبعين مبتسمة، خالتي يمينة، قضت ليلة الحريق الكبير تقاوم النار في حين كان زوجها بالداخل، ذهلت عندما كانت تروي لي كيف بقيت هناك في وقت كان الجميع يحاول الهرب، كانت تقاوم النار وتدعو الله ألا يأتي أبناؤها الثلاثة من البليدة والعاصمة وسطيف حتى لا يقع لهم مكروه، كان ابنها نزيه المقيم بسطيف قد جاء للتو، حدثني بمرارة عن عادته التي لم يقلع عنها أبدا، كان عندما يعود إلى البيت يذهب رأسا إلى الغابة، فالبيت شيد عند سفح جبل حيث تتجاور أشجار البستان مع أشجار الغابة، وحتى في فصل الشتاء كان يقف في الغابة تحت المطر قبل أن يدخل إلى البيت، أشار إلى صخرة كبيرة قال بأنها كانت القطعة الوحيدة الشاذة عن الخضرة واليوم صار كل شيء بلون واحد، رمادي متدرج نحو السواد.
أخبرتني خالتي يمينة بأن المشكلة الأساسية اليوم هي الماء والكهرباء، لقد أتت النار على أنابيب البلاستيك التي كانت تنقل الماء من ينبوع في الجبل إلى البيت مباشرة، كل هذا تتحدث عنه بابتسامة عريضة، قلت لها إذا أمهلنا العمر سأزورك هنا بعد عامين وسأجد البستان أخضر، أخبرتني بأن أشجار الزيتون تضررت لكنها ستعيد لها الحياة من خلال قطعها، لقد بدأ التفكير في حياة جديدة من اللحظة التي انطفأت فيها النار حين لم يعد لديها ما تأكله.
نجيب بلحيمر عبر صفحته على الفايس بوك



