كيف صنع سيد أحمد أقومي مسيرة استثنائية في السينما والمسرح الجزائريين؟
تكتسب سيرة أقومي أهميتها من كونها مرآة لمسار الفن الجزائري نفسه، بمنعطفاته وأزماته. فقد جمع الممثل بين إدارة مؤسسات مسرحية رسمية في الجزائر وبين تجربة نفي قسري إلى فرنسا عام 1994، إثر اغتيال صديقه الكاتب المسرحي عبد القادر علولة على يد جماعة مسلحة. كما تُبرز تجربته كيف واصل جيل من الفنانين الجزائريين الإنتاج والإبداع رغم العنف الذي طال قطاع الثقافة خلال العشرية السوداء.
من مزيان إلى أقومي: نشأة في أحياء الجزائر العاصمة
ولد سيد أحمد مزيان، المعروف فنياً باسم سيد أحمد أقومي، في الخامس من أكتوبر عام 1940 في حي بولوغين، المعروف سابقاً بسان أوجين، بالجزائر العاصمة. جاء من أسرة ذات أصول قبائلية، وكان والده خياطاً أمياً. التحق أقومي في طفولته بالمدرسة القرآنية، وانفتح موازاة مع ذلك على الثقافة الفرنسية، في مزيج ثقافي طبع مساره الفني لاحقاً. بدأ اهتمامه بالمسرح في سن السابعة عشرة، قبل أن يشرع في مطلع الستينيات، أي غداة الاستقلال، في مسيرة فنية اختار من خلالها التنقل بين الركح والشاشة الصغيرة والكبيرة بالطاقة نفسها.
من الركح إلى إدارة المسارح الجهوية الجزائرية
لم يكتفِ أقومي بالتمثيل، إذ تولى مسؤوليات إدارية داخل المنظومة الثقافية الجزائرية الفتية. أُسندت إليه إدارة المسرحين الجهويين لعنابة وقسنطينة خلال سنتي 1974 و1975، ثم إدارة دار الثقافة والمسرح بولاية تيزي وزو، قبل أن يتولى لاحقاً إدارة المسرح الوطني الجزائري. جاءت هذه المسؤوليات في عقد شهد بناء مؤسسات المسرح الجزائري بعد الاستقلال، حين كانت الدولة الفتية تسعى إلى ترسيخ حضور فني وطني في مواجهة إرث الاستعمار الثقافي.
أكثر من خمسين فيلماً على مدى ستة عقود
يُعد أقومي من الممثلين الجزائريين الأكثر حضوراً على الشاشة، بمشاركته في أكثر من خمسين عملاً سينمائياً منذ نهاية الستينيات. في عام 1969 أدى دوراً في فيلم “زد” للمخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس، وهو من الأفلام التي حازت شهرة عالمية آنذاك. شارك أقومي كذلك في أعمال جزائرية وفرنسية متعددة على امتداد العقود التالية، من بينها “المنطقة المحظورة” عام 1974، و”الجانب الآخر من البحر” عام 1997، و”باتي” عام 1998. توالت أدواره بعد ذلك في “كان يا مكان في الواد” عام 2004، و”موريتوري” عام 2007، و”الإيطالي” عام 2009، و”بير سور لا فيل” عام 2010، و”الأجزاء الخمسة للعالم” عام 2011، وصولاً إلى “تيمقاد” عام 2016، حيث جسّد شخصية معلم قروي. تُظهر هذه القائمة تنوعاً في الأدوار امتد من المعلم المتمرد إلى المهاجر واللاجئ، مروراً بشخصيات سياسية وتاريخية.
النفي إلى فرنسا بعد اغتيال عبد القادر علولة
شكّل عام 1994 منعطفاً حاسماً في مسار أقومي. في العاشر من مارس من تلك السنة، اغتيل الكاتب المسرحي عبد القادر علولة، صديق أقومي المقرب، برصاص جماعة إسلامية مسلحة عند مغادرته منزله في وهران. توفي علولة بعد أربعة أيام في مستشفى بباريس. في خضم هذا العنف الذي استهدف عدداً من الفنانين والمثقفين الجزائريين خلال ما عُرف بالعشرية السوداء، غادر أقومي الجزائر إلى فرنسا وهو في الخمسينيات من عمره. لم يكن هذا الرحيل تقاعداً فنياً، بل استمراراً للمسيرة بأدوات جديدة، إذ وجد أقومي في المسرح الفرنكوفوني مساحة لمواصلة تمثيل الأصوات الجزائرية من منفاه.
