تراهن السلطات الجزائرية على الذكاء الاصطناعي بوصفه رافعة لاقتصاد ما بعد النفط، وتستهدف تكوين مئات الآلاف من المختصين في تقنيات المعلومات وتقليص هجرة الكفاءات. الفارق بين إعلان استراتيجية وتفعيلها الكامل واسع عادة في تجارب دول أخرى. تتبع الخطوات الفعلية يفيد هنا أكثر من قراءة الإعلانات وحدها.
برنامج تكوين يدخل حيز التنفيذ فعليا
منذ 26 أبريل، يخضع مئات المتدربين في المعهد الوطني المتخصص للتكوين المهني بالرحمانية في العاصمة لدورة تكوين وطنية جديدة في الذكاء الاصطناعي. أطلقت الدورة وزيرة التكوين والتعليم المهنيين نسيمة أرحاب، بالتنسيق مع وزير اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة نور الدين وضاح. تمتد الدورة اثني عشر أسبوعا، ثمانية منها تكوين مكثف وأربعة مخصصة لإنجاز مشاريع فعلية. سبقها منذ 15 يناير برنامج لتكوين المكوّنين أنفسهم. تعلن السلطات أن الهدف هو تخريج كفاءات قادرة على الاندماج السريع في سوق العمل الرقمي، ضمن استراتيجية أوسع تطمح إلى تكوين ما يصل إلى خمسمائة ألف مختص في تقنيات المعلومات وتقليص هجرة الأدمغة.
ما الذي تحقق فعلا حتى الآن؟
يمكن الجزم بوجود بنية تحتية جامعية قائمة بالفعل. تضم الجزائر أكثر من خمسين مؤسسة جامعية تقدم تكوينا في الذكاء الاصطناعي، وعشرين مخبر بحث متخصص، إضافة إلى مئة وسبعة عشر بيت ذكاء اصطناعي موزعة على الجامعات، وهي فضاءات جامعية مخصصة لتدريب الطلبة على أدوات الذكاء الاصطناعي خارج المقررات التقليدية. تأسست أيضا المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، وهي بحسب الجهات الرسمية الأولى من نوعها في إفريقيا والعالم العربي. تختار المدرسة طلبتها من بين الأوائل في امتحان البكالوريا، وتمتد الدراسة فيها خمس سنوات تجمع بين برامج محدّثة على غرار الجامعات الدولية وتربصات ميدانية في مؤسسات اقتصادية. من المرتقب أن تتخرج أولى دفعات مهندسي الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات من هذه المدرسة خلال السنة الجامعية الحالية. هذا الجانب موثّق بمعطيات مؤسسية معلنة. لكنه لا يقيس بعد الأثر الفعلي لهؤلاء الخريجين على سوق العمل، إذ لم تصدر بعد أرقام حول توظيفهم أو مساراتهم بعد التخرج.
استراتيجية أُقرّت مرتين
اعتمدت الجزائر استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي في ديسمبر 2024، خلال المؤتمر الأفريقي الثالث للمؤسسات الناشئة، بإشراف رئيس المجلس العلمي للذكاء الاصطناعي البروفيسور مروان دبّاح. تقوم هذه الاستراتيجية على ستة محاور تتعلق بالبحث العلمي وتهيئة بيئة حاضنة ودعم الكفاءات المحلية والمؤسسات الناشئة. عادت الحكومة مع ذلك في 25 مايو 2026 لمناقشة مشروع استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، هذه المرة بقيادة رئيس الوزراء سيفي غريب، مرتكزة على ثلاثة محاور هي البيانات والبنية التحتية الرقمية والكفاءات البشرية، إلى جانب مشروع بوابة الخدمات الرقمية الوطنية. لم توضح المصادر الرسمية طبيعة العلاقة بين النسختين. لم يتضح ما إذا كانت الثانية تحيينا للأولى أم صياغة تفصيلية لتفعيلها، وهو تفصيل يستحق المتابعة قبل الحكم على مدى تقدم الملف فعليا. يشرف على متابعة الملف من الناحية العلمية المجلس العلمي للذكاء الاصطناعي، وهو هيئة استشارية تابعة بشكل مشترك لوزارتي التعليم العالي والبحث العلمي، واقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة. مهمته المعلنة تشخيص الإمكانات المتوفرة فعليا في البلاد قبل اقتراح أي تدخل جديد، وهو ما يميزه نظريا عن هيئات أخرى اكتفت بإصدار توصيات عامة دون تشخيص ميداني مسبق.
بين تقدير أمريكي وواقع الأرقام
نشر معهد نيو لاينز الأمريكي للاستراتيجية والسياسات تقريرا في مايو 2026 يرجّح أن تصبح الجزائر الفاعل التكنولوجي الأكثر تأثيرا في المغرب العربي ومنطقة الساحل، مستندا إلى موقعها الجغرافي واستقلاليتها الجيوسياسية. يتوقع التقرير أن ترتفع قيمة سوق الذكاء الاصطناعي في الجزائر من خمسمائة مليون دولار في 2025 إلى مليار وسبعمائة مليون دولار بحلول 2030. هذا تقدير من جهة خارجية، لا معطى محققا ميدانيا، وينبغي التعامل معه على هذا الأساس. يذكر التقرير أيضا تحولا داخل الجامعات الجزائرية نحو استخدام أوسع للغة الإنجليزية في التكوين العلمي، استنادا إلى استطلاع جامعي لم تنشر تفاصيله الكاملة، ما يفرض التعامل مع هذه النقطة بحذر إلى حين توفر معطيات أدق. الموثق بشكل مباشر هو استثمار مؤسسة اتصالات الجزائر مبلغ مليار ونصف مليار دينار، أي نحو أحد عشر مليون دولار، خلال 2025 في تمويل مؤسسات ناشئة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتيك. يندرج هذا الاستثمار ضمن برنامج يغطي أكثر من خمسمائة مشروع مبرمج بين 2025 و2026. تعتمد الخطة الأوسع للتحول الرقمي، بحسب معطيات نشرتها منصة أوزيريس السنغالية المتخصصة في رصد المجتمع الرقمي الأفريقي، على آليات تمويل مخصصة وأقطاب تكوين تُعرَّف بأنها أقطاب امتياز، إضافة إلى هدف معلن بتعميم الوصول إلى الأدوات الرقمية على شريحة أوسع من السكان. تبقى هذه الآليات، في مجملها، إعلانات مؤسسية لم يصدر بعد تقييم مستقل لمدى تنفيذها.
ماذا يعني ذلك عمليا لمستخدم عادي؟
عمليا، لا يزال أثر هذه الاستثمارات على الاقتصاد الجزائري غير قابل للقياس بعد. تحدد السلطات نفسها هدف مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي عند سبعة بالمئة بحلول 2027، وهو رقم مستهدف وليس محققا. أما بالنسبة للمواطن العادي، فإن أثر هذا التحول لا يزال غير محسوس في الخدمات اليومية، إذ تتركز معظم المبادرات المعلنة حتى الآن في التكوين الجامعي والمهني وتمويل المؤسسات الناشئة، لا في تطبيقات جاهزة للاستخدام واسع النطاق. ما يمكن ملاحظته اليوم هو أن الجزائر تجمع بين بنية أكاديمية قائمة، وبرامج تكوين تُطلق فعليا، ومشاريع استراتيجية لا تزال قيد الصياغة. الفارق بين هذه المستويات الثلاثة هو ما سيحدد خلال الأشهر المقبلة ما إذا كان الرهان على الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى قطاع منتج فعليا، أم سيبقى، كما حصل مع مشاريع رقمية سابقة، مرحلة إعلانات متتالية.
المصادر
- إذاعة الجزائر – إطلاق البرنامج الوطني للتكوين في مجال الذكاء الاصطناعي https://news.radioalgerie.dz/fr/node/84750 – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
- إذاعة الجزائر – تقرير معهد نيو لاينز حول الجزائر والذكاء الاصطناعي في المغرب العربي والساحل https://news.radioalgerie.dz/fr/node/86957 – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
- إذاعة الجزائر – اجتماع الحكومة حول مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي https://news.radioalgerie.dz/fr/node/86941 – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
- وكالة الأنباء الجزائرية عبر أول أفريكا – الاستثمار في تكوين الذكاء الاصطناعي لبناء اقتصاد تنافسي https://fr.allafrica.com/stories/202412050431.html – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
- إذاعة الجزائر – اعتماد الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي خلال المؤتمر الأفريقي الثالث للمؤسسات الناشئة https://news.radioalgerie.dz/fr/node/56441 – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
- أوزيريس (السنغال) – إطلاق الجزائر برنامجا وطنيا للتكوين في الذكاء الاصطناعي https://osiris.sn/l-algerie-lance-un-programme-national-de-formation-en-ia-pour-accelerer-la.html – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
سارة خليل – مجلة الاحرار



