الرئيسيةحقوق الإنسانالعدالةلماذا لا تزال ذكرى المحامي طارق زدام حية بعد ست سنوات من...

لماذا لا تزال ذكرى المحامي طارق زدام حية بعد ست سنوات من رحيله؟

في السابع من سبتمبر 2020، فقدت هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي في الجزائر أحد أعضائها الشباب، المحامي طارق زدام، إثر حادث دهس في برج بوعريريج. ست سنوات بعد رحيله، لا تزال شهادات رفاقه تحمل أسئلة لم تُجب عنها التحقيقات الرسمية بالكامل.

لم يكن طارق زدام مجرد محام بين آلاف المحامين الجزائريين، بل كان أحد الأصوات القانونية التي رافقت معتقلي الحراك الشعبي في قاعات المحاكم، في مرحلة اتسمت بملاحقات قضائية واسعة لنشطاء الرأي. لهذا تجاوز صدى رحيله حدود برج بوعريريج الصغيرة، وتحول اسمه إلى ذكرى يتردد صداها كل عام بين زملائه، في وقت لا يزال فيه كثيرون يتساءلون عن الظروف التي أحاطت بوفاته.

“كان يوما شاقا في محكمة برج بوعريريج. من تلك الأيام التي تتكدس فيها الملفات وتطول فيها الجلسات، حتى يشعر المحامي أن الوقت نفسه يماطل. جلس طارق زدام مع رفاقه من هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي، يوزع النكتة هنا وابتسامة هناك، على عادته التي عرفه بها من رافقوه في القاعات والممرات. في آخر المساء، حين بدأ الزملاء يتفرقون واحدا تلو الآخر، أصر طارق أن يبقى الجميع وقتا إضافيا. لكن التعب كان قد أنهك من تبقى معه، فاعتذر آخر رفاقه ذلك المساء، وافترقا عند باب المحكمة” وفقًا لشهادة نقلها أحد زملائه الذي كان برفقته في ذلك اليوم.

لم يكن أحد يعلم أن تلك الجلسة ستكون آخر لقاء يجمعهم به. بعد ساعات قليلة، استيقظ الزميل نفسه على رنين الهاتف. مكالمة من أحد أعضاء الهيئة في سطيف، تحمل خبرا لم يستطع استيعابه في البداية: طارق «قد غادرنا وإلى الأبد». في تلك اللحظات، يجد الإنسان نفسه عاجزا عن فهم كيف يتحول صباح عادي إلى نقطة انكسار في تاريخ جماعة بأكملها.

عُرف طارق زدام، ابن الخامسة والثلاثين، بانخراطه في هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي منذ انطلاق الحراك الشعبي في فبراير 2019. ترافع في قضايا عدد من معتقلي الرأي أمام محاكم برج بوعريريج وسطيف وولايات مجاورة أخرى، في وقت كان فيه الدفاع عن هذا النوع من الملفات يتطلب التزاما شخصيا يتجاوز الواجب المهني. نعاه يومها زملاؤه في نقابة المحامين ونشطاء حقوقيون عرفوه عن قرب، ووصفه كثيرون منهم بأنه لم يبخل يوما بوقته على من يحتاج مؤازرته القانونية، في القاعات كما خارجها.

كانت هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي، التي انضم إليها طارق زدام منذ تأسيسها تقريبا، شبكة تطوعية من المحامين الشباب عبر عدة ولايات جزائرية، جمعتهم مهمة واحدة: تأمين تمثيل قانوني لمن يُلاحقون على خلفية آرائهم أو مشاركتهم في مسيرات الحراك الشعبي. لم يكن هؤلاء المحامون يتقاضون أجرا عن هذا العمل، بل كانوا يقتطعون من وقتهم ومن راحتهم للتنقل بين محاكم برج بوعريريج وسطيف والمسيلة، كلما استدعت الحاجة حضورهم. بهذا العمل التطوعي، بنى طارق زدام سمعته بين معتقلي الرأي وأسرهم، الذين كانوا يعرفون اسمه قبل أن يروا وجهه في قاعة المحكمة.

مساء الاثنين السابع من سبتمبر 2020، وبينما كان طارق زدام يمارس هوايته المفضلة، ركوب الدراجة الهوائية، قرب مفترق طرق منطقة الياشير جنوب مدينة برج بوعريريج، صدمته سيارة من نوع بولو. فر سائقها من مكان الحادث. نُقل جثمانه إلى مسكن العائلة، ووُوري الثرى في اليوم التالي بمقبرة سيدي بتقة، وسط تشييع حاشد ضم زملاءه من هيئة الدفاع ونشطاء الحراك الشعبي.

لم يمر خبر الوفاة دون أن يثير موجة من التساؤلات على مواقع التواصل الاجتماعي. تحدث عدد من النشطاء عن احتمال وقوع عملية تصفية مدبرة، مستندين إلى الظرف السياسي الذي كانت تعيشه البلاد وقتها. واستند بعض من تحدثوا عن هذا الاحتمال إلى روايات متداولة عن تهديدات سبق أن تلقاها، نشطاء ومحامون منخرطون في الدفاع عن معتقلي الرأي. بقيت الفرضية متداولة أياما، قبل أن يسلم سائق السيارة نفسه لمصالح الأمن في التاسع من سبتمبر، ليخضع للتحقيق ويُحال لاحقا على العدالة. وفي أفريل 2021، التمس ممثل النيابة العامة لدى محكمة برج بوعريريج خمس سنوات سجنا نافذا في حق المتسبب في الحادث، في ملف عولج قضائيا بوصفه حادث مرور تسبب في وفاة، لا جريمة قتل عمد.

ومع ذلك، فإن توقيت الحادثة، الذي تزامن مع ذروة الملاحقات القضائية لنشطاء الحراك ومحاميهم، كان كافيا لدى كثير من رفاق طارق زدام لإبقاء الشك حاضرا حتى بعد صدور الحكم القضائي. فالثقة بين المواطن والمؤسسة لا تُستعاد بقرار محكمة وحده، حين يكون الطرف المتضرر أحد المدافعين عن معتقلي رأي.

ان صراع الإنسان ضد السلطة هو صراع الذاكرة ضد النسيان. وهي فكرة تلخص ما يفعله رفاق طارق زدام كل عام: لا ينشرون ذكراه يوميا حتى لا يتحول الحزن إلى طقس مكرر يفقد معناه، لكنهم لا ينسونه أبدا. تتكرر كلماته ونكاته وحيله في مجالسهم بين الحين والآخر، وكأن غيابه ترك فراغا لا تملؤه سوى الذاكرة الجماعية لمن عرفوه، ولا يملأه حكم قضائي مهما كان حاسما.

في السابع من سبتمبر من كل عام، تعود برج بوعريريج إلى ذلك المساء الذي افترق فيه رفاق المحاماة عند باب المحكمة. ويبقى المقعد الذي كان يشغله طارق زدام في اجتماعات هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي حاضرا في الغياب، شاهدا على قضية لم تُغلق كليا في وجدان من عاشوها، وإن أغلقها ملف قضائي في محكمة برج بوعريريج قبل خمس سنوات. تلك الذاكرة، التي يرفض رفاقه أن تخفت، هي ما تبقى اليوم من رجل ركب دراجته ذات مساء ولم يعد.

المصادر

  1. موقع الطريق نيوز – “وداعا أستاذ طارق زدام”، مقال نُشر في 10 سبتمبر 2020
    https://www.tariqnews.com/2020/09/10/وداعا-أستاذ-طارق-زدام-بقلم-إسلام-طبوش/ – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
  2. جريدة الشروق أونلاين – “خمس سنوات سجنا نافذا لقاتل المحامي طارق زدام”، مقال نُشر في 13 أفريل 2021
    https://www.echoroukonline.com/خمس-سنوات-سجنا-نافذا-لقاتل-المحامي-طار – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
  3. موقع لافانغارد الجزائر – “وفاة العضو في هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي المحامي طارق زدام”
    https://www.lavantgarde-algerie.com/article/actualites/ofa-alaado-fy-hy-aldfaaa-aan-maatkly-alray-almhamy-tark-zdam – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
  4. موقع صوت سطيف – “المتسبب في وفاة المحامي طارق زدام ببرج بوعريريج يسلم نفسه لمصالح الأمن”
    https://sawtsetif.dz/v/5193/ – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
  5. موقع الجزائر اليوم – “السائق المتسبب في وفاة المحامي طارق زدام يسلم نفسه للأمن”
    https://www.aljazairalyoum.com/السائق-المتسبب-في-وفاة-المحامي-طارق-زد/ – تم الاطلاع عليه في 7 سبتمبر 2026
  6. شهادة مكتوبة نشرها أحد رفاق طارق زدام في هيئة الدفاع عن معتقلي الرأي بمناسبة الذكرى السنوية لرحيله، تلقتها هيئة تحرير مجلة الأحرار مباشرة – تم الاطلاع عليها في 7 سبتمبر 2026

ليلى منصور – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصور
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة