لماذا هذا مهم
ملف المخدرات في الجزائر لم يعد قضية أمنية معزولة. فقد صار يتقاطع مع الصحة العامة والتشريع الجنائي والسياسة الخارجية في آن واحد. وتحولت البلاد، بحسب بيانات أممية حديثة، من مجرد نقطة عبور إلى سوق استهلاك مستهدفة. ويناقش البرلمان حاليا مشروع قانون يعيد تفعيل عقوبة الإعدام ضد مروجي المخدرات قرب المدارس. فهم حجم الظاهرة بأرقامها المتاحة، رغم تفاوتها بين مصدر وآخر، يشكل خطوة أولى لتقييم فعالية الاستجابة الرسمية.
حصيلة 2025: بين أرقام الشرطة والدرك الوطني
أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني معالجة 176.088 قضية مرتبطة بالمخدرات خلال سنة 2025، تورط فيها 192.252 مشتبها به، وفق حصيلة نشرها موقع الجزائر اليوم. وأسفرت عمليات الشرطة عن حجز 7 أطنان و99 كلغ من القنب الهندي، و665 كلغ و738 غراما من الكوكايين. وضُبطت ملايين الأقراص المهلوسة عبر موانئ بجاية والعاصمة ومستغانم ووهران.
من جهتها، كشفت قيادة الدرك الوطني عن حصيلة منفصلة تغطي مناطق اختصاصها خارج المدن الكبرى. وشملت هذه الحصيلة حجز أكثر من 21 طنا من الكيف المعالج، و147 كلغ من الكوكايين، وأكثر من 13 مليون قرص مهلوس. كما فككت وحدات الدرك 216 شبكة إجرامية، وأوقفت 25.278 شخصا، أودع 7.293 منهم رهن الحبس المؤقت. واختلاف الأرقام بين الجهازين لا يعكس تناقضا، بل يعود إلى تباين النطاق الجغرافي لكل مصلحة أمنية.
أما إجمالي الأقراص المهلوسة المحجوزة وطنيا خلال العام كاملا، فتتباين تقديراته بشكل لافت بين مصدر وآخر. تحدثت تقارير عن 25 مليون قرص، في حين نقلت وسائل إعلام محلية رقما أعلى بلغ 43.4 مليون قرص. ويعود هذا التفاوت، وفق تقرير نقلته الجزائر اليوم عن بيانات أممية، إلى غياب رقم إجمالي رسمي موحد يجمع بيانات الضبط من مختلف الأجهزة الأمنية والجمركية والعسكرية. ولا يوجد اليوم مصدر واحد يحسم هذا الرقم. وفي سياق موازٍ، أشار تقرير المجلس الدولي لمراقبة المخدرات التابع للأمم المتحدة لعام 2025 إلى أن الجزائر ضبطت خلال سنة 2024 نحو 38 طنا من راتنج القنب، وهو رقم يقترب من مجموع ما أعلنته الشرطة والدرك مجتمعين عن سنة 2025.
من الكيف المغربي إلى حبوب ليبيا: مسارات تهريب المخدرات في الجزائر
يصف تقرير أممي شبكات تهريب المخدرات في الجزائر عبر أربعة محاور جغرافية متمايزة. يتعلق المحور الأول بالحدود الغربية، حيث يدخل الكيف المعالج قادما من المغرب. وتراوحت معدلات حجزه الرسمية بين 20 و40 قنطارا شهريا، بحسب بيانات نشرتها وزارة الدفاع الوطني. أما المحور الثاني فيمتد جنوبا عبر النيجر ومالي، وينقل الكوكايين والمؤثرات العقلية باتجاه الشمال.
وتكشف بيانات أمنية جزائرية أن نحو 90 بالمئة من عمليات ضبط الكوكايين تتركز على مسارين رئيسيين في الجنوب. الأول ينطلق من عين قزام مرورا بتمنراست ثم الطريق الوطني رقم 01. والثاني يبدأ من برج باجي مختار باتجاه أدرار، قبل أن تواصل الشحنات طريقها شمالا. وبعد صفقات تُبرم في منطقة الساحل، تتولى شبكات محلية تخزين الكوكايين قبل إعادة توزيعه. وهذا مؤشر على تحول تدريجي للجزائر من بلد عبور إلى سوق استهلاك إضافية، بحسب ما ورد في صحيفة الخبر.
ويضاف إلى ذلك محور بحري تصل عبره شحنات الكوكايين القادمة من أمريكا اللاتينية إلى السواحل الشمالية، كما حصل في وقائع سابقة موثقة بميناء وهران. ويكمل الصورة محور شرقي متوسطي تعبر منه حبوب مهلوسة وأدوية ذات استعمال غير طبي من ليبيا وأوروبا، إلى جانب محور آسيوي يرتبط أساسا بتهريب الترامادول من مصادر في جنوب آسيا. وفي أواخر أوت 2026، أعلنت مصالح الشرطة تفكيك شبكة دولية منظمة وضبط أكثر من 10 ملايين قرص مخدر في عملية واحدة، وهي من أكبر العمليات المسجلة خلال العام.
البريغابالين في الجزائر: القرص الذي يتصدر الاستهلاك الداخلي
يتصدر البريغابالين في الجزائر قائمة المؤثرات العقلية الأكثر تداولا بين الشباب، إذ يُعرف محليا باسم الصاروخ. وعلى عكسه، تبقى المخدرات الصلبة كالهيروين والكوكايين، بحسب مصادر قانونية وأمنية، محصورة في فئة محدودة من المستهلكين. وقدّر رئيس المنظمة الوطنية لرعاية الشباب، في تصريح سابق لموقع الجزيرة نت، حصة هذا العقار من إجمالي مستهلكي الحبوب المهلوسة بنحو 80 بالمئة. وهو تقدير جمعوي لا يستند إلى مسح إحصائي رسمي معلن.
وتبقى الأرقام الرسمية لعدد مدمني ومستهلكي المخدرات في الجزائر موضع خلاف واسع. فبيانات الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها تحدثت عن نحو 300 إلى 350 ألف مدمن ومستهلك، من بينهم نسبة تصل إلى 13 بالمئة من التلاميذ. في المقابل، قدّرت جمعيات المجتمع المدني العدد الفعلي بما يقارب 1.5 مليون شخص. وهذه الفجوة الواسعة بين الرقمين لا تعني بالضرورة خطأ أحدهما، بل تعكس اختلاف منهجية الحصر: الأول يقوم على حالات مسجلة ومعالجة طبيا، والثاني على تقديرات ميدانية أوسع لا تخضع لتدقيق موحد.
وبحسب دراسة أكاديمية استندت إلى بيانات الديوان الوطني، فإن غالبية المتورطين في قضايا حيازة واستهلاك المخدرات هم من الذكور العزاب، وتتركز أعمارهم بين 26 و35 سنة. أما على مستوى التكفل العلاجي، فقد استفاد 6.799 مدمنا من متابعة طبية خلال النصف الأول من سنة 2021 وحده. وشكّل من تراوحت أعمارهم بين 16 و25 سنة نسبة 41.65 بالمئة منهم، فيما مثّل القنب الهندي وحده أكثر من ثلث المواد المستهلكة لدى هذه الفئة المعالجة.
من قانون 04-18 إلى مشروع الإعدام: الرد المؤسساتي على تهريب المخدرات
يخضع تهريب المخدرات في الجزائر لقانون 04-18 الصادر سنة 2004. وعدّله القانون رقم 23-05 بتشديد العقوبات المالية والجزائية على المتورطين في شبكات المخدرات في الجزائر، وبإدخال أحكام تتعلق بمصادرة الأصول وتعزيز التعاون الدولي. وصادق المجلس الشعبي الوطني في أفريل 2025 على مشروع تعديل جديد يرفع العقوبات إلى ما بين 20 و30 سنة سجنا لأعضاء الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وصولا إلى الإعدام لمن ينشط لصالح جهة أجنبية أو يمس الأمن القومي. كما يفرض المشروع على المترشحين للتوظيف في المؤسسات العمومية تقديم شهادة تثبت عدم تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية.
ويميز المشروع بين درجتين من الخطورة. فالسجن المؤبد لمن يروج المخدرات داخل أو بالقرب من مؤسسات صحية أو اجتماعية أو أماكن مفتوحة للعموم، والإعدام لمن يرتكب الجريمة داخل أو قرب مؤسسات تعليمية أو تكوينية. ويعيد هذا النص تفعيل عقوبة كانت قد استُبعدت من قانون 2004. علما أن الجزائر توقفت عمليا عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ سنة 1994، رغم إبقائها قائمة في قانون العقوبات لنحو 18 جريمة. ويظل تطبيق هذا الشق من القانون، في حال دخوله حيز التنفيذ، مرهونا بقرار سياسي منفصل عن النص التشريعي نفسه.
وفي ماي 2026، اعتبر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن «الجزائر تتعرض لمخطط يستهدف شبابها من خلال محاولة غزوها بالمخدرات». ودعت وزارة الخارجية الجزائرية إلى إدراج مكافحة المخدرات ضمن أولويات الشراكات المتعددة الأطراف، وتحديدا الشراكة الإفريقية الأوروبية، نظرا للطابع العابر للحدود الذي تتسم به شبكات التهريب.
وإلى جانب المقاربة الأمنية والقضائية، دعت تقارير محلية إلى تعزيز آليات الوقاية داخل المؤسسات التربوية، عبر المرافقة النفسية والمتابعة الدورية وحملات التوعية، بدل الاكتفاء بالمعالجة الأمنية وحدها. وتبقى فعالية الترسانة القانونية الجديدة مرتبطة بحصيلات الأمن اللاحقة، التي ستحدد ما إذا كان تشديد العقوبات سينعكس على وتيرة الضبط والتفكيك المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
المصادر
- الدرك الوطني الجزائري (عبر موقع خبر برس) – حصيلة الدرك الوطني لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة لسنة 2025
https://khabarpress.dz/2026/04/19/الدرك-الوطني-يستعرض-حصيلة-2025-نتائج-قوية/ – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - الشرطة الجزائرية (عبر موقع الجزائر اليوم) – حصيلة مكافحة المخدرات لسنة 2025
https://www.aljazairalyoum.dz/اقتصاد-موازي-وشبكات-دولية-تجار-المخدرا/ – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - الجزائر اليوم، نقلا عن تقرير المجلس الدولي لمراقبة المخدرات التابع للأمم المتحدة لسنة 2025 – مسارات التهريب الأربعة نحو الجزائر
https://www.aljazairalyoum.dz/تقارير-أممية-تؤكد-حرب-المخدرات-على-الج/ – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - جريدة الخبر – مسارات تهريب الكوكايين عبر جنوب الجزائر
https://www.elkhabar.com/nation/أرقام-مقلقة-273965 – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - الجزيرة نت – انتشار حبوب البريغابالين بين الشباب الجزائري
https://www.aljazeera.net/politics/2023/5/17/أشهرها-الصاروخ-والتاكسي-والحمراء – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - نون بوست – الأرقام الرسمية لمدمني ومستهلكي المخدرات في الجزائر
https://www.noonpost.com/content/13360/ – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - صحيفة الشرق الأوسط – الجدل حول تفعيل عقوبة الإعدام في قانون مكافحة المخدرات
https://aawsat.com/العالم-العربي/شمال-إفريقيا/احتدام-الجدل-في-الجزائر-حول-تفعيل-عقوبة-الإعدام – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - موقع العربية – تفاصيل مشروع قانون مكافحة المخدرات الجديد وعقوبة الإعدام قرب المدارس
https://www.alarabiya.net/north-africa/2025/04/30/تصل-للاعدام-عقوبات-مشددة-ضد-مروجي-المخدرات-في-الجزائر – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - يورونيوز عربي – ضبط شبكة دولية للاتجار بالبريغابالين والكوكايين في الجزائر
https://arabic.euronews.com/2026/08/21/pregabalin-cocaine-algeria-international-network-drugs-arrests-psychotropic-substanc – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026 - موقع aajae.co – تصريح الرئيس تبون وضبط 10 ملايين قرص مخدر في عملية أمنية واحدة
https://www.aajae.co/society/الجزائر-تضبط-10-ملايين-قرص-مخدر-وتفكك-شبكة-تهريب-دولية – تم الاطلاع عليه في 03 سبتمبر 2026
سارة خليل – مجلة الاحرار



