لماذا هذا مهم
تحول ملف عيسيو، منذ توقيفه في برشلونة نهاية يوليو، إلى واحد من أكثر القضايا حساسية بين الجزائر وإسبانيا وفرنسا في آن واحد. أي معلومة غير دقيقة حول مآله القضائي تنتشر بسرعة بين الجزائريين المتابعين للملف، في وقت لم يحن فيه بعد موعد القرار الفعلي الذي تنتظره المحكمة الوطنية الإسبانية. الفارق بين طلب الإفراج الذي رفضه القضاء مرارا والإفراج الفعلي الذي لم يقع، هو بالضبط ما يفصل الخبر الصحيح عن الشائعة.
مصدر الخبر المتداول وما يقوله بالضبط
نشرت تلك الحسابت على الفايس بوك، مساء الجمعة 4 سبتمبر، معلومات تتحدث عن رفض تسليم أيوب عيسيو وإطلاق سراحه، معتبرا أن القرار جاء بسبب مخاوف القضاء الإسباني من غياب ضمانات المحاكمة العادلة في الجزائر. غير أن المنشورات ذاتها، لم تستشهد بأي تاريخ لجلسة أو رقم قضية أو تصريح لقاض إسباني يؤكد هذا القرار، ولم تتناقله أي وسيلة إعلام إسبانية معروفة حتى وقت نشر هذا التقرير.
ما تؤكده المصادر الإسبانية: عيسيو لا يزال رهن الاحتجاز
نشرت صحيفة “دياري دي تاراغونا” الإسبانية، في التوقيت نفسه تقريبا يوم 4 سبتمبر، تقريرا يؤكد أن إجراء التسليم لا يزال بين يدي القضاء الإسباني، وأن عيسيو لا يزال في الحبس الاحتياطي في انتظار أن تبت المحكمة الوطنية في وثائق الجزائر ودفوع محاميه. خصص التقرير مساحة واسعة لمقال رأي كتبه رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالس يطالب فيه إسبانيا بالإفراج عن عيسيو، وهو طلب لا معنى له لو كان الرجل قد أخلي سبيله فعلا كما زعم الخبر المتداول.
مواقع إسبانية أخرى تؤكد الصورة نفسها. أشار موقع “ذي أوبجكتيف”، في تقرير نشره يوم 3 سبتمبر، إلى أن الملف تحول إلى نقطة توتر دبلوماسي جديد بين الجزائر وإسبانيا، فيما بقي عيسيو خلف القضبان طوال هذه الفترة. ونقلت صحيفة “إل إندبندنتي” عن محاميه سيزار أغويري، في تصريح نشر يوم 24 أغسطس، أن القرار النهائي بشأن التسليم متوقع في أقل من شهر من ذلك التاريخ.
المسار القضائي الكامل منذ التوقيف في برشلونة
أوقفت الشرطة الإسبانية عيسيو يوم 25 يوليو 2026 في مطار برشلونة، قادما من الدار البيضاء، بناء على مذكرة توقيف دولية صادرة عن الجزائر في 9 أبريل من العام نفسه. وكانت السلطات الجزائرية قد قدمت طلب التسليم رسميا عبر القنوات الدبلوماسية في 3 يونيو 2026، استنادا إلى حكم غيابي صادر في 17 ديسمبر 2025 عن القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي امحمد، يقضي بسجن عيسيو 20 سنة في قضايا تبييض أموال وتزوير، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف في 15 مارس 2026.
مثل عيسيو أمام المحكمة الوطنية الإسبانية يوم 28 يوليو، ورفض الموافقة على تسليمه طواعية. وطلبت النيابة العامة الإسبانية إبقاءه رهن الحبس، وهو ما وافق عليه القاضي المكلف بالملف سانتياغو بيدراز. تقدم محامو عيسيو لاحقا بطلب للإفراج المؤقت مقابل ضمانات مالية، لكن القاضي رفض الطلب في قرار مؤرخ 21 أغسطس 2026، معتبرا أن هناك خطرا مرتفعا للفرار نظرا لامتلاك عيسيو جنسية دولية وروابط خارج إسبانيا.
قرار التسليم لم يصدر بعد: موعد محتمل في سبتمبر
بحسب عدة مصادر إسبانية متطابقة، من المنتظر أن تصدر المحكمة الوطنية قرارها بشأن طلب التسليم خلال النصف الثاني من سبتمبر 2026. وإذا وافقت المحكمة على مبدأ التسليم، فإن القرار النهائي يعود عندها إلى مجلس الوزراء الإسباني، الذي كان قد وافق بالفعل في 29 يونيو 2026 على مواصلة النظر في الملف إداريا. بعبارة أخرى، لا تزال القضية في مرحلة قضائية لم تحسم، ولم يصدر أي قرار برفض التسليم أو بالإفراج عن عيسيو حتى تاريخ نشر هذا التقرير.
حملة دعم فرنسية واتهامات جزائرية بارتباطات صهيونية
حظي عيسيو بحملة دعم علنية في فرنسا. نشرت “لو جورنال دو ديمانش” عريضة وقعها نحو عشرين كاتبا وإعلاميا وشخصية عامة يطالبون بعدم تسليمه، من بينهم مانويل فالس وبرنار كوشنير وماريك هالتر ودانييل سلفاتور شيفر والكاتب بوعلام صنصال. وكتب فالس في عموده بموقع “ذي أوبجكتيف”: «لا أطلب من إسبانيا أن تواجه الجزائر، بل أطلب منها أن تبقى وفية لذاتها»، في إشارة إلى ما يعتبره التزامات إسبانيا بحقوق اللجوء والمحاكمة العادلة.
في المقابل، اتخذت الصحافة الجزائرية المقربة من السلطة منحى مغايرا تماما. خصصت صحيفة “الوطن” الناطقة بالفرنسية صفحتها الأولى لما وصفته بروابط إسرائيلية ولوبيات الظل، زاعمة أن حملة الدعم تديرها أوساط صهيونية وضباط سابقون في الاستخبارات المغربية. من جهتها، اتهمت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية باريس بحماية المتورطين في قضايا فساد تزامنا مع استعداد قناتي تي أف 1 وفرانس تلفزيون لتغطية الملف.
سوابق موثقة تغذي المخاوف من التسليم
ترتبط المخاوف المعلنة حول مصير عيسيو في حال تسليمه بسابقتين موثقتين سبق أن سلمت فيهما إسبانيا معارضين جزائريين لبلادهما رغم مخاطر واضحة على سلامتهما الجسدية. الحالة الأولى تخص الدركي المنشق محمد عبد الله، البالغ من العمر 33 عاما، الذي طلب اللجوء السياسي في إسبانيا بعد فراره من الجزائر إثر مشاركته في حراك 2019. وبحسب منظمة “الجزائر ووتش” الحقوقية، نقلته السلطات الإسبانية في 21 أغسطس 2021 من مركز احتجاز في برشلونة إلى مدينة ألميريا، قبل أن تضعه على متن قارب باتجاه ميناء الغزوات الجزائري حيث اعتقل فور وصوله، من دون صدور أي قرار قضائي إسباني بتسليمه، وفق ما أوردته صحيفة “الشروق” الجزائرية حينها.
أودع عبد الله سجن الحراش، ثم نقل من دون سابق إنذار، في 30 أغسطس 2021، إلى سجن القليعة شديد الحراسة، حيث وضع في عزلة تامة لا يغادر فيها زنزانته سوى ساعة واحدة يوميا. وبين 29 سبتمبر و14 أكتوبر من العام نفسه، نقل مرتين إلى ثكنة عنتر، وهو مكان وصفته “الجزائر ووتش” بأنه معروف بممارسة التعذيب، حيث حرم من النوم والطعام لأيام خلال استجوابه.
الحالة الثانية تتعلق بالعريف السابق في الجيش محمد بن حليمة، المبلغ عن فساد ضباط كبار، والذي سلمته إسبانيا للجزائر عبر طائرة خاصة في مارس 2022، بعد حكم غيابي بالسجن عشر سنوات. ونقلت صحيفة “القدس العربي” عن بن حليمة نفسه شكواه من تعرضه للتعذيب، فيما طلب دفاعه من القضاء الجزائري حمايته. كما استنكرت عائلته لجوء التلفزيون الجزائري إلى بث اعترافات مصورة له وهو في الحبس الانفرادي، وصفته فيها بالإرهابي. وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت، قبل التسليم، من أن السلطات الإسبانية تدرك تماما المصير الكئيب الذي ينتظره. وفي أغسطس 2022، تقدم محامون إسبان بشكوى ضد إسبانيا أمام لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، معتبرين أن تسليمه خالف المادة الثالثة من اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها مدريد في 1987.
ماذا بعد
موعد قرار المحكمة الوطنية الإسبانية بشأن طلب التسليم لم يحدد بدقة بعد، لكن عدة مصادر قضائية وصحفية متطابقة تشير إلى النصف الثاني من سبتمبر 2026. إلى ذلك الحين، يبقى أيوب عيسيو رهن الحبس الاحتياطي في سجن بريانس 1 بكاتالونيا، وأي معلومة تفيد بعكس ذلك تستوجب التحقق من مصدرها قبل تداولها.
المصادر
- Diari de Tarragona – Manuel Valls pide que España libere al empresario argelino detenido cuando iba a instalarse en Tarragona
https://www.diaridetarragona.com/sucesos/269966/manuel-valls-pide-espana-libere-empresario-argelino-detenido-iba-instalarse-miami-platja.html – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - The Objective – Argelia abre un pulso diplomático y migratorio con España por la extradición de Ayoub Aissiou
https://theobjective.com/espana/2026-09-03/argelia-pulso-diplomatico-migratorio-espana-extradicion-ayoub-aissiou/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - El Independiente – Ayoub Aissiou, el periodista que el Gobierno español quiere dejar a merced de Argelia
https://www.elindependiente.com/internacional/2026/08/24/ayoub-aissiou-periodista-gobierno-espanol-merced-argelia/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - القدس العربي – قبل النظر في تسليمه للجزائر.. القضاء الإسباني يرفض الإفراج المؤقت عن رجل الأعمال أيوب عيسيو مخافة فراره
https://www.alquds.co.uk/قبل-النظر-في-تسليمه-للجزائر-القضاء-الإ/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - شهاب برس (نقلا عن صحيفة الوطن) – ملف أيوب عيسيو ينفجر.. ارتباطات وثيقة مع الكيان الصهيوني والمخزن
https://www.shihabpresse.dz/ملف-أيوب-عيسيو-ينفجر-ارتباطات-وثيقة-مع/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - الجزائر ووتش – التجاوزات والتعذيب في أيام الحراك الجزائري: قضية محمد عبدالله
https://algeria-watch.org/?p=81186 – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - القدس العربي – العسكري السابق بن حليمة يشكو تعرضه للتعذيب.. ودفاعه يطلب من القضاء الجزائري حمايته
https://www.alquds.co.uk/العسكري-السابق-بن-حليمة-يشكو-تعرضه-للت/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - الصحيفة – محامون إسبان يشتكون مدريد للجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة بعد تسليمها المعارض بن حليمة للجزائر
https://www.assahifa.com/محامون-إسبان-يشتكون-مدريد-للجنة-مناهض/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
أحمد ناصر – مجلة الاحرار