مسرح المنفى: من كولتيس إلى سليمان بن عيسى
استعاد أقومي في فرنسا موطئ قدمه على الركح قبل أن يستقر له الحال في السينما من جديد. ففي عام 1995 أدى دوراً في مسرحية “العودة إلى الصحراء” للكاتب برنار ماري كولتيس، من إخراج جاك نيشي. توطدت بعدها علاقته الفنية بالكاتب المسرحي الجزائري سليمان بن عيسى، الذي مثّل له أعمالاً عدة، من بينها “أبناء المرارة” التي استُقبلت عام 1997 على خشبة مسرح سان جرفيه في جنيف، ثم “أنبياء بلا إله” على المسرح نفسه، و”المستقبل المنسي” عام 1999. في عام 2003، شارك أقومي في عمل “نحن على أعتاب كون خرافي”، من إخراج هيرفي لوشمول، وهو استكشاف مسرحي شعري لسيرة الكاتب الجزائري ذي الأصول الأوروبية جان سيناك، قدّمه أقومي إلى جانب عازف الساكسفون الأميركي آرتشي شيب ضمن مهرجان لا باتييه في جنيف. وفي لحظة من العرض، نزل أقومي درجات القاعة وقال أمام الجمهور: «أقومي، هذا أنا».
جائزة النخلة الذهبية وتكريم “الديزور دو فيريتيه”
حصل أقومي على جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم “الديزور دو فيريتيه” للمخرج كريم الطريدية. فاز الفيلم بجائزة النخلة الذهبية في مهرجان فالنسيا لسينما البحر الأبيض المتوسط عام 2000، وهو عام إنتاجه وعرضه الأول في مهرجان روتردام السينمائي. يجسد العمل قصة صحفي جزائري يواجه محاولات اغتيال متكررة بسبب مواقفه الناقدة، مستلهماً من سيرة الصحفي سعيد مقبل الذي اغتيل بدوره خلال العشرية السوداء. جسّد أقومي شخصية هذا الصحفي في أداء وصفته مراجعات نقدية دولية بالمتميز.
صوت للأدب الجزائري وحضور مستمر على الركح الفرنكوفوني
إلى جانب التمثيل المرئي، أعار أقومي صوته لأعمال أدبية جزائرية بارزة، فقرأ نصوصاً لجان سيناك ومولود فرعون ورشيد ميموني وبن عمر مدين. كما جسّد صوتياً رواية “نجمة” لكاتب ياسين. في السنوات الأخيرة، ظهر على الركح في كيبك الكندية، في مسرحية “عقد هيلين” للكاتبة كارول فريشيت، وفي “السقوط” للكاتبة الصربية بيليانا سربليانوفيتش، حيث جسّد شخصية الرئيس اليوغوسلافي الأسبق سلوبودان ميلوشيفيتش. وفي حديث صحفي أُجري معه عام 2002، لخّص أقومي دافعه لخدمة الكتّاب الجزائريين بقوله: «لو لم أخدم الكتّاب الجزائريين، لشعرت بأنني أتنكر لشعب يعاني. هذه وظيفتي». تعكس هذه العبارة الخيط الناظم لمسيرة امتدت من مسارح الجزائر إلى خشبات أوروبا وكندا: تمثيل جزائري لا ينقطع، مهما تبدلت الجغرافيا.
المصادر
- ويكيبيديا الفرنسية – سيرة سيد أحمد أقومي
https://fr.wikipedia.org/wiki/Sid_Ahmed_Agoumi – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - المسرح الوطني الجزائري – السيرة الرسمية لسيد أحمد أقومي
https://tna.dz/fr/amo-team/sid-ahmed-agoumi/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - صحيفة لوتون السويسرية – بروفايل صحفي عن أقومي، 2002
https://www.letemps.ch/culture/sid-ahmed-agoumi-vedette-algerienne-sauvee-planches-france – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - صحيفة لوتون السويسرية – تغطية عرض “نحن على أعتاب كون خرافي” ضمن مهرجان لا باتييه
https://www.letemps.ch/culture/souffleurs-magnifiques-dutopies-archie-shepp-agoumi-refont-revolution-batie – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - موقع كونفلوانس الثقافي – فيلموغرافيا سيد أحمد أقومي
https://www.confluences.org/artiste/sid-ahmed-agoumi/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - المكتبة الوطنية الفرنسية (BnF Data) – سجل أعمال سيد أحمد أقومي المسرحية والسمعية البصرية
https://data.bnf.fr/14001232/sid_ahmed_agoumi/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - قاعدة بيانات IMDb – سجل جوائز مهرجان فالنسيا لسينما البحر الأبيض المتوسط لعام 2000
https://m.imdb.com/es/name/nm0871535/awards – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026 - ويكيبيديا الإنجليزية – سيرة عبد القادر علولة وظروف اغتياله
https://en.wikipedia.org/wiki/Abdelkader_Alloula – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
هيئة التحرير – مجلة الاحرار



