تسلّم محند بوراي، في الثالث من سبتمبر 2026، مهامه محافظًا لبنك الجزائر، خلفًا لمحمد لمين لبو الذي انتقل إلى وزارة المالية ضمن التعديل الحكومي الذي أُعلن قبل ذلك بيومين. وجرت مراسم تسليم المهام في الجزائر العاصمة بإشراف وزير المالية الجديد. وبذلك انتقل بوراي من إدارة بنك عمومي تجاري إلى قيادة المؤسسة التي تشرف على السياسة النقدية والرقابة المصرفية وأنظمة الدفع وإدارة احتياطيات الصرف. لا تتوافر في المصادر الرسمية المنشورة سيرة شخصية مفصلة للمحافظ الجديد. فلا توجد، حتى الآن، معلومات موثقة كافية عن تاريخ ميلاده أو جميع مراحل تكوينه ومساره الوظيفي. لكن المحطات المعروفة تكشف عن مسؤول نشأ مهنيًا داخل القطاع المصرفي العمومي، قبل وصوله إلى قمة السلطة النقدية في البلاد.
من البنوك العمومية إلى بنك الجزائر
برز اسم محند بوراي في أبريل 2021، عندما عُيّن مديرًا عامًا لبنك الفلاحة والتنمية الريفية «بدر»، ضمن حركة مست مسؤولي البنوك العمومية وفصلت بين رئاسة مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية. ويحتل بنك «بدر» موقعًا مهمًا داخل المنظومة المصرفية الجزائرية، لارتباطه التاريخي بتمويل الزراعة والتنمية الريفية، إلى جانب نشاطه في تمويل المؤسسات والاستثمار وتقديم الخدمات المصرفية للأفراد والمتعاملين الاقتصاديين. وتولى بوراي لاحقًا رئاسة الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية، التي تضم البنوك والمؤسسات المالية العاملة في الجزائر وتمثل إطارًا للتنسيق بينها وبين السلطات العمومية. وأتاح له هذا الموقع الاطلاع على انشغالات مختلف المؤسسات المصرفية، من تحديث أنظمة المعلومات إلى تمويل الاستثمار والتصدير، مرورًا بالامتثال وتوسيع استخدام وسائل الدفع.
هذا المسار يمنحه معرفة مباشرة بطريقة عمل البنوك التجارية. لكنه يضعه أيضًا أمام انتقال مؤسسي دقيق: فمحافظ البنك المركزي لا يدير بنكًا يسعى إلى توسيع حصته في السوق، بل يقود جهة رقابية ونقدية مطالبة بالحفاظ على استقرار المنظومة بأكملها.
ماذا يفعل محافظ بنك الجزائر؟
يحدد القانون النقدي والمصرفي رقم 23-09، الصادر في يونيو 2023، الإطار الذي تعمل داخله المؤسسة. ويتولى المحافظ إدارة بنك الجزائر بمساعدة ثلاثة نواب، ويُعيّن بمرسوم رئاسي لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. ولا يقتصر دور بنك الجزائر على إصدار الأوراق النقدية أو تحديد السعر الرسمي للعملات. فمهمته الرئيسية هي ضمان استقرار الأسعار، إلى جانب المحافظة على الاستقرار النقدي والمالي وتهيئة الظروف الملائمة لتنمية الاقتصاد في مجالات النقد والقرض والصرف.
كما يشرف البنك على سلامة القطاع المصرفي، ويتابع سيولة البنوك وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، ويراقب أنظمة الدفع، ويدير احتياطيات الصرف، ويساهم في وضع القواعد التي تنظم حركة رؤوس الأموال والعمليات المصرفية مع الخارج. ولا تعني هذه الصلاحيات أن المحافظ يتخذ جميع القرارات منفردًا. فالسياسة النقدية والتنظيم المصرفي يخضعان لهياكل ومجالس وآليات قانونية متعددة. غير أن المحافظ يظل الوجه التنفيذي الأبرز للمؤسسة وصاحب الدور المركزي في توجيه عملها والتواصل باسمها.
استقرار الأسعار ومصداقية السياسة النقدية
يأتي استقرار الأسعار في مقدمة الملفات التي تنتظر المحافظ الجديد. ولا يتعلق هذا الملف فقط بإعلان معدلات التضخم، بل بقدرة بنك الجزائر على فهم مصادر ارتفاع الأسعار والتمييز بين ما ينتج عن السيولة والطلب الداخلي وما يرتبط بالإنتاج والاستيراد وتكاليف النقل والظروف الخارجية.
يمتلك البنك المركزي أدوات للتأثير في حجم السيولة والائتمان، من بينها معدلات الفائدة والاحتياطات الإلزامية وعمليات السوق النقدية. لكن فعالية هذه الأدوات تبقى مرتبطة بطبيعة الاقتصاد الجزائري، وبوزن الإنفاق العمومي، وبدرجة تطور السوق المالية وانتقال قرارات السياسة النقدية إلى البنوك والأسعار. وسيكون أحد اختبارات المرحلة المقبلة هو جعل السياسة النقدية أكثر وضوحًا وقابلية للفهم. فالمتعامل الاقتصادي يحتاج إلى بيانات منتظمة وتفسيرات دقيقة حتى يبني قراراته المتعلقة بالاستثمار والتمويل، بدل الاعتماد على الإشاعات أو التوقعات غير المستندة إلى معلومات رسمية.
إصلاح البنوك وتمويل الاستثمار
يصل بوراي إلى بنك الجزائر في وقت تواجه فيه البنوك انتقادات متكررة بسبب بطء دراسة الملفات، وتعقيد الإجراءات، وضعف مواكبة المستثمرين والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ولا تُختزل المشكلة في زيادة حجم القروض. فالتوسع غير المحسوب في التمويل يمكن أن يرفع المخاطر ويضعف جودة محافظ البنوك. المطلوب هو تحسين تقييم المشاريع، وتقليص آجال دراسة الطلبات، وتطوير أدوات الضمان والتمويل، مع الحفاظ على قواعد الحيطة والملاءة.
وتمنح تجربة بوراي في بنك «بدر» أهمية خاصة لهذا الملف، بحكم احتكاكه بتمويل الزراعة والمؤسسات والنشاط الاقتصادي. لكن نجاحه لن يُقاس بعدد التعليمات الصادرة إلى البنوك، بل بمدى انعكاسها على زمن معالجة الملفات ونوعية الخدمات وقدرة المشاريع الجادة على الوصول إلى التمويل.
الرقمنة والشمول المالي
قبل تعيين بوراي بأشهر، وضعت اجتماعات بنك الجزائر مع مسؤولي البنوك تحديث القطاع وتسريع الشمول المالي وتطوير النقد الإلكتروني ضمن الأولويات المعلنة. كما وجّه البنك، في يوليو 2026، المؤسسات المصرفية إلى تسهيل وصول الأسر إلى الحسابات والخدمات المالية. وتشير هذه الخطوات إلى اتساع الفجوة بين البنية المصرفية القائمة وتوقعات المستخدمين. فما زال فتح الحساب والحصول على البطاقة وتنفيذ بعض العمليات يتطلب، في حالات كثيرة، إجراءات طويلة أو حضورًا مباشرًا إلى الوكالة.لن تكون الرقمنة الحقيقية مجرد تحويل الاستمارات الورقية إلى ملفات إلكترونية. المطلوب هو ربط الأنظمة بين البنوك، وتسريع التحويلات، وتوسيع قبول الدفع الإلكتروني، وحماية بيانات الزبائن، وتوفير خدمات يمكن استخدامها بصورة مستقرة خارج ساعات عمل الوكالات.
كما يرتبط الشمول المالي بثقة المواطن في البنك. فاجتذاب الأموال المتداولة خارج القنوات الرسمية يحتاج إلى خدمات بسيطة ومفهومة، وتكاليف واضحة، وضمانات لحماية المودعين، وليس إلى حملات تواصلية وحدها.
سوق الصرف والتحويلات الخارجية
سيجد المحافظ الجديد أمامه أيضًا ملف الصرف، بما يشمله من تنظيم التحويلات، وتوفير العملات للعمليات المشروعة، ومراقبة حركة رؤوس الأموال، وتطبيق قواعد منحة السفر واستخدام البطاقات المصرفية الدولية. وتكمن صعوبة هذا الملف في الجمع بين عدة اعتبارات: حماية احتياطيات البلاد من العملة الأجنبية، وتلبية حاجات المواطنين والمؤسسات، وتسهيل التجارة والاستثمار، وتقليص المساحة التي تشغلها التعاملات غير الرسمية.
ولا يملك بنك الجزائر وحده حل جميع الاختلالات المرتبطة بسوق الصرف، لأن جزءًا منها يعود إلى بنية التجارة الخارجية وإجراءات الاستيراد وحجم العرض والطلب. لكنه يستطيع تحسين القواعد، وتبسيط الوصول القانوني إلى العملات، ونشر معلومات أوضح عن الإجراءات والحقوق والالتزامات.
مرافقة الصادرات خارج المحروقات
في يوليو 2026، ألزم بنك الجزائر البنوك بإتمام توطين عمليات تصدير السلع والخدمات في أجل أقصاه 48 ساعة بعد استلام الملف الكامل. وتعكس هذه الخطوة إدراكًا بأن التأخر المصرفي يمكن أن يتحول إلى عائق مباشر أمام المصدر. وسيكون على الإدارة الجديدة متابعة تطبيق هذه التعليمات، لا الاكتفاء بإصدارها. فالمؤسسات المصدرة تحتاج إلى سرعة فتح الملفات، وتحصيل عائداتها، والحصول على الضمانات وخدمات الدفع، وفهم القواعد المتعلقة بالعملة الأجنبية.
ويمثل نجاح هذا المسار اختبارًا لقدرة الجهاز المصرفي على مرافقة سياسة تنويع الاقتصاد، بدل بقائه جهازًا إداريًا يراقب الوثائق من دون أن يقدم حلولًا مالية تناسب نشاط المؤسسات في الأسواق الخارجية.
الرقابة والامتثال والاستقرار المالي
كلما توسعت الخدمات الرقمية والتمويلات الجديدة، ازدادت مسؤولية بنك الجزائر في مراقبة المخاطر. ويشمل ذلك جودة القروض، وحوكمة البنوك، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإجراءات معرفة الزبون، والأمن السيبراني وسلامة أنظمة الدفع. ولا ينبغي النظر إلى الرقابة باعتبارها عائقًا أمام النشاط الاقتصادي. فضعف الرقابة يمكن أن يؤدي إلى تراكم قروض متعثرة أو تعريض النظام المصرفي لعمليات احتيال ومخاطر يصعب احتواؤها لاحقًا. لكن الامتثال يفقد غايته عندما يتحول إلى بيروقراطية موحدة تعاقب الزبون منخفض المخاطر وتؤخر العمليات العادية.
وسيكون التحدي في بناء رقابة قائمة على مستوى المخاطر، تفرض تدقيقًا مشددًا حيث يلزم، وتسمح في المقابل بمعالجة أسرع للملفات والعمليات الاعتيادية.
العلاقة مع وزارة المالية
يأتي تعيين بوراي بالتزامن مع انتقال سلفه محمد لمين لبو إلى وزارة المالية، ما يضع الرجلين في موقعي قيادة داخل المؤسستين الأكثر تأثيرًا في السياسة المالية والنقدية.
وقد يسهل هذا الترتيب التنسيق في ملفات إصلاح البنوك والتمويل والدفع الإلكتروني. غير أن التنسيق لا ينبغي أن يلغي اختلاف الوظائف: فوزارة المالية تدير الميزانية والسياسة المالية، بينما يفترض أن يتخذ بنك الجزائر قراراته النقدية والرقابية وفق مقتضيات الاستقرار. وسيكون الحفاظ على هذا التوازن ضروريًا، خصوصًا عندما تتعارض الحاجة إلى تمويل الاقتصاد سريعًا مع ضرورة ضبط السيولة والمخاطر المصرفية.
كيف يمكن قياس حصيلة المحافظ الجديد؟
لا تُقاس حصيلة البنك المركزي بالخطابات أو بعدد الاجتماعات، بل بمؤشرات قابلة للمتابعة: انتظام نشر البيانات النقدية، ووضوح القرارات، واستقرار الأسعار، وسلامة البنوك، وسرعة التحويلات، وانتشار الحسابات والبطاقات، وتحسن خدمات الدفع، وتراجع آجال معالجة ملفات المستثمرين والمصدرين. يمتلك محند بوراي خبرة تنفيذية داخل البنوك العمومية ومعرفة بانشغالات المؤسسات المصرفية. غير أن المنصب الجديد يضعه أمام مسؤولية أوسع: الانتقال من إدارة بنك داخل المنظومة إلى إصلاح القواعد التي تعمل بها المنظومة نفسها.
محند بوراي في سطور
- المنصب الحالي: محافظ بنك الجزائر.
- تاريخ تسلم المهام: 3 سبتمبر 2026.
- السلف: محمد لمين لبو، وزير المالية الحالي.
- أبرز منصب سابق: المدير العام لبنك الفلاحة والتنمية الريفية «بدر».
- مسؤولية مهنية سابقة: رئيس الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية.
- مدة ولاية المحافظ قانونًا: خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.
- أبرز الملفات: استقرار الأسعار، إصلاح البنوك، تمويل الاستثمار، الرقمنة، الشمول المالي، الصرف، تمويل الصادرات والرقابة المصرفية.
المصادر
- وكالة الأنباء الجزائرية: مراسم تسليم المهام لمحافظ بنك الجزائر الجديد
- بنك الجزائر: بيان تولي محند بوراي مهامه
- وزارة المالية: تعيين محند بوراي مديرًا عامًا لبنك بدر سنة 2021
- الإطار التشريعي والتنظيمي لبنك الجزائر
بقلم يوسف عبد الله — جريدة الأحرار



