الرئيسيةالأخبارالشرق الأوسطفلسطينيات: يوميات 28 آب/أغسطس 2026

فلسطينيات: يوميات 28 آب/أغسطس 2026

بين حقل في القرارة ومنزل قيد البناء في جنين، وبين زنزانة في مجدو واستوديو تلفزيوني في أستراليا، عاشت فلسطين يوم الجمعة على إيقاعات متفرقة لحرب لم تنته إلا على الورق. هذه يوميات ليوم واحد، حين يتحول القتل الروتيني والجوع المزمن واعتقال الأطفال إلى تفاصيل عادية في نشرة أخبار.

في محافظتين تفصل بينهما مسافة لا تتجاوز الساعة بالسيارة، ماتت غزة والضفة الغربية معًا يوم الجمعة بإيقاعين مختلفين: هنا غارة على مزارعين يحصدون أرضهم، وهناك غارة أولى منذ نحو عشرة أشهر على منزل قيد البناء في جنين. بين الحادثتين، طفولة كاملة تُعتقل، وتُجوَّع، وتُنسى تحت الركام.

أفتح صباح الجمعة على خبر لا يُقرأ بل يُستنشق كالغبار: ثلاثة من عائلة عبدين، اثنان منهم في الثانية والأربعين من العمر والثالث في الثامنة والعشرين، خرجوا إلى حقلهم في القرارة، شرق خان يونس، يحملون مناجلهم ولا شيء آخر. طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفتهم، ونقلت وكالة الأنباء الفلسطينية وفا أن جثثهم وصلت إلى مستشفى ناصر مجزّأة، بعدما تعذّر على فرق الإسعاف انتشالها كاملة من تحت الركام. جيش الاحتلال قال إنه يراجع الحادثة.

في اليوم السابق، الخميس، كانت غزة تودّع فلسطينيين آخرين قضوا حين استهدفت طائرة إسرائيلية دراجة هوائية غرب مدينة غزة، بحسب وفا، بينما أودت غارة على خيمة تؤوي نازحين في منطقة المواصي بحياة رجل يُدعى عزام رفعت العبادلة. أربعة قتلى في يوم واحد، بينهم من كان يقود دراجة إلى عمله، ومن كان ينام تحت قماش خيمة ظنّها ملجأ.

يكتب ألبير كامو أن المأساة الحقيقية ليست في الموت، بل في أن يستمر العالم يدور كأن شيئًا لم يكن. وغزة، في هذا الصيف الثالث من حرب أُعلن انتهاؤها رسميًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، تعيش هذا التناقض يوميًا: هدنة موقّعة على الورق، وقتلى يُدفنون كل يوم على الأرض.

تحت الركام، حيث لا تصل الكاميرات ولا البيانات الرسمية، يواصل رجال الدفاع المدني في غزة معركة أخرى لا تقل قسوة عن القصف: انتشال الموتى. أعلنت الهيئة، بحسب ما نقلته صحيفة ميدل إيست مونيتور، أن فرقها انتشلت حتى الآن 233 جثة من تحت أنقاض 20 منزلاً دمّرتها الغارات الإسرائيلية، من أصل نحو 407 مفقودين ما زالوا تحت الركام. من بين من عُثر عليهم، 73 طفلاً و106 نساء. أرقام تُقرأ بسرعة، لكنها تعني أن عشرات العائلات أعادت خلال الأسابيع الأخيرة دفن أطفالها من جديد، بعدما ظنّت أنها ودّعتهم مرة واحدة.

ميلان كونديرا كتب أن نضال الإنسان ضد السلطة هو نضال الذاكرة ضد النسيان. في غزة، الذاكرة نفسها تُنتشل قطعة قطعة من تحت الإسمنت، وكل جثة تُخرج من الركام رفض صامت لأن يُطوى الملف قبل أن يُروى كاملاً.

وفي الضفة الغربية، حيث اعتاد الفلسطينيون مقارنة مصيرهم بغزة باعتباره أخف وطأة، سقطت هذه المقارنة يوم الجمعة. غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً قيد البناء في حرش السعادة، غرب جنين، فقتلت ثلاثة شبان، بينهم قيس بيطاوي الذي وصفه جهاز الشاباك بأنه مسؤول أنشطة حركة حماس في مخيم جنين. نقلت الجزيرة أن هذه هي الغارة الجوية الأولى على الضفة منذ نحو عشرة أشهر، وأن قوات إسرائيلية منعت سيارات الإسعاف من الوصول إلى المكان واحتجزت طواقم طبية وصلت إلى الموقع لانتشال الجثث.

الغارة جاءت قبل نحو عشرة أسابيع من انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، وهو توقيت لا يمكن فصله عن الحسابات الانتخابية الداخلية. لكن اختزال عملية أمنية في بُعدها الانتخابي وحده يبقى قراءة منقوصة لما يجري في مخيم يخضع منذ أشهر لعملية عسكرية دائمة.

وبينما كانت طائرة حربية تقصف جنين، كان نحو 370 طفلاً فلسطينيًا يقضون ليلتهم خلف قضبان سجني مجدو وعوفر، بحسب تقرير نشره المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى مطلع آب/أغسطس الجاري. الشهادات التي وثّقها التقرير تصف نمطًا متكررًا لا يتغير من طفل إلى آخر: مداهمات ليلية، أطفال يُقتادون معصوبي الأعين ومكبّلي الأيدي، ضرب وتهديد، وحرمان من الطعام والماء ودورات المياه أثناء الاحتجاز. داخل الزنازين، يواجه هؤلاء الأطفال اكتظاظًا ونقصًا في وسائل النظافة، وزيارات عائلية مقيّدة، وعلاجًا طبيًا يُؤجَّل أو يُرفض كليًا.

كيف يُشرح لطفل في الثانية عشرة من عمره أن يديه ستبقيان مكبّلتين طوال استجواب يمتد ساعات طويلة، وأن العزلة والحرمان من النوم ليسا عقابًا استثنائيًا بل إجراءً روتينيًا يتكرر مع كل من يمر من هذا الباب؟ لا جواب يليق بالسؤال، فقط تقرير آخر يُضاف إلى أرشيف طويل من الشهادات المتشابهة التي لم تعد تُحدث ضجة.

وفي أستراليا، على بعد آلاف الكيلومترات من مجدو وعوفر، كان ضابط إسرائيلي سابق يروي لهيئة الإذاعة الأسترالية قصة مختلفة تمامًا عن الندم. نوحي مندل، الذي أمر بثلاث غارات مسيّرة استهدفت قافلة منظمة المطبخ المركزي العالمي في غزة في نيسان/أبريل 2024 فقتلت سبعة من عامليها الإنسانيين، قال بصريح العبارة: «أنا القائد، وأنا من أعطى الأمر بتنفيذ العملية، ولست آسفًا على ما فعلت.» أُقيل مندل من منصبه بعد الحادثة بسبب إخفاقات جسيمة وخروقات إجرائية، لكن إسرائيل لم تفتح تحقيقًا جنائيًا بحقه حتى اليوم. ادّعى أن المنظمة كانت على صلة بحركة حماس، رغم اعترافه في المقابلة نفسها بأنه لم يكن يعرف بذلك وقت إصدار أمر الاستهداف.

وبينما تُروى هذه الحكايات في استوديوهات بعيدة، تستمر غزة في الجوع الصامت. كشفت أحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي، بحسب ما نقلته الجزيرة، أن نصف الأسر في القطاع نفدت لديها كل كمية الطعام مرة واحدة على الأقل خلال الشهر الماضي، وأن نحو خُمس الأسر يكتفي بوجبة واحدة في اليوم كله. ثلاثة أرباع الأسر المشمولة بالمسح واجهت صعوبات في الوصول إلى الأسواق، منها 96 في المئة اشتكت تحديدًا من نقص السيولة النقدية لا من غياب البضائع. ونحو 46 في المئة من الأسر ناموا جياعًا مرة واحدة على الأقل خلال الشهر، بينهم 7 في المئة كرروا التجربة أكثر من عشر مرات. متوسط الشاحنات الداخلة يوميًا إلى غزة منذ وقف إطلاق النار يبلغ 217 شاحنة فقط، أي أقل بكثير من الحد الأدنى المنصوص عليه في اتفاق الهدنة، والبالغ 600 شاحنة يوميًا.

أعود، وأنا أنهي هذه السطور، إلى حقل القرارة حيث بدأت. لا أعرف إن كان المنجل الذي كان بيد الشاب ابن الثامنة والعشرين ما زال ملقى بين الأتربة، أو أن الجيش صادره بوصفه دليلاً على نشاط مشبوه. لكنني أعرف أن هذا المنجل، في أي بلد آخر، كان سيُستخدم لحصاد قمح لا لتبرير القتل. في غزة، حتى الأدوات الزراعية تُقرأ كتهديد، وحتى الطفولة تُقرأ كملف أمني. وهذا، ربما، هو التلخيص الأدق لما تعنيه الحرب حين تتحول الحياة اليومية نفسها، بأدق تفاصيلها، إلى فعل مقاومة لا يُختار.


المصادر

  1. وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) – ثلاثة فلسطينيين يُقتلون بغارة إسرائيلية في القرارة شرق خان يونس
    https://english.wafa.ps/Pages/Details/174154 – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  2. وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) – أربعة قتلى في غارات إسرائيلية على خان يونس ومدينة غزة يوم الخميس
    https://english.wafa.ps/Pages/Details/174146 – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  3. ميدل إيست مونيتور – الدفاع المدني في غزة ينتشل 233 جثة من ركام 20 منزلاً
    https://www.middleeastmonitor.com/20260827-3-palestinians-killed-in-israeli-attacks-on-gaza-despite-us-backed-truce/ – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  4. الجزيرة – غارة إسرائيلية تقتل ثلاثة فلسطينيين في جنين بالضفة الغربية
    https://www.aljazeera.com/news/2026/8/28/israeli-strike-kills-three-palestinians-in-west-banks-jenin – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  5. ميدل إيست آي – نحو 370 طفلاً فلسطينيًا في السجون الإسرائيلية بحسب تقرير جديد
    https://www.middleeasteye.net/live-blog/live-blog-update/370-palestinian-children-being-held-israeli-prisons-report-says – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  6. هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC News) – ضابط إسرائيلي يبرر أمره بقصف قافلة المطبخ المركزي العالمي
    https://www.abc.net.au/news/2026-08-27/idf-colonel-in-gaza-wcf-convoy-strike-defends-decision/107071348 – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026
  7. الجزيرة نقلاً عن برنامج الأغذية العالمي – بيانات جديدة حول انعدام الأمن الغذائي في غزة
    https://www.aljazeera.com/news/2026/8/28/israeli-strikes-kill-five-people-including-three-from-one-family-in-gaza – تم الاطلاع عليه في 29 آب/أغسطس 2026

ليلى منصور – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحرير
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة