الرئيسيةالثقافة والفنونالسينمافي الذكرى الخامسة لرحيله: حاج سماعين، من قسنطينة إلى تأسيس المسرح الوطني...

في الذكرى الخامسة لرحيله: حاج سماعين، من قسنطينة إلى تأسيس المسرح الوطني الجزائري

تحل في الخامس من سبتمبر 2026 الذكرى الخامسة لرحيل الفنان الجزائري حاج سماعين محمد الصغير، أحد الأسماء المؤسسة للمسرح الوطني الجزائري والمعهد الوطني للفنون الدرامية. توفي الفقيد في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية في خضم جائحة كوفيد-19، وهي الجائحة نفسها التي حالت دون نقل جثمانه إلى الجزائر ليوارى الثرى بين ذويه.

لماذا هذا مهم: تعيد هذه الذكرى إلى الواجهة سيرة جيل التأسيس الذي بنى، غداة الاستقلال، الصرح المسرحي والسينمائي الجزائري انطلاقا من فرق هاوية متناثرة عبر البلاد. سيرة حاج سماعين تحمل بعدا إضافيا يتجاوز الفن، إذ تتقاطع مع تاريخ عائلي مرتبط مباشرة بثورة التحرير، من الاعتقال والتعذيب إلى تولي منصب وزاري بعد الاستقلال. توثيق هذه المحطات جزء من الذاكرة الثقافية والوطنية الجزائرية التي تتقلص شهادات أصحابها المباشرين عاما بعد عام.

من قسنطينة إلى أوبرا باريس

ولد حاج سماعين محمد الصغير في 29 أكتوبر 1932 بمدينة قسنطينة، في بيئة عائلية واجتماعية كانت تعطي قيمة كبيرة للدين والثقافة والفنون. نشأ الفتى وسط أصدقاء شغوفين بالسينما والموسيقى والكشافة، وكان يقدم مع رفاقه في الكشافة مسرحيات مقتبسة من الأفلام التي يشاهدونها في قاعات سينما المدينة، بينها القاعة التي تعرف اليوم باسم مركز عبد الحميد بن باديس.

مع نهاية أربعينيات القرن الماضي، التحق حاج سماعين بفرقة “ألف ليلة وليلة”، قبل أن يأخذ على عاتقه مشروع بناء مسرح جزائري بمستوى ما كان يقدم آنذاك في كبريات مسارح العالم. خطواته المهنية الأولى في المسرح الاحترافي كانت في أوبرا باريس، حيث عمل مساعدا للمخرج والممثل المسرحي الكبير جان فيلار. وخلال هذه الفترة نسج تعاونا طويلا مع فنانين مسرحيين فرنسيين، منهم هنري كوردرو ورينيه فونتانيل وأندريه كروك وفيليب دوشي وبيار فيال. خلال جولة مسرحية بجنوب فرنسا، تعرف حاج سماعين على أحد عمالقة المسرح الجزائري، علال الموحب (واسمه الحقيقي علال حمودي)، لتنشأ بينهما صداقة وشراكة فنية استمرتا لسنوات طويلة.

من الفرق الجهوية إلى المسرح الوطني

عاد حاج سماعين إلى الجزائر ليمارس المسرح ضمن فرق متعددة عبر البلاد، تاركا بصمته في كل واحدة منها ومرسيا بذلك قاعدة صلبة لما أصبح لاحقا المسرح الوطني الجزائري. من بين هذه الفرق: فرقة “رفاق الصخرة العتيقة”، والفرقة المسرحية الجزائرية لما قبل الاستقلال (1957-1958)، وفرقة دار الشباب بحسين داي، وفرقة “الكبوسيات” بالجزائر العاصمة.

سنة 1962، وبالتزامن مع الاستقلال، شارك حاج سماعين رفقة علال الموحب في تأسيس المسرح الوطني الجزائري والمدرسة الوطنية للفنون الدرامية، إلى جانب الراحلين محي الدين بشطارزي ومصطفى كاتب. تشير مصادر تاريخية إلى أن قاعة المسرح البلدي بالجزائر العاصمة أعيدت تسميتها “المسرح الوطني الجزائري” في تلك الفترة بالذات، قبل أن تحمل لاحقا اسم مؤسسها محي الدين بشطارزي. شارك حاج سماعين إلى جانب فنانين آخرين في تأسيس المسرح الجهوي بقسنطينة، من بينهم حسن بلحاج وعبد الكريم المنائي وشريف شعيب وتوفيق خزندار.

على الركح، تقلد حاج سماعين أدوارا رئيسية في نصوص مسرحية عالمية وجزائرية قدمت قبل الاستقلال وبعده. من أبرز هذه الأعمال:

  • “الحياة حلم” لبيدرو كالديرون دي لا باركا
  • “ورود حمراء من أجلي” لشون أوكيسي
  • “بنادق الأم كارار” لبرتولت بريشت
  • “إيفان إيفانوفيتش” للشاعر التركي ناظم حكمت
  • “الدائرة الطباشيرية القوقازية” لبريشت
  • “المريض الوهمي” لموليير
  • “مسرحية المطبخ” (نص من فصلين) لعبد القادر صافري
  • “ترويض النمرة” لويليام شكسبير
  • “الرفض” و”الكلمة”، من إخراجه هو نفسه
  • “هكذا تكلمت شهرزاد”، المقتبسة من ألف ليلة وليلة، و”الفيضان” و”المغنية الصلعاء” ليوجين يونسكو، من إخراج هنري كوردرو
  • “القارب بلا صياد” لأليخاندرو كاسونا، من إخراج رينيه فونتانيل
  • “فوينتي أوبخونا” لكالديرون دي لا باركا و”نومانسيا”، من إخراج أندريه كروك
  • “معتقلو ألتونا” لجان بول سارتر

بصمة على الشاشة الكبيرة والصغيرة

امتدت مسيرة حاج سماعين إلى السينما والتلفزيون على مدى سبعة عقود تقريبا. من أبرز أعماله السينمائية:

  • “وقائع سنين الجمر” لمحمد الأخضر حامينة، الفيلم الذي توج بالسعفة الذهبية بمهرجان كان
  • “الصورة الأخيرة” و”المقتلعون” للأمين مرباح
  • “طاحونة السيد فابر” لأحمد راشدي
  • “أطفال نوفمبر” لموسى حداد
  • “دورية نحو الشرق” لعمار العسكري
  • “معركة الجزائر” لجيلو بونتيكورفو، حيث شغل منصب مشرف على الإنتاج
  • “الرجل الذي كان يراقب النوافذ” و”مغامرات بطل” لمرزاق علواش
  • “ما بعد البترول” لمحمد حلمي
  • “زواج المغفلين” للحاج رحيم

في التلفزيون، شارك حاج سماعين في مسلسلات مصطفى البدوي “الغرفة 24″ و”الحريق” (El Harik) و”الانتحار”، وهي أعمال لا تزال تعد من الذاكرة البصرية الجماعية للتلفزيون الجزائري في السبعينيات. حسب سجلات مهنية متاحة، شارك أيضا كمستشار تقني في عمل تلفزيوني بعنوان “الشريعة” أنجز سنة 2016، وشغل منصب منتج منفذ في فيلم “صرخة حجر” سنة 1987.

عشرون عاما على رأس مسرح قسنطينة

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، عينه الرئيس الشاذلي بن جديد مديرا للمسرح الجهوي بقسنطينة، وهي مهمة أنجزها حاج سماعين بفعالية وصدق طوال عشرين سنة متواصلة. خلال هذه الفترة، أخرج المؤسسة من فراغ إبداعي كانت تعيشه، عبر إدخال أسلوب الكتابة الجماعية وفتح أبواب المسرح أمام جمعيات الهواة الشباب، الذين تحول كثير منهم لاحقا إلى فنانين معروفين. لم تكن قاعة المسرح تخلو من الجمهور طوال هذه العشرين سنة، فيما واصل فنانوه الإنتاج والإضافة إلى المشهد الثقافي المحلي. بحكمته ومهنيته، وبروح إنسانية طبعت إدارته، أرسى حاج سماعين مناخا من حرية الإبداع والتعاون بين الفنانين، منح فيه الفرصة لشباب من خلفيات متنوعة.

عائلة في قلب معركة التحرير

السياق: لا تنفصل سيرة حاج سماعين الفنية عن تاريخ عائلي وثيق الصلة بحرب التحرير الجزائرية. شقيقه الأكبر محمد الهادي حاج سماعين كان مفوضا سياسيا في المنطقة المستقلة للجزائر العاصمة، واعتقل سنة 1957 في القصبة رفقة عبد الرحمن بن حميدة على يد مظليي الجنرال ماسو، قبل أن ينفى إلى جزيرة إيل دو ريه في المحيط الأطلسي لعدة سنوات. بعد الاستقلال، تولى محمد الهادي حاج سماعين منصب رئيس ديوان ثم وزير العدل، خلفا لعمار بن تومي، في حكومة الرئيس أحمد بن بلة بين 1963 و1965. تشير وثائق أرشيفية إلى إشرافه خلال هذه الفترة على ملفات حساسة، من بينها متابعة استرجاع رفات الأمير عبد القادر من سوريا، وهو الاسترجاع الذي تم فعليا سنة 1966 في عهد الرئيس هواري بومدين.

حاج سماعين نفسه ناضل من أجل تحرير الجزائر بصفته عون اتصال في القصبة، قبل أن يعتقل بدوره سنة 1959 وينقل إلى مركز الفرز والعبور ببني مسوس، حيث وضع تحت الإقامة الجبرية بموجب محضر وقرار إداري يحمل الرقم 458 مؤرخ في 7 يوليو 1959. من هناك، نقل إلى كازينو الكورنيش حيث تعرض للتعذيب على درجة أوصلته قريبا من الموت. رغم هذه المحنة، واصل حاج سماعين مساره بشجاعة وصبر، وبروح إنسانية اتسمت بالتواضع والصدق حتى آخر أيامه.

كلمات تلخص مسارا فنيا وإنسانيا

في إحدى شهاداته المحفوظة ضمن أرشيف عائلته، وصف حاج سماعين علاقته بالفن على النحو التالي: “الثقافة ليست سلعة، وليست صرحا أيضا. إنها ذلك الشيء الحر المنبثق من الروح والعقل، الذي يعبر الزمن والحدود والمحيطات والجبال ليصل إلى القلوب ويغير الحياة.” هذه العبارة، أكثر من أي تصريح آخر، تختصر مسارا امتد سبعين عاما بين الركح والشاشة والإدارة الثقافية.

توفي حاج سماعين محمد الصغير في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية، وفق مصادر عائلية بتاريخ 5 سبتمبر 2021، بينما تسجل مصادر أخرى متاحة على الإنترنت وفاته في اليوم الموالي، 6 سبتمبر 2021. ودفن هناك بعيدا عن وطنه الذي أفنى في خدمة ثقافته وذاكرته أكثر من سبعين سنة من حياته.


المصادر

  1. صفحة السيرة الذاتية لحاج سماعين محمد الصغير (بالإنجليزية)، ويكيبيديا
    https://en.wikipedia.org/wiki/Hadj_Smaine_Mohamed_Seghir – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  2. قاعدة الوثائق الدبلوماسية السويسرية (Dodis.ch)، سجل محمد الهادي حاج سماعين، وزير العدل الجزائري 1963-1965
    https://dodis.ch/P39264 – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  3. إذاعة الجزائر، تقرير حول الذكرى الستين لتأسيس المسرح الوطني الجزائري
    https://news.radioalgerie.dz/fr/node/57986 – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  4. موسوعة مبسطة، مقال عن الأمير عبد القادر واسترجاع رفاته من سوريا سنة 1966
    https://simple.wikipedia.com/wiki/Emir_Abdelkader – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  5. وثائق وشهادات عائلية محفوظة لدى أسرة الفقيد حاج سماعين (السيرة المهنية والعائلية، محضر وقرار رقم 458 المؤرخ في 7 يوليو 1959) – تم الاطلاع عليها في 6 سبتمبر 2026

هيئة التحرير – مجلة الأحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحرير
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة