لماذا ظل الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، الذي أسسه فرحات عباس سنة 1946، على هامش الرواية الأكثر تداولاً عن الحركة الوطنية؟ وهل كان أعضاؤه بالفعل مجرد نخبة فرانكوفونية راهنت على إصلاح النظام الاستعماري، قبل أن تلتحق متأخرة بثورة التحرير؟
تعيد المؤرخة مليكة رحال طرح هذه الأسئلة في دراسة نشرتها سنة 2004 بعنوان «مكانة الإصلاحيين في الحركة الوطنية الجزائرية». وهي لا تدافع عن حزب بعينه بقدر ما تسعى إلى استعادة التعدد السياسي والفكري الذي سبق اندلاع الثورة، ثم ذاب داخل جبهة التحرير الوطني. اختارت رحال الاقتراب من هذه المسألة عبر سيرة علي بومنجل، المحامي والمناضل الذي اعتقلته القوات الفرنسية خلال معركة الجزائر، وعذبته ثم قتلته في مارس 1957، قبل أن تقدم وفاته على مدى عقود باعتبارها انتحاراً. ومن خلال هذا المسار الفردي، تظهر أمامنا حركة وطنية أكثر تنوعاً مما تقوله الروايات المبسطة: استقلاليون اختلفوا حول تعريف الأمة، وحول موقع الدين واللغة والأقليات، وحول الوسائل التي تقود إلى التحرر.
بطاقة الدراسة
| العنصر | البيانات |
|---|---|
| عنوان الدراسة | مكانة الإصلاحيين في الحركة الوطنية الجزائرية |
| العنوان الأصلي | La place des réformistes dans le mouvement national algérien |
| المؤلفة | مليكة رحال |
| المجلة | Vingtième Siècle. Revue d’histoire |
| سنة النشر | 2004 |
| العدد والصفحات | العدد 83، الصفحات 161-171 |
| الشخصية المحورية | علي بومنجل، 1919-1957 |
| الحزب المدروس | الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، 1946-1956 |
| المنهج | سيرة سياسية مدعومة بالصحافة والأرشيف وشهادات معاصرين |
| السؤال المركزي | لماذا أُقصي التيار المرتبط بفرحات عباس من السردية الوطنية رغم مساهمته في بلورة مشروع الاستقلال والتحاقه بالثورة؟ |
أطروحة مليكة رحال في سطور
تقوم أطروحة رحال على فكرة أساسية: وصف الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بأنه حزب «إصلاحي» أو «برجوازي» أو «اندماجي» لا يكفي لفهم موقعه الحقيقي في الحركة الوطنية. فداخل هذا الحزب وُجد تيار سياسي نشط وراديكالي، مثّله علي بومنجل وآخرون، تجاوز منذ الأربعينيات مشروع الاندماج في فرنسا، ودافع عن استقلال الجزائر وعن إقامة جمهورية وطنية. غير أن هذه الجمهورية لم تكن مطابقة للتصور الذي حمله حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية. لقد تخيلها أنصار البيان دولة تستوعب تعدد المجتمع الجزائري، ولا تجعل الانتماء الديني أو اللغوي شرطاً وحيداً للانتماء إلى الأمة. وترى رحال أن هذا الاختلاف الفكري والسياسي، أكثر من ضعف الالتزام الوطني، يفسر تهميش الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في التاريخ الرسمي بعد الاستقلال.
تاريخ كتبه المنتصرون
تنطلق رحال من نقد الرواية الرسمية التي تبلورت بعد استقلال الجزائر في ظل نظام الحزب الواحد. فقد قدمت جبهة التحرير الوطني تاريخ الحركة الوطنية باعتباره مساراً متجانساً يقود بصورة شبه حتمية من نجم شمال أفريقيا إلى حزب الشعب، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وصولاً إلى جبهة التحرير الوطني. في هذه الرواية، أصبحت الكفاح المسلح ذروة التاريخ الوطني، واختُزلت الثورة في صيغة «بطل واحد هو الشعب»، بينما تراجعت التنظيمات والتيارات التي لم تدخل ضمن هذه السلالة السياسية المباشرة.
كان إقصاء الحركة الوطنية الجزائرية، المرتبطة بمصالي الحاج، مفهوماً في سياق الصراع الدموي الذي دار بينها وبين جبهة التحرير. لكن رحال ترى أن التهميش تجاوز المنافسين أثناء الحرب، ليشمل الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري والحزب الشيوعي الجزائري وتقاليد سياسية أخرى ساهمت في مقاومة الاستعمار وصوغ فكرة الأمة. لم تكتف جبهة التحرير، بحسب هذه القراءة، بإبراز دورها في قيادة حرب الاستقلال؛ فقد عملت أيضاً على تقديم نفسها وريثةً وحيدة لتاريخ وطني أقدم منها.
لماذا هُمّش حزب فرحات عباس؟
واجه الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ثلاث صور نمطية أساسية. أولها أنه حزب إصلاحي وضع المطالب الاجتماعية والسياسية قبل الاستقلال. وثانيها أنه حزب برجوازي تقوده نخبة من المتعلمين والمنتخبين والمحامين والأطباء، بعيداً عن الجماهير. أما الثالثة فتتصل باستعمال أعضائه اللغة الفرنسية وبمشروعهم الذي أراد إدماج مختلف مكونات المجتمع في الأمة الجزائرية المستقبلية. كانت هذه الصفات تصطدم برواية قومية تمجد العمل المسلح، وترفع فكرة الشعب الموحد فوق الاختلافات الاجتماعية والسياسية، وتربط الهوية الوطنية حصراً أو أساساً بالعروبة والإسلام.
وتلفت رحال إلى مفارقة مهمة: جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت بدورها حركة إصلاحية يقودها علماء ووجهاء، لكنها وجدت مكاناً أوضح داخل التاريخ الرسمي لأن تصورها للأمة قام على العربية والإسلام. أما تيار فرحات عباس، فقد حمل تعريفاً أوسع وأكثر تعقيداً للانتماء الوطني، ولذلك كان إدماجه في السردية اللاحقة أكثر صعوبة.
علي بومنجل يكسر صورة «الإصلاحي المعتدل»
بدلاً من الاقتصار على قادة بارزين مثل فرحات عباس وأحمد بومنجل وأحمد فرانسيس، اختارت رحال تتبع مسار علي بومنجل، الذي كان عضواً في قيادة الاتحاد الديمقراطي للبيان من دون أن يكون أشهر وجوهه. تكمن أهمية هذا الاختيار في أن السيرة الفردية تكشف ما تحجبه التصنيفات العامة. فعلي بومنجل لا يطابق صورة السياسي المتردد الذي ينتظر إصلاحات تمنحها الإدارة الاستعمارية.
ولد سنة 1919 في غليزان، ضمن أسرة تنحدر من بني منڤلات في منطقة القبائل. كان والده موهند معلماً وناشطاً في «نادي الإصلاح» بالأربعاء، وهي جمعية جمعت النشاط الثقافي والكشفي بفضاء للصلاة، وضمت اتجاهات دينية وعلمانية. أما الأسرة نفسها، فكانت تعكس جانباً من تعدد المجتمع الجزائري في ذلك الزمن: يتحدث أبناؤها القبائلية مع الأم، والفرنسية مع الأب، والعربية في الشارع. درست شقيقات علي وعملن في التعليم، بينما أصبح شقيقه الأكبر أحمد محامياً وواحداً من أبرز مساعدي فرحات عباس. هذه البيئة، في قراءة رحال، تساعد على فهم تصور علي بومنجل للجزائر: وطن متعدد اللغات والتقاليد، لا يحتاج إلى محو اختلافاته حتى يصبح أمة.
من الاندماج إلى مطلب الاستقلال
قبل الحرب العالمية الثانية، انتمى فرحات عباس إلى التيار المعروف بـ«الشبان الجزائريين»، وآمن بإمكان إصلاح النظام الاستعماري وإدماج الجزائريين تدريجياً في جمهورية فرنسية تلتزم فعلاً بالمساواة والديمقراطية. لم يكن الاندماج، في نظر أصحابه آنذاك، تخلياً بسيطاً عن الشخصية الجزائرية؛ فقد أرادوا تسوية تسمح للمستعمَرين بالمشاركة في المواطنة مع الاحتفاظ بتاريخهم وثقافتهم. لكن هذا الرهان اصطدم باستمرار التمييز الاستعماري ورفض المساواة السياسية.
شكل «بيان الشعب الجزائري» الصادر في 10 فبراير 1943 منعطفاً حاسماً. فقد أدان الاستعمار، وطالب بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، وبوضع دستور يضمن المساواة والحريات والاعتراف بالعربية لغة رسمية إلى جانب الفرنسية. ثم طالب الملحق المضاف إلى البيان بتأسيس جمعية جزائرية منتخبة تتولى وضع الدستور. اجتمع حول البيان أنصار مصالي الحاج وفرحات عباس وجمعية العلماء ضمن حركة أحباب البيان والحرية سنة 1944. لكن هذا التحالف لم يصمد بعد مظاهرات مايو 1945 والقمع الدموي الذي أعقبها. في 1946، أسس فرحات عباس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد مشروعه يقوم على ذوبان الجزائر في فرنسا، بل على إنشاء جمهورية جزائرية مرتبطة بفرنسا في إطار اتحادي. وترى رحال أن استمرار وصف عباس وحزبه بالاندماجيين يتجاهل هذا التحول التاريخي، ويحاكم مساراً سياسياً كاملاً انطلاقاً من مواقف تعود إلى مرحلة سابقة.
علي بومنجل: استقلالي يكتب بالفرنسية
دخل علي بومنجل العمل السياسي خلال سنتي 1942 و1943، أي في زمن البيان، وعلى قاعدة مطلب وطني تجاوز الاندماج. وكتب بانتظام في صحيفة «المساواة»، ثم في «الجمهورية الجزائرية»، لسان حال الاتحاد الديمقراطي للبيان. استعمل لغة فرنسية رفيعة ومراجع أدبية واسعة وسخرية قاسية لمهاجمة السياسة الاستعمارية والمصالح الاقتصادية التي تحكمها. وكان يتهكم خصوصاً على فكرة الاندماج التي تطلب من الجزائري التنصل من بيئته وثقافته والتشبه بالمستعمِر حتى يُسمح له بالخروج من وضع الدونية.
هنا تظهر إحدى أهم خلاصات رحال: الكتابة بالفرنسية أو استعمال أدوات الثقافة السياسية الأوروبية لم يكونا دليلاً على قبول الاستعمار. فقد حوّل بومنجل اللغة التي درس بها إلى أداة لنقد النظام الاستعماري وكشف تناقضاته. وكانت مقالاته شديدة اللهجة إلى درجة تعرض الصحيفة للرقابة والغرامات، فظهرت في صفحاتها مساحات بيضاء مكان الفقرات التي حذفتها السلطات.
راديكالية مختلفة عن راديكالية حزب الشعب
شارك نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان في البرلمان الفرنسي وقدموا مشروعاً لإنشاء جمهورية جزائرية متحدة مع فرنسا برابطة فيدرالية. وقد يبدو ذلك، عند قراءته بأثر رجعي، أقل راديكالية من الاستقلال الكامل. لكن رحال تدعو إلى فهم ما كان يمثله حضور هؤلاء النواب داخل المؤسسة الاستعمارية. فقد كانوا من خريجي المدرسة الفرنسية، ويتقنون لغة الجمهورية وقوانينها، ثم استخدموا هذه الأدوات نفسها لمواجهة النظام الذي أبقاهم في مرتبة «الأهالي».
كان خطابهم يستفز النواب الفرنسيين أحياناً أكثر من خطابات ممثلي حركة انتصار الحريات الديمقراطية. فهؤلاء كانوا ينكرون أصلاً شرعية البرلمان الفرنسي في تقرير مصير الجزائر، بينما دخل نواب الاتحاد إلى قلب المؤسسة وتحدثوا فيها بوصفهم شركاء سياسيين متساوين. ترى رحال أن ما أثار الرفض لم يكن مضمون مطالبهم فقط، بل استقلاليتهم داخل فضاء اعتاد أن يرى في المتعلم الجزائري شخصاً مديناً لفرنسا، مطالباً بالامتنان والخضوع. وبذلك لم تكن راديكالية الاتحاد الديمقراطي نسخة مخففة من خطاب حزب الشعب، بل راديكالية من نوع آخر: ممارسة السياسة الديمقراطية بجدية، ورفض العلاقات الاستعمارية القائمة على الوصاية والدونية.
أي أمة أرادها أنصار البيان؟
تكمن المسافة الكبرى بين الاتحاد الديمقراطي وحزب الشعب في تعريف الأمة الجزائرية. كما تعيد رحال بناء الموقفين، كان تصور حزب الشعب، ثم جزء من التصور الذي تبنته جبهة التحرير، يقوم على ضرورة صهر الاختلافات داخل وحدة وطنية عربية مسلمة. أما أنصار البيان فتخيلوا مجتمعاً سياسياً يضم مختلف سكان الجزائر، بمن فيهم اليهود والأوروبيون الراغبون في الانتماء إلى الجمهورية الجزائرية.
| المسألة | الاتحاد الديمقراطي للبيان | حزب الشعب وحركة انتصار الحريات |
|---|---|---|
| طبيعة الأمة | أمة تتشكل تاريخياً وتتسع لمكونات المجتمع المختلفة | أمة موجودة قبل الاستعمار وتستعيد سيادتها |
| العربية والإسلام | عنصران أساسيان في الهوية، من دون جعلهما أداة لإقصاء الأقليات | أساس مركزي لتعريف الأمة ووحدتها |
| الأقليات | يمكن أن تشارك في الجمهورية الجزائرية | يُخشى أن يؤدي إبراز الاختلافات إلى إضعاف الوحدة |
| الممارسة السياسية | صحافة، تعليم، انتخابات، تفاوض وتحالفات | تعبئة شعبية وتنظيم متأثر بالعمل السري |
| العلاقة المستقبلية بفرنسا | انتقلت من الإصلاح والاندماج إلى جمهورية جزائرية ذات رابطة اتحادية، ثم إلى الاستقلال | رفض السيادة الفرنسية والمطالبة المبكرة بالاستقلال |
لا يعني ذلك أن مشروع الاتحاد كان قد حل جميع مسائل الهوية. فالدراسة تشير، مثلاً، إلى أن القضية الأمازيغية لم تظهر في صحافة الحزب باعتبارها قضية سياسية مستقلة، وأن بعض كتابه استعملوا كلمة «العرب» أحياناً للدلالة العامة على السكان المسلمين، وإن تحدثوا في مواضع أخرى عن العرب والبربر. لكن العربية والإسلام، في تصور بومنجل ورفاقه، بقيا عنصرَي انفتاح وحوار ومقاومة لمحاولات الإدارة الاستعمارية التحكم في الدين والثقافة، لا حدين مغلقين يخرجان منهما بقية مكونات المجتمع.
السياسة بوصفها تعليماً وبناءً للأمة
لا تختزل رحال عمل الاتحاد الديمقراطي في الانتخابات والمداولات البرلمانية. فمن خلال نشاط بومنجل، تظهر ممارسة سياسية تقوم على الصحافة والمحاضرات والتعليم والاتصال بالتيارات الأخرى. كان بومنجل يرتاد مقر صحيفة «الجزائر الجمهورية»، حيث يلتقي شيوعيين وفنانين ومثقفين جزائريين وأوروبيين. وشارك في نشاطات حركة السلام العالمية، وسافر إلى باريس وبراغ وهلسنكي، وقدم محاضرات عن تونس والعلاقات الدولية والتحولات السياسية. كان ينظر إلى استقلال الجزائر باعتباره جزءاً من حركة عالمية لتحرر الشعوب المستعمَرة. ولذلك أدى دور الصحفي والمثقف والمعلم، إلى جانب دوره الحزبي. وتستخلص رحال من ذلك أن التعليم والتكوين لم يكونا نشاطين ثانويين داخل الاتحاد، بل وسيلة لصناعة مواطنين قادرين على بناء الأمة والدولة بعد التحرر.
أزمة الحزب وظهور «شباب الاتحاد»
دخل الاتحاد الديمقراطي منذ مطلع الخمسينيات في أزمة سياسية ومالية. واتهم ناشطون شبان قيادته بالجمود وعدم توضيح استراتيجيتها، بينما بدأت بعض الفروع تفقد أعضاءها لصالح حزب الشعب. كان علي بومنجل من أبرز وجوه الاتجاه الذي عُرف باسم «شباب الاتحاد». تولى سنة 1954 الأمانة العامة لقسم الجزائر الوسطى، وانتقد ضعف الاتصال بين القيادة المركزية والفروع، وطالب بإصلاح التنظيم وعقد اجتماعات منتظمة وتقييم عمل المسؤولين.
لم يكن يريد إزاحة فرحات عباس، بل رأى أن عودته إلى النشاط المباشر قد تعيد الحيوية إلى الحزب. لكن غياب الإصلاحات دفعه في مايو 1954 إلى الاستقالة من مسؤولياته في الجزائر العاصمة. تكشف هذه الحلقة، بحسب رحال، أن بومنجل لم يكن متمسكاً بجهاز حزبي ساكن. فقد دافع عن تنظيم أكثر ديمقراطية وفاعلية، وكان مستعداً إلى ترك مناصبه حين فشلت القيادة في الاستجابة.
كيف التحق أنصار البيان بجبهة التحرير؟
بعد اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، ازدادت حدة الخلاف داخل الاتحاد. وجد الشباب أن انتظار القيادة لم يعد قابلاً للاستمرار، في وقت بدأت فيه جبهة التحرير تفرض نفسها على الأرض. كان خروج عبان رمضان من السجن في يناير 1955 وتوليه مسؤولية العمل السياسي في منطقة الجزائر عاملاً حاسماً. فقد سعى عبان إلى إعطاء الثورة قاعدة سياسية واسعة، وفتح قنوات اتصال مع الشيوعيين وأنصار البيان وشخصيات من اتجاهات مختلفة. كان عبان وعلي بومنجل يعرف أحدهما الآخر منذ الدراسة في كلية البليدة، كما كان بومنجل قريباً من بن يوسف بن خدة وسعد دحلب. وقد جعلت هذه الروابط منه وسيطاً بين جبهة التحرير والاتحاد الديمقراطي.
تشير الوثائق التي اعتمدت عليها رحال إلى وجود اتصالات بين الجانبين منذ أبريل 1955. وشارك بومنجل في لقاءات سرية وفي لجنة درست مشروعاً لتوحيد التنظيمين، وإن كانت قيادة الاتحاد قد رفضت الاقتراح في تلك المرحلة. وساهم علي بومنجل وأحمد فرانسيس وقدور ساطور في دفع المنتخبين الجزائريين إلى إعلان موقف أكثر وضوحاً. وفي 26 سبتمبر 1955، صدرت «لائحة الواحد والستين» التي أقرت بأن سياسة الإدماج تجاوزتها الأحداث، وأن غالبية الجزائريين أصبحت متمسكة بالفكرة الوطنية. وفي أبريل 1956، التحق فرحات عباس بجبهة التحرير، وحُل الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري داخلها.
لماذا لم ينضم بومنجل إلى حزب الشعب؟
تطرح رحال سؤالاً مهماً: إذا كان علي بومنجل استقلالياً وراديكالياً إلى هذا الحد، فلماذا لم يغادر الاتحاد الديمقراطي في وقت مبكر ويلتحق بحزب الشعب؟ قد يكون للروابط العائلية دور في ذلك، خصوصاً أن شقيقه أحمد كان من أبرز قادة حزب فرحات عباس. لكن الدراسة تقدم أسباباً سياسية أعمق. فقد رفض علي بومنجل تمحور حزب الشعب حول شخص مصالي الحاج، وانتقد نمط التنظيم المستمد من العمل السري وما رآه من نزعة محافظة وشعبوية وضعف في الممارسة الديمقراطية الداخلية.
كان يبحث عن مساحة تسمح بالنقاش والتعدد والتحالف مع تيارات مختلفة. وعلى الرغم من بطء قيادة الاتحاد وترددها، ظل مشروعه السياسي والاجتماعي أقرب إلى تصور بومنجل للجزائر. وبذلك لا يمكن قياس وطنية الرجل بمدى قربه من حزب الشعب؛ فقد كان اختياره الحزبي تعبيراً عن اختلاف حقيقي حول شكل الدولة والمجتمع والممارسة السياسية.
ماذا أضاف «الإصلاحيون» إلى جبهة التحرير؟
لم يكن التحاق أنصار البيان مجرد ذوبان أفراد داخل جبهة قوية. ترى رحال أنهم ساهموا في إعطاء الثورة عمقاً سياسياً وتوسيع شرعيتها لدى فئات لم تكن ترى في جبهة التحرير، في بداياتها، سوى تنظيماً مسلحاً. حمل القادمون من الاتحاد معهم خبرة الصحافة والعمل القانوني والبرلماني، وشبكات من المثقفين والمحامين ونشطاء السلام والمسيحيين التقدميين في فرنسا. وساعد انضمام شخصيات عرفت سابقاً بالاعتدال على إقناع أوساط جديدة بأن مطلب الاستقلال لم يعد موقفاً خاصاً بتنظيمات سرية أو مسلحة.
وكان اغتيال علي بومنجل في 1957 لحظة مفصلية. فقد دفعت سمعته المهنية والفكرية أصدقاءه وزملاءه إلى الاحتجاج في صحف فرنسية بارزة، وأسهمت قضيته في كسر الصمت حول التعذيب والاختفاء والقتل خلال معركة الجزائر.
الاغتيال الذي أضاء مساراً سياسياً منسياً
اعتقلت القوات الفرنسية علي بومنجل خلال معركة الجزائر، واحتجزته سراً وعذبته، ثم قتلته في 23 مارس 1957. وقدمت السلطات وفاته يومها باعتبارها انتحاراً بالقفز من مبنى في الأبيار. في سنة 2001، أقر الجنرال بول أوساريس بأنه أمر بقتل بومنجل وتمويه الجريمة في صورة انتحار. وفي 2 مارس 2021، اعترفت الرئاسة الفرنسية، باسم فرنسا، بأن علي بومنجل «لم ينتحر» بل تعرض للتعذيب والاغتيال على يد الجيش الفرنسي. جاء هذا الاعتراف بعد سبعة عشر عاماً من نشر دراسة مليكة رحال، ومنح سؤالها أهمية متجددة: من كان علي بومنجل سياسياً، قبل أن يصبح اسماً مرتبطاً بجريمة استعمارية؟ لا تختزله الدراسة في صورة الشهيد، بل تعيده إلى موقعه بوصفه مثقفاً ومناضلاً حمل مشروعاً للجمهورية الجزائرية، وساهم في التقارب بين الاتحاد الديمقراطي وجبهة التحرير.
عبان رمضان ونهاية إمكان سياسي
تربط رحال التحاق بومنجل ورفاقه بجبهة التحرير بوجود تيار سياسي داخلها مثّله عبان رمضان وعدد من القادة القادمين من الحركة المركزية. كان هذا التيار يسعى إلى بناء جبهة واسعة وإعطاء العمل السياسي مكاناً مركزياً داخل الثورة. لكن اغتيال عبان في ديسمبر 1957 طرح، في نظرها، سؤال انقطاع هذه الديناميكية. فماذا بقي من التعدد السياسي الذي دخل جبهة التحرير مع أنصار البيان؟ وما الدور الذي استطاع هؤلاء أداءه بعدما تغير ميزان القوة داخل قيادة الثورة؟
تذهب رحال إلى أن تغييب الاتحاد الديمقراطي في التاريخ الرسمي لا ينفصل تماماً عن إضعاف هذا التيار السياسي داخل جبهة التحرير نفسها. فالمسألة لا تتعلق بنسيان حزب انتهى دوره سنة 1956 فحسب، بل بتهميش مشروع مختلف للأمة والدولة والممارسة السياسية.
ما الذي تغيره أطروحة مليكة رحال؟
لا تقول رحال إن الاتحاد الديمقراطي كان القوة الوحيدة التي صنعت الاستقلال، ولا تنفي الدور المركزي لحزب الشعب وجبهة التحرير والكفاح المسلح. كما أنها لا تحوّل فرحات عباس أو علي بومنجل إلى شخصيتين منزهتين عن التردد والتناقض. ما تقترحه هو قراءة تاريخ الحركة الوطنية باعتبارها ملتقى تيارات متعددة، لا طريقاً واحداً بدأ من تنظيم واحد وانتهى بصورة طبيعية إلى جبهة التحرير. تكشف سيرة علي بومنجل أن الاستقلالية لم تكن حكراً على حزب الشعب، وأن استعمال الفرنسية لم يكن مرادفاً للاندماج، وأن المشاركة في الانتخابات لم تعنِ بالضرورة قبول النظام الاستعماري، وأن الدفاع عن أمة تعددية لم يكن نقصاً في الوطنية.
كما تذكرنا بأن جبهة التحرير نفسها لم تولد مكتملة فكرياً وسياسياً. فقد اكتسبت جانباً من قوتها وقدرتها على تمثيل الجزائريين من نجاحها في استقطاب مناضلين وخبرات وشبكات جاءت من خارج سلالتها التنظيمية المباشرة.
الخلاصة
تعيد مليكة رحال، من خلال علي بومنجل، الاعتبار إلى تيار ظلمته كلمة «الإصلاحيين». فقد انتقل أنصار فرحات عباس من الرهان على إصلاح الجمهورية الفرنسية إلى المطالبة بجمهورية جزائرية، ثم التحقوا بثورة الاستقلال وأسهموا في توسيع قاعدتها السياسية والفكرية. لكن أهم ما تكشفه الدراسة يتجاوز إنصاف حزب أو شخصية. إنها تعيد إلى تاريخ الجزائر تعدده: خلافات حول معنى الأمة، وحدود الهوية، ومكانة الأقليات، والعلاقة بين السياسة والعمل المسلح، وشكل الدولة التي كان ينبغي أن تولد بعد الاستقلال.
لم يكن علي بومنجل وطنياً على الرغم من اختلافه مع حزب الشعب، بل كان اختلافه نفسه جزءاً من تاريخ الوطنية الجزائرية. وربما كان هذا هو الجانب الذي استعصى طويلاً على رواية أرادت للحركة الوطنية أن تتحدث بصوت واحد.
المصدر الأساسي
مليكة رحال، «مكانة الإصلاحيين في الحركة الوطنية الجزائرية»، مجلة Vingtième Siècle. Revue d’histoire، العدد 83، سنة 2004، الصفحات 161-171.
- صفحة الدراسة وبياناتها المرجعية على Cairn
- نسخة الدراسة في الأرشيف العلمي المفتوح HAL
- بيان الإليزيه بشأن الاعتراف باغتيال علي بومنجل
هيئة التحرير – جريدة الأحرار



