الرئيسيةالمجتمعالبيئةلماذا تعود الجزائر إلى نفس كارثة الحرائق كل صيف؟ رأي مراد تشيكو

لماذا تعود الجزائر إلى نفس كارثة الحرائق كل صيف؟ رأي مراد تشيكو

سجّلت الجزائر خلال موجتي حرائق ضربتا الغابات بين تموز وأيلول 2026 أكثر من 150 حريقا في 16 ولاية، خلّفت 12 قتيلا على الأقل وفق حصيلة الحماية المدنية، بعد أشهر فقط من فيضانات أودت بحياة ستة أشخاص في شمال البلاد وغربها. مراد تشيكو، النائب السابق لرئيس النقابة الوطنية لأعوان الحماية المدنية، يرى أن جزءا كبيرا من هذه الخسائر كان يمكن تجنبه لو طُبّقت إجراءات احترازية بسيطة قبل اندلاع الكارثة لا بعدها.

لماذا هذا مهم
ارتفعت حرائق الغابات في الجزائر هذا الصيف بنسبة تقارب 167 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات الحماية المدنية التي نقلتها الجزيرة نت. الفيضانات من جهتها تتكرر كل موسم أمطار تقريبا، من غرداية عام 2008 إلى الجلفة وتلمسان في السنوات الأخيرة. هذا التكرار الموسمي يجعل من تقييم الاستعداد المسبق مسألة تتجاوز حدث بعينه، لتطرح سؤالا عن السياسات العمومية المتبعة قبل كل كارثة، لا فقط أثناءها.

رائحة الحريق لا تُنسى. من عاش قريبا من غابة تحترق يعرف أن الدخان يسبق النار بدقائق، وأن الرماد يبقى على الأشجار المتفحمة أياما بعد إخماد آخر لسان لهب. في جيجل وسكيكدة والطارف، حيث تركّزت أعنف حرائق أواخر آب 2026، أخلت عائلات منازلها وهي تحمل ما استطاعت حمله، بينما حاولت طائرات الإطفاء احتواء نيران وصلت أحيانا إلى أمتار قليلة من المساكن. مراد تشيكو، الذي عمل خمسة عشر عاما ضمن سلك الحماية المدنية قبل أن يتحول إلى صوت نقابي معارض لسياسات الوزارة الوصية، يتابع هذا المشهد كل صيف بالشعور نفسه: أن ما يحدث لم يكن حتميا.

تشيكو ليس معلقا من الخارج. فهو ينتمي إلى المكتب الوطني للنقابة الوطنية لأعوان الحماية المدنية، وشغل منصب نائب رئيسها، ووثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في 2013 مسيرته النقابية، بما في ذلك تسريحه من العمل عام 2004 بعد تنظيمه اعتصاما أمام الإدارة العامة للحماية المدنية للمطالبة بفتح تحقيق في ملفات فساد وتحسين ظروف عمل الأعوان. هذه الخلفية تمنح كلامه عن نقص الاستعداد وزنا مختلفا عن رأي المتفرج البعيد.

في حديثه على صفحته في فايس بوك، يفصّل تشيكو ما كان يمكن، برأيه، أن يقلّص من حجم الكارثة: تحديد مسبق للمناطق الغابية الكثيفة والوعرة، وتوزيع العتاد بحسب طبيعة كل منطقة، وإنشاء أحزمة واقية حقيقية حول الغابات، وشق مسالك تسمح بوصول فرق التدخل إليها بسرعة. يضيف إلى ذلك ضرورة نقاط مراقبة دائمة يشرف عليها أعوان الغابات في المناطق الأكثر عرضة للحريق، إلى جانب طرق وأحزمة وقائية حول القرى والبلديات المتاخمة للغابات. ما يصفه تشيكو ليس غياب المعرفة التقنية بالوقاية، بل غياب تحويلها إلى إجراءات ثابتة قبل بداية كل موسم حرائق.

حين يُقال إن دولا كبرى، بمواردها الهائلة، تعجز أحيانا عن إخماد حرائقها بالكامل، يرفض تشيكو أن يكون ذلك عذرا مقبولا في الحالة الجزائرية. يقول إن مساحة الغابات في البلاد، رغم اتساعها، لا تقارن بالمساحات الشاسعة في دول تعرف حرائق كبرى، وأن هذا الفارق يجعل الوقاية والتدخل المبكر أكثر قابلية للتحكم فيهما محليا لو خُطط لهما مسبقا. “المتهم الأول ليس المواطن، بل الجهات المسؤولة عن الوقاية“، يقول تشيكو.

في تموز 2026 وحده، أودت حرائق اندلعت في محيط عنابة، وتحديدا في غابة سرايدي، بحياة ستة أشخاص، وأعلنت السلطات فتح تحقيق في شبهة فعل إجرامي وراء اندلاعها. وبعد أقل من شهر، بين أواخر آب وبداية أيلول 2026، اندلعت موجة أوسع من الحرائق طالت 16 ولاية، أبرزها جيجل والطارف وسكيكدة، خلّفت هذه المرة 12 قتيلا و54 مصابا بحروق، بحسب حصيلة رسمية نقلتها وكالات الأنباء عن الحماية المدنية الجزائرية. ومن المتوقع أن تكون حصيلة الخسائر أكثر خطورة بكثير في المستقبل. تصدرت ولاية جيجل قائمة الولايات المتضررة بواقع 17 حريقا متواصلا وقت صدور الحصيلة، تلتها الطارف وسكيكدة بعشرة حرائق في كل منهما، ثم تيزي وزو وقالمة بخمسة حرائق لكل ولاية. تكرار الموجتين ضمن الصيف نفسه هو ما يجعل تشيكو يتحدث عن غياب تخطيط سابق للموسم، لا عن سوء حظ متكرر.

المنطق نفسه، يقول تشيكو، ينطبق على الفيضانات. ففي أيار 2026، أودت فيضانات ضربت عدة ولايات في شمال الجزائر وغربها بحياة ستة أشخاص على الأقل، بحسب حصيلة أولية تناقلتها وكالات الأنباء. يربط تشيكو هذه الخسائر المتكررة بغياب صيانة دورية لمجاري الأودية وقنوات التصريف، معتبرا أن تنظيف الممرات المائية وفتح قنوات صرف الأمطار بانتظام كان يمكن أن يفتح لمياه الأمطار طريقها الطبيعي، بدل أن تتجمع وتصعد إلى داخل المنازل.

من جهتها، أعلنت السلطات خلال موجة حرائق آب فتح تحقيقات في احتمال وجود فعل إجرامي وراء بعض بؤر الحرائق، مع تعهد الدولة بتعويض المتضررين، وفق ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط عن وزير الداخلية سعيد سعيود. هذه الإجراءات تخص الاستجابة الفورية بعد اندلاع النيران. أما ما يشغل تشيكو فهو المرحلة السابقة لذلك: ما الذي كان يمكن فعله قبل اشتعال النيران، لا بعد إخمادها؟

بعض التصريحات الرسمية تربط ارتفاع وتيرة الحرائق بالتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة. تشيكو لا ينفي هذا العامل، لكنه يرى أنه لا يلغي الحاجة إلى إجراءات وقاية محلية قابلة للتطبيق بغض النظر عن المناخ، بدليل أن بعض الولايات تكرر تسجيل الحرائق نفسها في المناطق نفسها كل موسم.

في روايته “الطاعون”، يصف ألبير كامو مدينة تكتشف الوباء من جديد كل مرة تظن فيها أنها انتهت منه، لتتذكر أن الكارثة لا تُهزم بالنسيان بل بالاستعداد الدائم لها. الحرائق والفيضانات التي تتكرر في الجزائر كل موسم تطرح سؤالا شبيها: هل الاستعداد المسبق أولوية ثابتة، أم رد فعل يُعاد اختراعه في كل مرة تشتعل فيها غابة أو يفيض فيها واد؟

تشيكو نفسه لا يزال، بحسب ما وثّقته هيومن رايتس ووتش عام 2013، خارج سلك الحماية المدنية منذ تسريحه عام 2004، رغم حكم قضائي يبرّئه، في انتظار عودة لم تتحقق بعد. وقد أمضى خمسة عشر عاما كاملة في هذا السلك قبل ذلك، وهي المدة نفسها التي يستحضرها اليوم كلما تحدث عن حريق أو فيضان كان يمكن تفاديه.

المصادر

  1. الجزيرة نت – “12 قتيلا بحرائق غابات في الجزائر والنيران تقترب من مناطق سكنية” – https://www.aljazeera.net/news/2026/8/27 – تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2026
  2. سكاي نيوز عربية – “حرائق الجزائر.. 67 حريقا مستعرا في 16 ولاية” – https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1888649 – تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2026
  3. يورونيوز عربي – “58 حريقا في 16 ولاية بالجزائر.. وإجلاء عائلات مع اقتراب النيران من المناطق المأهولة” – https://arabic.euronews.com/2026/08/26 – تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2026
  4. الشرق الأوسط – “الجزائر تُسيطر على ألسنة النيران وتعلن ملاحقة شبهة الفعل الإجرامي” – https://aawsat.com/العالم-العربي/شمال-أفريقيا/5299063 – تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2026
  5. القدس العربي (عن وكالات الأنباء) – “الجزائر.. مصرع 6 أشخاص على الأقل جراء فيضانات بعدة ولايات” – https://www.alquds.co.uk – تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2026
  6. هيومن رايتس ووتش – “الجزائر: قمع النقابات المستقلة” – https://www.hrw.org/ar/news/2013/10/06/251357 – تم الاطلاع عليه في 1 سبتمبر 2026

ليلى منصور – مجلة الأحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحرير
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة