هذا الاثنين، توجهت إلى الثكنة العسكرية لأوقع إجباريا على سجل الرقابة القضائية، للمرة المئة والتسعة وستون (169) أكرر نفس الشيء، وأوقع في السجل نفسه، في هذا الروتين الأسبوعي الذي أصبح مع مرور الوقت آليا تقريبا.
لكن هذا الاثنين، وأنا أعبر أبواب الثكنة، كان تفكيري في مكان آخر، كان مع ضحايا الحرائق، ومع عائلاتهم، ومع كل من عاش الرعب والخوف والألم، وكان تفكيري أيضًا مع أولئك الرجال والنساء الذين يسهرون في نفس الوقت على بلدنا العزيز، الجزائر، ويواجهون النيران، ويقدمون الإغاثة، ويحمون السكان، ويحاولون وسط الفوضى، إنقاذ الأرواح.
هذا النص مهدى إليهم
إنه مُهدى إلى الضحايا، إلى أولئك الذين فقدوا حياتهم، منازلهم، ممتلكاتهم، وأحيانًا كل ما بنوه خلال عمر كامل.
وهو مُهدى أيضا إلى رجال الإطفاء، وأعضاء الحماية المدنية، والحراس الغابات، والطواقم الصحية، وكل القوات المعبأة في الميدان، والمتطوعين، وكل هؤلاء المجهولين الذين، بشجاعة وكرم، وقفوا في وجه الخطر.
إلى كل أولئك الذين، رغم آلامهم الشخصية، لا زالوا يجدون القوة لإنقاذ الآخرين.
إلى أولئك الذين، بلفتة، أو وجبة، أو قنينة ماء، أو إيواء، أو مجرد وجود، يساهمون في رد البسمة إلى أطفالنا المجروحين بهذه المحن.
لقد تركت هذه الحرائق الأخيرة في نفس كل واحد منا، وفينا جميعًا، جرحًا عميقًا.
فمنذ محنة كوفيد-19، مرورًا بالمشاهد التي لا تطاق للإبادة الجماعية في غزة، وصولًا إلى المشاهد المرعبة لحرائق 2023 والحصيلة المأساوية لحرائق الأيام الأخيرة، كنا نواجه، سنة بعد أخرى، هذه المحن التي تركت فينا ندوبًا عميقة وصدمات قاسية،
عاطفيًا، لقد عانينا من محنٍ يكاد ثقلها يعادل ثقل قرونًا بأكملها.
صور نود نسيانها لكنها تظل محفورة في ذاكرتنا: عائلات في محنة وضياع، أطفال مرعوبون، منازل مدمرة، غابات تحولت إلى رماد، أرواح اختطفت بوحشية، وخلف كل رقم، وكل حصيلة، هناك وجه، عائلة، قصة، أقارب عليهم مواصلة الحياة مع الغياب والفقدان.
لقد رأينا من المعاناة ما يجعل الكلمات نفسها تبدو أحيانا عاجزة عن التعبير عما نشعر به.
نحن منهكون ومصدمون.
منهكون بهذه المآسي الكثيرة، وبهذه المعاناة، ومصدمون بهذه المشاهد التي لا تطاق.
مكلومون برؤية الموت، ورؤية المعاناة، وبرؤية عائلات تفقد في ساعات قليلة ما بنته طوال حياتها.
مفجوعون بمشاهد الدمار هذه التي تتكرر بلا انقطاع، ومتألمون بالوعود التي تتبع الكوارث، ثم بالصمت الذي يعود ليسود عندما تنطفئ كاميرات الإعلام.
لكن، وبعيدا عن هذه المآسي، فإن تفاصيل الحياة اليومية للمواطن هي الأخرى قد تحولت إلى محنة، وضع اجتماعي يزداد صعوبة، وقدرة شرائية تتآكل، ومخاوف تتضاعف، وشكوك تفرض نفسها، وشعور لدى الكثيرين بالعيش في توتر دائم، خاصة مع اقتراب الدخول الاجتماعي.
لم يعد المواطن يواجه أزمة واحدة فقط. إنه يواجه تراكمًا من المحن التي أثقلت كاهل الأجساد والأرواح، بل وحتى الأمل في بعض الأحيان، ورغم كل ذلك، يبقى شيء ما صامد.
تبقى هذه القدرة الاستثنائية لمواطنينا على النهوض عندما يبدو كل شيء ينهار.
أولئك الذين، وسط النيران، يخاطرون بحياتهم لإنقاذ جار.
أولئك الذين يفتحون بيوتهم للعائلات النازحة.
أولئك الذين يقدمون الماء، الطعام، بعض الملابس، القليل من العزاء.
أولئك الذين، يمدون يد العون لمن فقد كل شيء دون انتظار مقابل.
ففي أحلك الأوقات، يكشف مجتمعنا أيضًا عن أجمل ما فيه: التضامن، الأخوة، التعاطف، وتلك الإنسانية العميقة التي ترفض ترك الآخر وحيدًا في وجه المحنة.
ربما هنا تكمن قوتنا الأكبر، لأننا وإن كنا أصبنا بجرح عميق، فإننا لم نهزم.
عرفنا الخوف، الألم، الغضب والحيرة، لكننا اكتشفنا أيضًا، في قلب المحنة، مخزونًا هائلًا من الشجاعة والكرامة والتضامن.
سيتعين علينا الآن تحويل هذا الألم إلى وعي، وهذا الغضب إلى مطالب، وهذه التضامن العفوي إلى قوة جماعية حقيقية.
لأن حب الوطن لا يقتصر على مجرد إعلانه وتصريح به في الخطابات فحسب، بل حب الوطن يعني قبل كل شيء حماية مواطنيه، الحفاظ على غاباته، توقع الكوارث، تقديم الحسابات وتحمل المسؤوليات كاملة.
من حقنا أن نطمح إلى جزائر تكون فيها لحياة الانسان قيمة مطلقة، حيث كل كارثة يتبعها كشف للحقيقة والمسؤولية، وحيث الوقاية تحل محل الارتجال، وحيث تُعبأ الوسائل الضرورية قبل وقوع المأساة، وحيث التضامن ليس مجرد رد فعل على المحنة، بل قيمة دائمة وثابتة في المجتمع.
نحن بحاجة لأن نتنفس من جديد.
نحن بحاجة لأن نؤمن بأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا عن الأمس.
وأن أطفالنا يمكنهم أن يحيوا وأن يكبروا في وطن أكثر أمانًا، أكثر عدالة، وأكثر إنسانية.
إن الدموع التي ذرفت اليوم لن تذهب سدى، بل ستساهم في ولادة مجتمع أكثر وعيًا بقوته، وأشد تضامنًا، وأكثر مطالبة ومحاسبة لمن يحكمونه.
لأنه في وسط الرماد، تظل هناك دائمًا جمرة مشتعلة.
وطالما بقي في قلوب الجزائريات والجزائريين هذه القدرة على الوقوف والصمود، ومد يد العون لبعضهم البعض، والاستمرار في الإيمان بمستقبل أفضل، فإن الأمل لا يضيع أبدا.
بعد النيران، يجب علينا إعادة البناء، بناء المنازل، والغابات، والقرى، ولكن أيضًا الثقة، والكرامة، والأمل.
سيتعين علينا إعادة البناء من أجل أولئك الذين فقدوا كل شيء، ولكن أيضًا من أجل أطفالنا، لكي يستعيدوا بسمتهم، ويكبروا دون خوف، وينظروا إلى المستقبل بكل ثقة.
إعادة البناء هذه، لن تقتصر على الجانب المادي فقط، بل يجب أن تكون أيضًا أخلاقية، سياسية، ومواطنيه.
يجب أن تقودنا إلى المطالبة بمزيد من الشفافية، مزيد من المسؤولية، مزيد من الوقاية، ومزيد من الاحترام للحياة البشرية.
إن الأمة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الكوارث، بل بقدرتها على استشرافها وعلى منعها، وعلى حماية مواطنيها، واستخلاص الدروس من مآسيها.
إذن، بعد النيران، يتعين علينا إعادة البناء، ويجب أن نؤمن أننا قادرون على ذلك، لأنه في كل يد تمد وفي كل روح تنقذ وفي كل شجرة تغرس، وفي كل طفل نعيد إليه ابتسامته، هناك بالفعل جزء من تلك الجزائر التي نريدها أن تولد
جزائر واقفة.
جزائر متضامنة.
جزائر كريمة وشامخة.
جزائر تحمي أبناءها وتحترم حياة كل فرد.
إلى جميع الضحايا، قلوبنا معكم، وإلى عائلاتهم، تضامننا الصادق، وإلى أولئك الذين يسهرون على بلدنا، امتناننا وتقديرنا العميق، وإلى الذين يمدون يد العون، أخوتنا الخالصة، وإلى أطفالنا المجروحين، وعدنا بأن لا نستسلم لليأس ولا نتخل عن الأمل أبدًا.
بعد النيران، يجب إعادة البناء، ومعها سنعيد إحياء الأمل، من أجل الجزائر.
المجد لشهدائنا الأبرار
دعمي المطلق لمعتقلي الرأي
بقلم كريم طابو
الجزائر، 01 سبتمبر 2026
نشر ومراجعة: هيئة التحرير
هذا النص عبارة عن مقال رأي بقلم كريم طابو، ولا يعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لمجلة الاحرار. تنشره المجلة في إطار التعددية وفتح المجال أمام الآراء المختلفة.



